في المفاجأة الاستراتيجيّة والتكتيّة
 


إدراج صحيفة السفير بتاريخ 28/07/2006الساعة 08:50.
كتب الياس حنا (*)
أصبح مفهوم المفاجأة الاستراتيجيّة حقلا يُدْرس، ويُدرّس بحدّ ذاته من قبل الخبراء والدارسين. فالامّة التي تفاجَأ، تُصْدم. وإذا صُدمت، فهي تعاني مثلما يعاني الفرد عندما يخسر عزيزا عليه. وكي تخرج الأمّة من الصدمة، فذلك يستلزم علاجا يتطلّب وقتا طويلا.
عانت اميركا مفاجأة بيرل هاربور، فأعلنت الحرب على اليابان. استعملت النووي، ربحت الحرب وتبوّأت صدر النظام العالمي ولا تزال.

فوجئت الولايات المتّحدة مرّة ثانية في 11 ايلول .2001 لكن المفاجأة كانت في الداخل الاميركي. وبسبب ذلك تخوض اميركا حربها على الارهاب، التي راحت تدور على ارض العرب. غيّرت هذه المفاجاة النظام العالمي، أو بالاحرى سرّعت تشكّل نظام لم يكتمل حتى الآن.

فاجأت إسرائيل العرب في حرب الايّام الستّة، فهزمتهم مجتمعين. غيّرت هذه الحرب شكل البيئة الاستراتيجيّة في المنطقة. لا يزال العرب يعانون هذه الصدمة.

تفاجأت إسرائيل في حرب اوكتوبر .1973 وهذه مفاجأة من العيار الثقيل. بعد هذه المفاجأة، تبدّل العالم العربي في العمق، كما تبدّلت نظرة إسرائيل إلى نفسها، خاصة في المجال الامني: اوّل مسمار في نعش الردع الاسرائيلي.

ماذا عن الحرب التي تدور اليوم؟
في رسالته الثانية، أكّد السيّد حسن نصر الله ان المقاومة قويّة، لانها ليست مُخترقة. وإسرائيل ضعيفة، لانها لا تعرف شيئا عمّا يجري داخل هذه المقاومة: مستوى السريّة عال جدّا.
وفي رسالته الثالثة، أكّد السيّد انه أخذ من إسرائيل عنصر المفاجأة، وذلك عندما اسر الجنديين، وقبل ان تضرب إسرائيل أوّلا.

ما هو تفسير هذين الامرين؟
لا يمكن الحديث هنا عن مفاجأة استراتيجيّة، بالمعنى المُتعارف عليه. فهي قد تكون مفاجأة عملانيّة، وهو المستوى بين التكتي والاستراتيجيّ. لكن الاكيد، ان ما حدث، بسبب حجم وحدّة الردع الاسرائيلي، سوف تكون له تداعيات استراتيجيّة على كلّ المنطقة وليس فقط على لبنان.

تكمن المفاجأة الاستراتيجيّة لاسرائيل، في قدرة المقاومة على تجميع هذا القدر من السلاح ذي التأثير الاستراتيجي. فالصواريخ البعيدة المدى، تُعتبر في العقل الامني الاسرائيلي، من اهمّ المخاطر على الامن القومي. فكيف سمحت إسرائيل بتكديس هذه الترسانة على حدودها؟

في مكان آخر، فاجأت المقاومة إسرائيل عندما اصابت البارجة سار على الشاطئ اللبناني. لكنّ هذه المفاجأة، تبقى في البُعد التكتي ودون التاثير الاستراتيجيّ، إلا إذا استطاعت المقاومة لاحقا تدمير كلّ الاسطول البحري الاسرائيلي.

تندرج عمليّة الحزب في اسر الجنديّين، من ضمن المفاجأة التكتية، لكن مع تأثير عملاني واستراتيجيّ، نظرا للتداعيات التي تلت العمليّة.

لكن مفاجآت الحزب التكتيّة للجيش الاسرائيلي لم تتوقّف عند هذا الحدّ، فتدمير الدبابات الاسرائيليّة، خاصة دبابة الـ ميركافا IV ، هو امر مُذل لسلاح المدرّعات الاسرائيلي.

وأخيرا وليس آخرا، تتالت المفاجآت في طريقة قتال الحزب. فالجيش الاسرائيلي اعتقد ان الحزب سوف ينسحب عند الطلقة الاولى، ليدخل هذا الجيش ومن ثمّ يخوض الحزب حرب التحرير لمرّة ثانية. لكن الحزب قرّر خوض حرب مواقع دفاعيّة، من قرية إلى قرية، الهدف منها كسب الوقت، وتكبيد العدّو اكبر عدد ممكن من الخسائر البشريّة. وفي حال خسارة كلّ المواقع، يعود الحزب لخوض الحرب كما تعوّد عليه الجيش الاسرائيلي. عبّر السيّد في رسالته الاخيرة عن هذا الموضوع.

لكن ما هو سبب المفاجأة التكتيّة في البلدات: مارون الراس، بنت جبيل؟
باختصار، السبب يعود إلى الوعي التكتي للمحيط. والمقصود بذلك، ان عنصر المقاومة عندما حضّر ارض المعركة، هو يعرف محيطه، وُلد وترعرع فيه. يعرف الاحياء، الطرقات الرئيسيّة والفرعيّة. يعرف عدد الدكاكين، واسماء المخاتير، رئيس البلديّة. يعرف ايضا، عدد ينابيع القرية. وهو يعرف كيفيّة الدخول والخروج من القرية دون ان يثير الشبهة. وهو مطمئنّ لمحيطه المُسالم والمؤيّد له ولقضيّته. وهو ايضاً ابن هذه البيئة، دينيّا ومذهبيّا.

كانت كلّ هذه الاسباب مجتمعة، السبب الرئيسي الذي ساعد الحزب على تحضير مفاجآته في القرى والبلدات.
في الجهّة الاخرى، يدخل الجندي الاسرائيلي عند اجتياحه للقرى، إلى محيط جديد. يدخل إلى محيط معاد، لا يحبّه، لا يعرفه، كما يكرهه، فقط لان التراكمات العنفيّة معه لا يمكن ان تُمحى، فهي اصبحت جزءا لا يتجزّأ من جينات اهل تلك المنطقة.
وفي هكذا وضع، يعي عنصر المقاومة محيطه تكتيّا، فهو الذي كان قد بناه وأنشأه، وتفاعل معه بروحه وقلبه. اما الجندي الاسرائيلي، فهو تائه في المحيط الجديد، لا يعيه. وبسبب جهله للواقع الجديد، يدفع الكثير من الضحايا. وكيّ يتجنّب وقوع ضحايا في صفوفه، يعمد إلى تدمير هذا المحيط عبر آلته العسكريّة الضخمة. من هنا هذا الدمار الهائل.
(*) عميد متقاعد

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية