رؤية عام 1996 لـ"الشرق الأوسط الجديد" تنهار في مارون الراس
 


إدراج صحيفة النهار اللبنانية بتاريخ 28/07/2006الساعة 05:56.
كتبت هيام القصيفي
بعد أكثر من اسبوعين من الحرب الإسرائيلية على لبنان، يبدو "حزب الله" أكثر من مرتاح إلى الانجازات العسكرية التي حققها في الجنوب، ويبدو الرئيس نبيه بري مالكا مفتاح المفاوضات ومتحكما في ميزان الذهب في تصويب انتقاداته الحادة إلى الدول العربية، مسميا البعض ومطالبا سوريا تحديدا بما يطالب به العرب كلهم، ومستثنيا البعض الآخر، وفي سحب فتيل الانفجار الداخلي على خلفية بيان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في روما. بين تكامل الادوار مع الحزب وتوزيعها، بدا بري امس، بحسب "حزب الله" الذي فوض اليه الحديث عن مبادرة تبادل الاسرى، "واثق الخطوة". من هنا تأتي اشارته الى احتمال تغيير شروط المبادرة لافتة. وذكرت مصادره لـ"النهار" ان "بري حدد سابقا شروط المبادرة، ولكن اذا استمرت المعركة مفتوحة فان كل الاحتمالات مطروحة للبحث. فنحن اليوم نتحدث وثمة 600 قتيل سقطوا بالنيران الاسرائيلية، ولكن اذا استمرت آلة التدمير وارتفع عدد الشهداء الى الف لبناني او اكثر، فهل ينتظر احد منا ان نبقى على هذه المبادرة؟ نحن قدمنا التزما، لكننا لن نستمر متمسكين به الى ما لا نهاية". اما "حزب الله" فيقول ان الكرة في ملعب بري، "فحالياً لم تتبلور بعد اي اتصالات او مفاوضات والامور منوطة بأي تطور على الارض".
بعد اسبوعين من الحرب، لم يتحقق من مبادرة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس لتحقيق "شرق اوسط جديد" سوى تدمير الساحة اللبنانية التي ارادتها مختبرا اوليا لقيام هذا المشروع الذي استعاده امس سياسي لبناني، كما ورد للمرة الاولى في دراسة اعدها عام 1996 فريق من الباحثين الاميركيين والمحافظين الجدد وعلى رأسهم ريتشارد بيرل بعنوان "فرصة نظيفة" (clean break) والتي خصصت لمساعدة حكومة بنيامين نتنياهو من اجل ان تعيش اسرائيل ضمن محيط سليم وشرق اوسط جديد قوامه تحالف اسرائيلي مع تركيا – المرشحة لتؤدي دور قيادة قوة الناتو في لبنان ــ والاردن، واستخدام المعارضة اللبنانية لزعزعة الوجود السوري في لبنان. هذه "الفرصة النظيفة" بدت امس قابلة للنقاش في ظل الانقلاب العسكري الذي حققه "حزب الله" في مثلث عيترون بنت جبيل - مارون الراس، مما ادى الى انسحاب القوات الاسرائيلية منه.
وخلافا لما كانت المصادر الاسرائيلية تتحدث عنه امس عن تنوع اهدافها في لبنان وصولا الى اعادة السيطرة على منابع نهر الوزاني، فان اسرائيل تبدو يوما بعد آخر فاقدة الاستراتيجية البعيدة المدى عما تريده من حربها على لبنان. وللمرة الاولى يبدو جيشها كأنه مرتزقة لدى الولايات المتحدة، وينفذ سياستها في المنطقة "كما تقول مصادر الحزب لـ"النهار". فاسرائيل حددت حتى الآن افكارا كثيرة واهدافا عدة، اولا تحرير الاسرى، ثم عزل الحزب عن مساحة عشرين كيلومترا، ثم مسافة كيلومترين، ثم قررت عدم التوسع في الحرب البرية والاكتفاء بالحرب الجوية. وهي تقول يوميا انها ضربت منصات صواريخ وتعدد الاهداف العسكرية التي قصفتها في الجنوب، في حين ان صواريخ "حزب الله" لا تزال تنطلق من الجنوب في اتجاه اسرائيل، ولا تزال المقاومة تنفذ عملياتها في المناطق الحدودية.
يقف الحزب متمسكا باستراتيجيته التي حققت حتى اليوم اهدافها. فلقد قدم في معركة مارون الراس أمس نموذجا عما يمكن ان يكون عليه الوضع الميداني اذا قررت اسرائيل التقدم مجددا عبر البر. اما قصف منطقة العفولة الواقعة "ما بعد حيفا"، بحسب كلام الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله، فهو تأكيد جديد لمسار خطة الحزب العسكرية. وفي المقابل، فان الرد الاسرائيلي المتوقع ينحصر حتى الآن بحسب الحزب بسياسة الانتقام والحاق الاذى، لان بنك الاهداف فرغ من مضمونه، ولم يتبق سوى التدمير العشوائي من اجل الضغط لتغيير المعادلة سياسيا وليس عسكريا".
للمرة الاولى منذ عام 1973، يطل الجسر الجوي الاميركي بقوة وضخامة من اجل تزويد اسرائيل حاجاتها العسكرية، عبر اسكوتلندا، لكن الجسر يعبر بحسب الحزب عن "مدى حجم الفشل الذي يعانيه الجيش الاسرائيلي، ويعبر عن البعد الاميركي الحقيقي للحرب على لبنان، من خلال محاولة استخدام الاسلحة الذكية للسعي الى تحقيق اي مكسب مهما كان وهميا".
لا يستبعد الحزب حتى الآن ان تكون اسرائيل تفتش حاليا عن استراتيجة الخروج من لبنان، وخصوصا في ظل التحرك الاوروبي الجديد لتطويق الولايات المتحدة، لكن السؤال هو: أليس الحزب هو الذي يطوَّق حاليا لبنانيا واقليميا؟
الواقع أن ثمة قوى سياسية تتحدث عن سعي حثيث لكشف ظهر "حزب الله" داخليا واقليميا، داخليا عبر ما ظهر في بيان رئيس الحكومة في مؤتمر روما، وعبر لقاء قوى 14 آذار مع رايس في السفارة الاميركية، وصولاً الى العتب الذي تبديه هذه القوى على البطريرك الماروني الذي سارع بحسب اعتبارها "الى تبني مطالب سرعان ما رفضها حتى الاوروبيون".
اما اقليميا، فثمة محاولة حثيثة لتحييد سوريا عن الصراع مع اسرائيل و تاليا عن "حزب الله"، وجذبها بمغريات جدية وتطمينات. وفي هذا الاطار كثر الحديث اخيرا عن اتصالات تجرى لرمي الصنارة الاميركية في البحر السوري، وابقاء سوريا مرتبطة بالبعد السعودي اولا، والمصري ثانيا، والحفاظ على الصراع الدائر في مثلثه غير العربي اي واشنطن وطهران وتل ابيب، كخطة" ب" بديلة من الخطة "أ" التي كانت ترمي الى ضرب الحزب اولا وسوريا ثانيا. من هنا جاء التغيير في لهجة ايران المرتفعة تجاه لبنان، والخافتة تجاه سوريا، بعد كلام وزير النفط الايراني على ان ايران لن تغير سياستها النفطية في حال تعرض سوريا لهجوم، وتأكيد الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد ان اسرائيل قد حكمت على نفسها بالزوال بغزوها لبنان، ليعيد تشكيل رافعة جديدة للحزب. وقد حرصت ايران في الاسبوع الاول للحرب على اعطاء صورة معاكسة لها، مع العلم ان اسرائيل جددت امس على لسان وزير الدفاع الاسرائيلي عمير بيريتس، للمرة الثانية في اقل من 24 ساعة، انها "لا تسعى الى مواجهة مع سوريا" رغم كل البيانات السورية المتحدثة عن تعزيزات واستدعاء احتياط وغيرها من خطط الانتشار العسكرية على الحدود.
يحرص "حزب الله" على تحييد نفسه عن الموضوع السوري، لكنه يعتبر انه "بمجرد محاولة واشنطن فتح خطوط مع دمشق فهذا يعني اعترافا بالفشل العسكري ومحاولة مد جسور للخروج من المأزق". في حين تؤكد مصادر الرئيس بري انه عاتب على لقاء السفارة الاميركية، ومدرك تماما حركة الشارع العربي وخصوصا الشيعي، فقد سعى في حديثه التلفزيوني الى قناة "الجزيرة" الى "تغليب الوضع الداخلي وتفويت الفرصة على اي محاولة لاندلاع اي إشكال داخلي، من هنا كانت حركته قبل جلسة مجلس الوزراء وبعدها لتطويق اي اشكال داخلي تستفيد منه اسرائيل، والاتصالات المستمرة برئيس الحكومة في هذا الاطار هي لمنع اي سجالات ولتحصين الجبهة الداخلية".
في المقابل، وفيما تكثر التجاذبات في الشارع العربي حول فتوى الداعية الوهابي الشيخ عبد الله بن جبرين بتحريم "مساندة حزب الله"، فان بري الذي يعرف تماما كيف يزن خطابه السياسي سمى مصر من دون غيرها، وخصوصا ان الرئيس المصري كان سبق له ان تحدث مرارا عن الواقع الشيعي في المنطقة، ولفت الى امتناع الجرحى عن السفر بطائرات اردنية، وحرص على تسمية الامور باسمائها، كالتعبير عن المرارة من العرب والدعوة الى تحمل المسؤولية، "وما التلويح بتحرك الشارع العربي الا كمن يقرع جرس الانذار كي تستفيق الانظمة العربية".
 

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية