إسرائيل تستدعي ثلاث فرق... ولا توسع الحرب: التراجع عن الغزو البري والاكتفاء بالاجتياح الجوي
 


إدراج صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 27/07/2006الساعة 06:12.
حلمي موسى
فتح المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي، أمس، الباب أمام احتمال توسيع الحرب بمصادقته على توصية قيادة الجيش بتجنيد عشرات الآلاف من أفراد القوات الاحتياطية. وأزحت حكومة ايهود أولمرت بأنها عاجزة الآن، في ظل الإخفاقات الميدانية، عن توسيع المعركة لكنها تتأهب لتوسيعها بعد تجنيد القوات وتدريبها.
ويبدو أن القيادة الإسرائيلية باتت تقف على مفترق طرق: هل يتعين على إسرائيل بعد أسبوع أن تقرر استراتيجية التراجع والانسحاب من الأزمة الراهنة، أم أن عليها شن حرب لبنان الثانية بكامل الشدة.وفي الوقت الذي أبدت فيه غالبية الوزراء اعتراضها على توسيع الحرب البرية، كما تريد قيادة الجيش، سعت للظهور بمظهر من لا يعيق انتصار الجيش ، بل يعمل على ضمان أسسه.
ومع ذلك فإن المعنى الحقيقي للقرار الإسرائيلي هو أنه ليس هناك قرار بالامتناع عن تنفيذ عملية برية واسعة وأن بالوسع التهديد بتنفيذها. وأشار معلقون إسرائيليون إلى أن المداولات التي جرت والتي عرض فيها الجيش رؤيته ومواقفه وتوصياته، تدل على أن هيئة الأركان فهمت أن الحرب ليست نزهة وأن التردد في اتخاذ القرار الحاسم بشأن التوسيع يعود إلى النتائج غير المرضية ميدانيا حتى الآن.

المجلس الوزاري
وقرر المجلس الوزاري المصغر في اجتماعه أمس عدم تغيير أسلوب العمل العسكري في لبنان، وبالتالي عدم توسيع العملية البرية والاكتفاء بتشديد الغارات الجوية. وأشار معلقون إلى أن هذا القرار توافق مع توصية وزير الدفاع وتعارض مع توصية رئيس الأركان الذي فضل توسيع نطاق العملية البرية.

وفي المداولات، تحدثت وسائل الإعلام عن أن وزير الأمن الداخلي آفي ديختر قال إنه لا يؤيد عملية واسعة في لبنان. وقال إن من الواجب مواصلة العمل الميداني وفق الخط الذي قررناه في السابق والمحافظة على أهداف الحكومة: ضمان منطقة أمنية عازلة قرب الحدود، وقف إطلاق الكاتيوشا وتحرير المخطوفين وتنفيذ القرار 1559.

وطالب وزير العدل حاييم رامون، الذي يخضع للتحقيق القضائي بتهمة التحرش الجنسي، بتشديد القصف المدفعي والجوي وبعد ذلك إدخال قوات برية بأقل قدر ممكن. كما دعا رامون وزعيم شاس إيلي يشاي إلى استكمال عمليات تدمير البنية التحتية في لبنان التي تخدم حزب الله وخصوصا الكهرباء والمياه.

وأشار رامون إلى أن القانون الدولي يسمح بضرب الأماكن التي تطلق منها الصواريخ. وشدد على أن إسرائيل تعمل بحساسية أكثر من تلك التي أبداها حلف الاطلسي في بلغراد . أما يشاي فطالب بقطع الأوكسجين في بيروت في مقابل قطع الكهرباء في حيفا. وأيد الوزير بنيامين بن أليعزر خطوات برية واسعة فيما عارض ذلك وزراء مثل شاؤول موفاز وإيلي يشاي وحاييم رامون.

وجاء في قرار التجنيد أنه يتم لغرض إعداد القوات لأي تطورات محتملة وبقصد إنعاش الوحدات. ويعني القرار أن توسيع المعركة يحتاج إلى قرار آخر وأن هذا التحفظ جاء فقط لتهدئة مخاوف سوريا. وفي المجلس الوزاري كان الوزير أوفير بينس من حزب العمل الوحيد الذي عارض قرار تجنيد القوات الاحتياطية. ويصعب فهم قرار المجلس الوزاري من دون متابعة التداخل في السياق السياسي والأمني الذي تبدى في مداولات الهيئة السباعية التي جرت ليلة أمس الأول.

اجتماع السباعية
شكل اجتماع هيئة السباعية الوزارية النقطة الحاسمة التي توافق فيها الجيش والحكومة على ما ينبغي فعله في الواقع الراهن. وتبدت الصورة للجميع على النحو التالي: سلاح الجو عاجز لوحده عن إيقاف إطلاق الصواريخ وحسم المعركة. وهذا يفرض على إسرائيل خوض حرب برية من أجل تطهير منطقة واسعة جنوب لبنان من الصواريخ وإبعاد خطرها. ونقل الجيش للهيئة السباعية رأيين مختلفين للمنطقة المراد تطهيرها : واحد يكتفي بجنوبي الليطاني وآخر يوسع التطهير إلى جنوبي الأولي. وتبدي غالبية قيادة الجيش رفضها لكل خطوة برية تتجاوز الليطاني.

غير أن المشكلة الأهم عند الحديث عن التطهير، تتعلق بالأدوات التي ينبغي عليها القيام بذلك، وهي أساسا قوات المشاة المؤللة من ألوية المظليين وجفعاتي وغولاني وكتائب الإسناد الخاصة. وتعاني هذه القوات، في غالبيتها، من حقيقة استنادها إلى قوات نظامية تكاد تكون عديمة الخبرة قتالياً. ونالت هذه القوات خبرتها القتالية من معارك خاضتها في الضفة والقطاع وكانت صاحبة تفوق تسليحي وتدريبي واستخباراتي فيها على الطرف الفلسطيني. والأدهى أن نوعية القتال في الضفة والقطاع خلق نوعا من الأنا المتضخمة لدى قادة هذه القوات لجهة تسجيل البطولات في حرب المدن.

وهذا ما تبدد تقريباً منذ اللحظات الأولى للقتال في مواجهة مقاتلي حزب الله. فقد وجد الجيش الإسرائيلي أمامه قوة مدربة ومسلحة ومستعدة للقتال. ولذلك وبعد القصف المدفعي والجوي حاول التقدم البري المحدود لجس النبض وفحص الخطوط، وكانت النتيجة كارثية من وجهة نظر الجيش: صارت الدبابات الأحدث ميركافا سيمان 3 وميركافا سيمان 4 مجرد مصائد نارية، ما أن تتقدم حتى تدمر ويقتل ويجرح من فيها وتتحول كل حركة منها إلى ورطة تستدعي إرسال قوات لتخليصها.

وهكذا تقرر ميدانياً، وعلى قاعدة لا تحارب ذبابة بقرن ثور الزج بالوحدات الخاصة من إيغوز وماغلان إلى الميدان. وأثبتت المعارك أن غطرسة قادة القوات الخاصة دفعتهم للتورط في مواجهة رجال حزب الله. وتبين أن أسلوب الزج بوحدات صغيرة عالية التدريب فاشل أيضا أو أنه بالغ الكلفة. لذلك عاد الجيش إلى أسلوب الزج بوحدات كبيرة مؤللة في مواضع قتال محدودة لحسم معارك جزئية. وكانت النتيجة حتى الآن غير مدوية ولا تسمح للجيش بإعلان النصر أو التفاخر بتحقيق إنجازات.

فقد استخدم حزب الله أساليب قتالية حيرت القادة الإسرائيليين. إذ أنهم عندما يفترضون أنه تأسس وتعسكر وبالتالي بات معروف المواقع والأساليب، يجدونه على الأرض مختلفاً. فهو يختفي وقتما يراهنون على استمرار وجوده ويصمد ويقاتل عندما يعتقدون أنه لجأ إلى الفرار. غير أن حزب الله في بنت جبيل فاجأهم كذلك عندما هاجم قوات غولاني عندما كانت تستعد هي للهجوم.

ووضعت هذه الصورة أمام القيادة السياسية الإسرائيلية التي لاحظت مقدار الارتباك في التخطيط العسكري. فأساليب حزب الله القتالية ألزمت الجيش الإسرائيلي بتغيير عدد من أهم قواعد سلوكه العسكري. وبدلاً من الأسلوب المعهود بتقدم المدرعات والآليات الثقيلة وجنود المشاة، لجأ الجيش الإسرائيلي إلى التكتيك المضاد: استخدام المشاة لتأمين الطرقات والمسارب لحركة المدرعات. وكان السبب الواضح هو العبوات الضخمة التي لا تتحمل أثرها أية مدرعة معروفة والصواريخ الحديثة المضادة للدروع من طرازي كورنيت وميتيس.

وهكذا، من أجل تنفيذ عملية برية، صار لزاماً على الجيش تجنيد قوات كبيرة وخصوصاً من جنود الاحتياط ذوي الخبرة القتالية. وكان هذا هو السبب وراء الإعلان عن قرار الحكومة الإسرائيلية بتجنيد حوالى ثلاث فرق عسكرية (حوالى 30 الف جندي) لإسناد الفرقتين اللتين تحاربان أو تساندان الآن الجهد الحربي في لبنان.

وفي اجتماع السباعية أمس الأول والمجلس الوزاري المصغر أمس، عرض الجيش أمام الحكومة كل الخيارات من الوقف الفوري لإطلاق النار إلى الحرب الشاملة ضد لبنان وسوريا. والميل الغالب كان إلى جانب تأييد حل وسط يتمثل في هجوم بري واسع لـ تطهير المنطقة من البنى التحتية لحزب الله حتى جنوب الليطاني، وأن هذا الهجوم سيستغرق حوالى شهرين.
ويشير المراسل السياسي لصحيفة هآرتس ألوف بن إلى أن إيهود أولمرت حاول منع الوزراء في اجتماع السباعية ، الذي استمر أكثر من خمس ساعات، من إبداء رأيهم. وقال لهم أنا تعب، لم أنم أمس طوال الليل. غير أن الوزراء أصروا على إبداء الرأي.

وبدا في اجتماع السباعية أن الوزراء كانوا أشد ترددا. فوزير الدفاع لم يكن إلى جانب توسيع العملية البرية، كما أن نائب رئيس الحكومة شمعون بيريز حذر من نفاد الوقت المتاح للجيش بسبب الأعباء الملقاة على الجبهة الداخلية. وطلب بيريز، وفق هآرتس ، بوقف القتال والدخول في مفاوضات لإطلاق سراح الأسرى أو خوض الحرب بكل قوة ضد حزب الله.

وبرغم وجود إشارات الى أن أولمرت كان قد قرر قبل اجتماع السباعية تجنيد حوالى ثلاث فرق احتياط، فإنه اختار اجتماع السباعية لبلورة الموقف من القرار واجتماع المجلس الوزاري المصغر لإعلانه.

وكانت سوريا وخطر الحرب معها الحاضر الغائب الأكبر في مداولات السباعية والمجلس الوزاري المصغر وخصوصاً لجهة تجنيد الاحتياط. وتم إبلاغ الوزراء بأن السوريين يعيشون حالة تأهب قصوى خشية هجوم إسرائيلي. واقترح بعض الوزراء سبلاً لإقناع سوريا بأنها غير مستهدفة. ولكن وزير الأمن الداخلي آفي ديختر طالب بالاحتكاك العنيف والمحدود مع الفعاليات السورية ذات الصلة بالقتال في لبنان. وفسر ديختر لاحقاً في مقابلة تلفزيونية حقيقة أنه كان الوحيد المندفع لمحاربة سوريا بالقول إنه طالب فقط بإيصال رسائل عنيفة إلى سوريا وليس شن الحرب عليها.

بيرتس وحلوتس
ودعا وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس إلى تسمية الحرب الجارية بحرب ما بين الضائقتين ، مستخدماً تعبيرا دينياً. ويحتفل اليهود عادة بفترة  ما بين الضائقتين بوصفها أيام الشدة المرتبطة بخراب الهيكل. وشدد على أنه لا مجال لقبول عودة حزب الله للجلوس على السياج الحدودي قبالة إسرائيل.

وأشار في مؤتمر صحافي عقده مع رئيس الأركان دان حلوتس إلى أن إسرائيل تعيش في ذروة حرب وأنه برغم الألم الكبير جراء الخسائر الكبيرة في المعارك مع حزب الله فإن إسرائيل مصممة على تغيير الوضع على الحدود الشمالية. وشرح بيرتس قرار تجنيد قوات احتياطية كبيرة وقال إن ذلك يأتي استعداداً لكل تطور محتمل. فنحن سنستخدم كل القوة الضرورية من أجل الدفاع عن إسرائيل وإكمال تحقيق أهداف العملية .

وأشار إلى معارك بنت جبيل وقال إن الخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش  لن تضعف عزيمتنا. فمسموح لنا أن نتألم ولكن محظور علينا أن ننهار. مسموح لنا الحزن ومحظور التراجع .

ورفض بيرتس انتقادات العالم لإسرائيل بالإفراط في استخدام القوة، وقال إن إسرائيل اتخذت قراراً بعدم السماح ببقاء خطر حزب الله عليها. وأضاف أن  على العالم أن يعرف أن ألمنا ليس ضعفاً وإنما هو القوة الحقيقية في إسرائيل . وقال إنه لن يتم بعد اليوم السماح لمنظمة إرهابية بتهديد دولة إسرائيل، وأن تطلق بسهولة الصواريخ على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

وقال بيرتس إن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته براً وبحراً وجواً  من أجل ضرب قوى الإرهاب المتطرفة التي تراكمت وتأسست طوال سنين على الحدود الشمالية . وأضاف أن الهدف هو إقامة منطقة خالية من معاقل حزب الله وعدم تمكينه من العودة الى رفع أعلامه على أسوار دولة إسرائيل . وأشاد بيرتس بصمود الجمهور الإسرائيلي وتعهد باسم الحكومة بتعويض الإسرائيليين عن الأضرار الشديدة التي أصابتهم.

ووجه بيرتس رسالة إلى سوريا خصوصاً بعد إعلان جهات سورية عن توسيع الجيش الإسرائيلي لانتشاره في هضبة الجولان. وقال إنه إزاء سوريا هناك حساسية، ولكن رسالتنا قاطعة وحازمة: لا نية لدينا لفتح جبهة ضد سوريا، ولكن على السوريين أن يعرفوا أننا بالمرصاد. ونأمل ألا يجر حزب الله سوريا إلى هذه الأزمة.

من جهته، قال حلوتس عن معارك بنت جبيل إنه في مقابل الثمن الباهظ الذي دفعه الجيش الإسرائيلي هناك عشرات القتلى في صفوف حزب الله. وشدد على أننا وضعنا لأنفسنا أهدافاً قابلة للتحقق. الأول يتعلق بخلق الظروف لإعادة الجنود المخطوفين، والثاني العمل لخلق واقع أمني آخر على خط المواجهة، يمنع حزب الله من الوصول إلى جانبنا، والثالث يتعلق بإضعاف حزب الله، أما الرابع فيتعلق ببسط السيادة اللبنانية الأصلية للحكومة اللبنانية على أراضيها.

وقال إنه تم تحقيق قسم من هذه الأهداف في ما يجري العمل لتحقيق القسم الآخر. وأضاف إن الضربة التي وجهت لحزب الله على المستوى الاستراتيجي كانت هائلة، موضحاً أن إسرائيل قتلت حتى الآن المئات من المخربين وبينهم عدد من القادة. واعترف بأنه مع ذلك لا زالت لديهم القدرة على إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، وسوف نواصل العمل من أجل تقليصها.

وأعلن حلوتس أن قرار المجلس الوزاري المصغر يخوله تجنيد ما يصل إلى ثلاث فرق احتياط بشكل تدريجي. وقال إنه في البداية سيتم تجنيد القادة ثم الجنود. وأشار حلوتس إلى أن الحكومة تمنحنا الدعم وتصادق على أفعالنا، وقد استجابت لطلبنا تجنيد قوات احتياطية. والتجنيد هنا ليس تلقائياً. ليست لدينا نية لخلق تهديد على أية جهة بشكل ملموس، ولكن هناك حاجة للاستعداد لوقت اضطراري، وأنا سعيد لأننا توافقنا على ذلك وأعتقد أننا بذلك نخلق دفاعاً إضافياً، لتمكين الجيش من الاستعداد لكل الاحتمالات. هذا واجب الجيش. وواجب الدولة السماح بذلك. فالعملية في لبنان لم تنته وستتواصل بقدر ما يتطلب الأمر.

وقال إنه لم يشر إلى أن السيد نصر الله واحد من بين أهداف الحرب لأن قائمة التصفيات طويلة. ومع ذلك فإننا لا ننوي قتل كل عضو في حزب الله، فكل المطلوب هو أن يقرروا ويفهموا أن هناك طرقاً أفضل.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية