استراتيجية الخروج الإسرائيلي من الأزمة
 


إدراج صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 28/07/2006الساعة 06:01.
ريما فخري ـ عضو المجلس السياسي في حزب الله
تقف منطقتنا اليوم على مفترق طرق مصيري، حيث يتوقع لنتائج الحرب التي شنها الكيان الصهيوني ومن خلفه الولايات المتحدة على لبنان وحزب الله والمقاومة مباشرة، وعلى قوى الممانعة والصمود في منطقتنا، أن ترسم مستقبل السلطة السياسية وقوى النفوذ والسيطرة فيها.

وحين تصرح وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس أن ما يجري الآن في لبنان انما هو آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد ، تعبر بدقة عن خلفية هذا العدوان وحجمه وربما إلى أين يُراد له أن يصل.

كما ان المتابع لبعض مراكز الدراسات الاميركية الاساسية على شبكة الإنترنت قد يتفاجأ بحجم ومستوى الحماس الاميركي والتأييد لهذه الحرب وهذه الاعتداءات الاسرائيلية.
بل إن بعضها، مثل مركز واشنطن لشؤون الشرق الادنى الذي يعتبر من المراكز الاساسية التي تنظّر لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط عموما، وما خصّ مصالح الكيان الصهيوني خاصة، قدم لحكومة العدو مقترحات للتعاطي مع حزب الله، منذ اليوم التالي لعملية أسر الجنديين، من قبيل شن عمليات برية عنيفة على لبنان، قتل وأسر أكبر عدد ممكن من كوادر الحزب، شن هجمات جوية لتدمير البنية التحتية للحزب والبنية التحتية للبنان، تهجير اللبنانيين، وغيرها.

واستناداً الى بعض تحليلات وقراءات الفريق الاميركي المتحمس لمعركة الشرق الأوسط الجديد نلاحظ شبه اتفاق حول جملة توصيات وأفكار، منها:
على اسرائيل والعالم أن يستغل الفرصة ويوسع مروحة طموحاته بحيث لا تقتصر المطالب على إعادة الجنديين الإسرائيليين، بل على تجريد حزب الله من سلاحه وفرض واقع على حدود لبنان الجنوبية، يساهم بتحقيق مشروع الولايات المتحدة في الشرق الاوسط الجديد.

إن إيران وسوريا وحلفاءهما في المنطقة، لا سيما حزب الله وحماس، مسؤولون عن إفشال مشروع الرئيس الاميركي في الشرق الاوسط، لذلك لا بد من البدء بتغيير هذه المعادلة.

على الولايات المتحدة أن تساعد في بناء مظلة عربية للحرب الاسرائيلية على حزب الله من جهة، وعلى حماس وقوى الانتفاضة من جهة أخرى.
يجب أن لا تفرض الولايات المتحدة على إسرائيل وقفاً لإطلاق النار، قبل تحقيق الأهداف الاساسية للحرب.
نستنتج مما سبق أن:
الحرب التي يشنها الكيان الصهيوني على لبنان وعلى حزب الله هي حرب مخطط لها أميركياً إسرائيلياً.
تعكس هذه الحرب طموح الادارة الاميركية وسياستها في منطقة الشرق الاوسط.
الولايات المتحدة لن تألو جهداً لدعم هذه الحرب وتزويد العدو الإسرائيلي بما يحتاج ويطلب من عدة وعتاد وخبرات وغيرها.
بالنسبة للأميركي، كما للصهيوني، الفشل ممنوع في هذه المعركة لأنها معركة مصير مشروع كليهما، مشروع الشرق الأوسط الجديد، مشروع الكيان الإسرائيلي الأقوى في المنطقة، مشروع إنهاء القضية الفلسطينية وصولاً لتوطين الفلسطينيين في لبنان...

يمكن القول إن حكومة اولمرت في وضع صعب وذلك للاعتبارات التالية:
بات معروفاً أن القيادة الجديدة للكيان الغاصب تعيش عقدة نقص لكون رموزها من غير جنرالات الحرب ومن غير القيادات التاريخية التي أسست بالدم الدولة الصهيونية.
مع تسلم حكومة أولمرت السلطة فرضت عليها جملة تحديات ميدانية أهمها:
- عمليات المقاومة الفلسطينية التي فرضت تحديين أساسيين في الفترة الأخيرة هما صواريخ القسام وعملية الوهم المتبدد.
- حضور وجهوزية المقاومة في لبنان وعملية الوعد الصادق الأخيرة.
- قيام قوى عسكرية على درجة عالية من التنظيم والقدرة ترفع شعار عدم شرعية الكيان الاسرائيلي وضرورة عودة الحق لأهله الفلسطينيين. وأهم هذه القوى حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الاسلامي وغيرها من الفصائل الفلسطينية في فلسطين المحتلة.
- منذ إعلان قيامها في المنطقة، وإسرائيل تخوض ضد الدول العربية المجاورة حروباً استباقية. لكن بعد انتصار المقاومة في لبنان، اضطرت الى تغيير عقيدتها الحربية، وبدأت بالعمل والاستعداد لخوض حروب دفاعية، وسقطت الهيبة الكاذبة لما كان يعرف بالجيش الأسطورة الذي ادّعى أنه لا يُقهر.

حين اتخذت حكومة اولمرت قرار شن هذه الحرب الهمجية على لبنان، انما أرادت أن تخرج من جملة المآزق التي تعيشها، في محاولة منها لتحقيق إنجاز، يعتبر تاريخياً، بالنسبة للكيان الصهيوني.

لكن قراءة إجمالية للوقائع والانعكاسات تظهر لنا التالي:
إن العدو الصهيوني حقق دون أدنى شك إنجازاً تاريخياً حتى الآن سيضاف الى سجل إنجازاته، وهو تدمير لبنان وقتل المئات من المدنيين من أبنائه، دون أن يتمكن من إعطاء أي دليل يثبت به أنه قتل أياً من قياديي حزب الله أو دمر قدراته العسكرية.

مع انتهاء الاسبوع الثاني من العدوان، بدأت ترتفع أكثر الاصوات الاسرائيلية المطالبة بوضع حد لهذه الحرب، وعدم إطالتها أكثر، خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار أنه للمرة الاولى في تاريخ الكيان الغاصب يقبع أكثر من مليون مستوطن في الملاجئ، وتدمر صواريخ المقاومة بنى تحتية ومبانيَ سكنية ومنشآت حيوية، وتعيش المستوطنات، في عمق أكثر من 50 كلم، حالة حرب حقيقية، وتقدر خسائر القطاع الصناعي في شمال الاراضي المحتلة بعشرين مليون دولار يومياً، وهو رقم مرشح للارتفاع مع استمرار الازمة، فضلاً عن خسائر قطاع السياحة خاصة اذا عرفنا أن مناطق الشمال هي من أهم المناطق السياحية في البلاد.

ولعل التعبير الواضح عن حال المستوطنين في المنطقة قاله إيلي سيسر، استاذ السياسة في جامعة تل أبيب: إن المواطن الإسرائيلي لن يستطيع البقاء في الملاجئ مدة طويلة بدون أن تجلب له الحكومة نتائج تذكر، فحتى الآن لم تتمكن الحكومة من تحقيق ولا جزء من الأهداف التي وضعتها لهذه الحرب.

في ضوء وقائع الاسبوعين الماضيين، ما هي خيارات الاطراف المعنية؟
لبنان: يبدو أن الخيار الوحيد الذي يحفظ لأمتنا وشعبنا الكرامة هو الالتفاف حول المقاومة والجيش اللبناني، ووضع كل الطاقات في خدمة مشروع دحر العدو ذليلاً عن أرضنا، وعدم تمكينه من تحقيق أي انجاز. أما المقاومة في لبنان، فقد أدركت خيارها أكثر والتزمت به، ولن يتوقف جهادها حتى تحقق الأمن والاستقرار لهذا الوطن، وهذا الشعب العظيم، بالتعاون مع كل المخلصين في وطننا.

إسرائيل: باتت خيارات العدو محدودة. فهو أنجز مهمة تدمير البنى التحتية والأبنية وقتل المدنيين، ومع ذلك لم يتمكن من توجيه ضربة تذكر للمقاومة.
هناك اليوم جدل كبير في الداخل الصهيوني، بين المؤسستين السياسية والعسكرية، حول المعركة البرية. وحسب الظاهر فإن طموح العدو اليوم هو احتلال بعض القرى الأمامية، ليس من أجل البقاء فيها، بل من أجل إقامة عازل أمني وناري تجري المساومة عليه لاحقاً في حال بدأت مفاوضات ما لإنهاء الأزمة التي جر نفسه والمنطقة اليها.

من الواضح أن الوقت ما عاد لمصلحة الصهاينة، وقيادتهم ستبدأ قريباً بطرح ما صار يعرف في أوساطهم بـ استراتيجية الخروج من الأزمة.

الولايات المتحدة الأميركية: ستجد نفسها مضطرة قريباً للبدء بحركة دبلوماسية وسياسية من أجل الخروج من هذه الأزمة بالحد الأدنى من المكاسب، أو على الأرجح بالحد الأدنى من الخسائر، خاصة اذا أخذنا بعين الاعتبار وضعها المزري في العراق، وإخفاقها في العديد من الملفات في الشرق الأوسط، وكون الحزب الحاكم فيها اليوم على أبواب انتخابات نصفية للكونغرس.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية