|
بالعرقلة، بل يتعدّاه إلى اتهام
فريق 14 آذار واعتباره هو المسؤول الأكبر عن عرقلة تشكيل الحكومة
وتطبيق ما جاء في اتفاق الدوحة؛ تماماً مثلما كانوا يُحمّلون فريق
المعارضة مسؤوليّة عدم انتخاب رئيس الجمهوريّة طوال أشهر الفراغ
الرئاسي. ويشير بعض
المصادر الدبلوماسية إلى جلسة انتخاب الرئيس ميشال سليمان، التي
حشدت ما لم يحشده أي حدث لبناني من قبل، لتأمين غطاء إقليمي ودولي
لاتفاق الدوحة. وتقول هذه المصادر إن أوروبا، على وجه الخصوص،
مهتمة اليوم بتأمين الظروف لإجراء الانتخابات النيابية صيف 2009.
كما نقل عن وزير الخارجية البريطاني رغبة بلاده، واستعدادها
للمساعدة في تحقيق الإصلاحات في قانون الانتخاب نحو مزيد من
الديموقراطيّة. وهو أمر يطرح تساؤلات عدة لجهة طبيعة السياسة
الخارجيّة البريطانيّة التي يتهمها كثر، وفي طليعتهم أهل المعارضة
البريطانية أنفسهم، بالتبعية للسياسة الأميركية.
فالأميركيون يتراجع دورهم في هذه المرحلة لأسباب
عديدة، منها ما هو دولي يتعلّق بميزان القوى، فبات العالم يشهد
تحوّلاً من القطب الواحد إلى عالم بدون أقطاب مثلما نشرت المجلّة
الفرنسيّة «كورييه انترناسيونال» (Courrier International) في
عددها الأخير، مستعينة بمقالٍ لريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات
الخارجيّة للولايات المتّحدة منشور في مجلة «فورن أفيرز» (Foreign
Affairs). إضافة إلى أن الإدارة الأميركيّة تعيش أيامها الأخيرة.
أمّا الأسباب الإقليميّة للتراجع الأميركي فترتبط بالضعف
الإسرائيلي، الذي عجز عن تحقيق انتصار على حزب الله وحماس، فضلاً
عن ضعف حلفاء أميركا في المنطقة، من لبنان إلى العراق، مروراً
بفلسطين والسعوديّة وغيرها، وهو الذي ظهر واضحاً من خلال اتفاق
الدوحة. لذلك سعى
الأوروبيون، ولا سيما الفرنسيون، إلى استعادة دورهم، الذي اضمحلّ
بعد احتلال العراق. وفي هذا الإطار جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إلى
لبنان وحجم الوفد الذي رافقه وانفتاح باريس على دمشق. لقد وقف
الرئيس ساركوزي مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمّد رعد
والرئيس ميشال سليمان زهاء العشر دقائق، تحدّث خلالها عن أهميّة
دور حزب الله في السياسة اللبنانيّة. ولعل هذه الحركة تأتّت، من
ضمن الأسباب، نتيجة اقتناع فرنسي، بحسب ما يقول المطّلعون، بأن
بلاد الشام (لبنان وسوريا) هي المدخل لاستعادة الدور الفرنسي
العريق في المشرق العربي.
أمّا على الصعيد الروسي، فإن ورثة السوفيات قد
أعادوا تمركزهم ويسعون إلى دور أكبر لهم في الشرق الأوسط منذ بدأ
الحديث عن نشر الدرع الصاروخيّة في بولونيا.
هكذا، يعود الأوروبيون إلى نسج علاقة جديدة مع
التيّار الوطني الحرّ، بعدما كانت إلى تراجع، وتُشير المعلومات إلى
عودة الحرارة إلى اللقاءات التي تجمع جنرال الرابية ميشال عون أو
ممثلين عن التيّار الوطني مع الموفدين الأوروبيين الذين خصّ بعضهم
عدداً من هؤلاء بلقاءات ثنائيّة للبحث في تفاصيل اعتماد الإصلاحات
التي تضمّنها مشروع لجنة الوزير السابق فؤاد بطرس.
ويُنقل عن هؤلاء إصرارهم على تثبيت الاستقرار
الأمني في لبنان لأنه ينعكس على وضع المنطقة وعلى مصالحهم. كما
إنهم يُعيدون تقويم مواقفهم السابقة وعلاقاتهم مع المعارضة بعدما
شعروا بأن موازين القوى الداخليّة التي أبرزتها حوادث أيّار تدلّ
على أن حجم فريق 14 آذار ليس بالكبر الذي كانوا يظنّون.
هناك نظريّة تقول إن عقدة تشكيل الحكومة ليست في
اسم وزير أو حقيبة، بل هي أعمق. وهناك من يقول إن السعوديين
والأميركيين لا يُمكن أن يسكتوا عن الهزيمة التي لحقت بمشروعهم،
ولهذا يُحاول حلفاؤهم اللبنانيون إحباط اتفاق الدوحة. وفي المقابل
يبدو التصميم في أعلى مراتب الدولة كبيراً على وقاية الاتفاق من
الانتكاس. |