هل يكفي الانتصار في الحرب الإعلامية ؟
 


إدراج صحافة عربية بتاريخ 25/07/2006الساعة 04:37.
صحيفة الدستور الأردنية
باتر محمد علي وردم
بموازاة الحرب العسكرية وسريان آلة التدمير الإسرائيلية على لبنان ، كانت هناك حرب إعلامية شرسة وخاصة على الحصول على تأييد الرأي العام العالمي ، علما بأن هذا التأييد لا يحقق الكثير من المكاسب على أرض الواقع ولكنه على الأقل يحسم الجدل التاريخي الأخلاقي حول مجريات الحرب.

وفي خلال التاريخ اعتاد القوي عسكريا أن يصنع الأحداث ويوثقها كما يريد ، فقد كان الطرف الأكثر نجاحا في الحرب العسكرية والأكثر قدرة على تغيير الوقائع هو الذي يكتب التاريخ ، ولكن مع تقدم وسائل الاتصال الحديثة وتباينها وخروجها من سيطرة الدول إلى المؤسسات والأفراد ووجود وسائل الإعلام المستقلة ، تغيرت طريقة إدارة المعلومات والحقائق حول الحروب.

لا نريد أن نتحدث عن الرأي العام العربي فهو كله يدعم المقاومة وحزب الله إلى درجة عدم قبول أو حتى تقبل أي رأي مخالف واتهام أصحابه بالخيانة والعمالة ، فصوت الشارع العربي حسم الموقف وأصبحت أهداف وسائل الإعلام هي التماشي مع صوت الشارع أكثر من التحليل الموضوعي ، وبالفعل ففي زمن الحرب والمقاومة والعدوان لا مجال للموضوعية ولا يحدث النقاش والتقييم إلا بعد انتهاء الحرب كما حدث في العراق عامي 1991 2003و ويحدث الآن.

أما في مجال الرأي العام العالمي فكانت ساحة الصراع مشتعلة. في اليومين الأولين للعدوان كان الإعلام المؤيد لإسرائيل الأشد تأثيرا بحكم سيطرته على الإعلام الأميركي ، كما أن إسرائيل استخدمت حجة "خرق حزب الله للخط الأزرق واختطاف الجنود". ولكن بعد ظهور حقائق القصف الوحشي الإسرائيلي واستهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية للبنان حدث تحول جذري كبير. بطبيعة الحال لا يحدث أي تحول في وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية حيث تستمر فوكس نيوز وسي إن إن و إن بي سي بتقديم وجهة النظر الإسرائيلية بدون رتوش ، وتستمر نيويورك تايمز وواشنطن بوست في تكرار الحجج الإسرائيلية ، بينما تحاول كريستيان ساينس مونيتور الخروج أحيانا عن المألوف.

ولكن من الواضح أن نقد إسرائيل في الصحف الأميركية شبه استحالة ، بالرغم من وجود هذا النقد في الصحف الإسرائيلية نفسها. ويعتمد الإعلام الأميركي على استخدام كلمات وعبارات مبهمة في وصف الجرائم الإسرائيلية والتركيز على العبارات الوصفية الدقيقة لتغطية هجمات الصواريخ من حزب الله.

أما الصحف البريطانية فهي تغطي الحرب الحقيقية ، وتختلف تماما عن الصحف الأميركية. صحيفتا الإندبندنت والغارديان في المقدمة من حيث الموضوعية والصدق والتعاطف مع لبنان وإدانة إسرائيل. صحيفة الإندبندنت بالذات تقوم بعمل إبداعي في صفحاتها الأولى أثناء تغطية الحرب وتعتبر كتابات روبرت فيسك نبراسا للضمير الإنساني. أما الغارديان فهي تبقى وفية لخطها اليساري المناهض للحرب ، ولا تختلف الأوبزرفر والديلي ميرور كثيرا وكذلك إذاعة وتلفزيون بي بي سي الذي يعتبر موضوعيا جدا في المقاييس الإعلامية الغربية ولا يمكن أن يسقط في وحل التأييد الأعمى لإسرائيل. وفي منابر التعبير عن الآراء في موقع بي بي سي الإلكتروني نجد أن أكثر من 70% من الآراء ، ولأشخاص من أوروبا وافريقيا وأميركا اللاتينية وحتى الولايات المتحدة من غير العرب والمسلمين معارضة تماما لإسرائيل.

مواقع الإنترنت الإعلامية للمؤسسات المناهضة للحرب والعدوان حققت تأثيرا جيدا في نقل الحقيقة ، وكانت صور الأطفال الإسرائيليين الذين يكتبون على الصواريخ والقنابل تأييدا للحرب قد اقتحمت كل مواقع الإنترنت بعد أن رفضت نشرها الصحف اليومية بالرغم من أن المصور الألماني يعمل لحساب الاسوشييتد برس وليس لحساب حزب الله، أما المواقع الفردية (المدونات) فكانت الأكثر تفاعلا وساهمت في عكس نتيجة استفتاء موقع سي إن إن حول الحرب من 70% تأييدا لإسرائيل في البداية إلى 60% اعتراضا عليها بعد أسبوع وذلك إثر تصويت أكثر من مليون ونصف مليون شخص.

الإنقسام واضح في الرأي العام العالمي ، حيث يبقى المواطن الأميركي أسيرا لوسائل إعلام فقدت كل معنى للموضوعية والكرامة واحترام الحقيقة وأصبحت بوقا لتأييد إسرائيل ، بينما يتمتع المواطن الأوروبي بميزة قراءة وجهتي النظر السياسية ، كما تتميز الصحف الأوروبية بالالتزام التام بالمبادئ الأخلاقية الديمقراطية في رفض استهداف المدنيين وإظهار حقائق الوحشية الإسرائيلية بالرغم من ضغوطات اللوبي الإسرائيلي.

لا نعرف مدى أهمية الانتصار في حرب إعلامية دولية في ظل هذا الانحياز الأميركي لإسرائيل واللامبالاة الدولية والدمار الكبير في لبنان ، ولكن تبقى الحقيقة الأساسية أنه مهما نفذ محور الشر الأميركي - الإسرائيلي من ضغوطات عسكرية وسياسية ، فإن هذا لن يغير أبدا في الحقيقة التاريخية للصراع العربي الإسرائيلي وترسيخ صورة إسرائيل كدولة احتلال عنصرية تدميرية وليست ضحية.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية