|
انتخابات نيابية مبكرة نبني على
اساسها لبنان الجديد فامعنوا في الرفض الى ان جاؤوا مكرهين الى
الدوحة ووافقوا على كل شيء ثم وقعوا وأقروا بكل ما ارادته
المعارضة. واكثر ما لفت
الانتباه في ختام مؤتمر الدوحة حول لبنان هو قول الرئيس بري ان اول
الغيث «قطرة» فكيف اذا كانت «قطر» ومرة ثانية وثالثة اثبتت قطر
انها الاب والام الحنونان للبنان واللبنانيين وخاصة اهل الجنوب
طيلة سنتين تقريبا اعادت خلالها اعادة اعمار الجنوب دون مقابل او
مقايضة سياسية وكان سمو الامير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني اول
وربما اخر حاكم عربي زار الضاحية الجنوبية وعاين اضرارها فشعر
اللبنانيون لاول مرة ان لهم عمقا عربيا يدعمهم ويساندهم ويساهم في
اعمار ما دمره الصهاينة في بلادهم.
وها هي الدوحة فتحت قلبها قبل
ابوابها للاطراف اللبنانيين المتنازعين ووضعت رصيدها السياسي القوي
لانجاح هذا المؤتمر لانقاذ لبنان فحقق اتفاقا مهما بفضل الرعاية
القطرية وهنا نفهم ما قصده الرئيس بري بكلمته قطر بعد القطرة التي
جاءت أول الغيث.
لكن هذا الاتفاق الذي ابرم في
الدوحة في الحادي والعشرين من مايو الجاري سبقته امور مهمة على
الارض مهدت بها المعارضة لحسم الامور ووضع القاطرة على سكة الحل
كما قال الجنرال ميشال عون بعد العملية الجراحية التي اضطرت
المعارضة للقيام بها في بيروت والجبل ولا نبالغ اذا قلنا ان
المعارضة اللبنانية ضربت رقما قياسيا بالصبر على اهل السلطة
وتصرفاتها واستفزازاتهم وتفردهم بالسلطة طوال سنتين تقريبا وكان
اخطر ما واجهته المعارضة وخاصة المقاومة هو التهديد المستمر من قبل
السلطة والشباطيين بالحرب المذهبية بين المسلمين.
ونجحت المعارضة وخاصة حزب الله
وحركة امل بالهروب الدائم من تلك الحرب الخطيرة التي تقضي على
المسلمين اللبنانيين جميعا وربما تمتد الى بقية الدول العربية
المجاورة للبنان ثم الى الأبعد فالأبعد الى ان جاء الخطأ القاتل
الذي وقعت به حكومة السنيورة المبتورة ومعها كل الشباطيين وعلى
رأسهم جنبلاط والحريري الصغير والسنيورة نفسه باتخاذ القرارين
المظلمين والقاضيين بوضع اليد الاميركية -الاسرائيلية بواسطة حكومة
السنيورة على شبكة اتصالات المقاومة ثم اعفاء العميد وفيق شقير من
صلاحياته في مطار بيروت فتأكدت المعارضة والمقاومة بالذات ان
السكين وصلت الى الرقبة ولم يبق سوى تنفيذ الذبح فانتفضت ورفضت
القرارين ونزلت الى الشوارع تطبيقا للمثل العربي القديم القائل بأن
اخر الدواء الكي فحسمت الوضع عسكريا بساعات قليلة مما حدا بزعماء
الشباطيين وعلى رأسهم جنبلاط والحريري الصغير الى الاستسلام التام
وسط دهشة اللبنانيين والعرب والعالم بسرعة الحسم وسرعة انهيار
«تيار المستقبل» المسلح وعصابات جنبلاط بعدما ألقوا السلاح وهربوا
افواجا في كل اتجاه فكانت اول ايجابية حققتها المعارضة في تلك
العملية وأد الفتنة المذهبية والى الأبد إن شاء الله رغم علو اصوات
نكرة من هنا وهناك تحاول تصوير الازمة انها خلاف وحرب مذهبية بين
المسلمين اللبنانيين لكن الحقيقة كما بدت واضحة ابعد من ذلك بكثير
.
وهناك امر لابد من الالتفات
اليه رغم اغفال معظم وسائل الاعلام اهميته هو أن القرارين المظلمين
اللذين اتخذتهما حكومة السنيورة وضعا المقاومة امام خيار واحد وهو
التعامل مع مسلحي السلطة وخاصة تيار المستقبل والحزب التقدمي
الاشتراكي التابع لجنبلاط كما تعاملت تماما مع عملاء انطوان لحد
اثناء وجودهم في الشريط المحتل فكما تحولت ميليشيا لحد قبل التحرير
في العام 2000 الى اكياس جسدية ومتاريس بشرية لحماية اسرائيل
والقضاء على المقاومة تحول اركان السلطة في الداخل بمسلحيهم
وميليشياتهم وعصاباتهم الى ادوات امرو-صهيونية للقضاء على المقاومة
فعملاء لحد لم يكن لهم هدف سوى القضاء على المقاومة وقتل المجاهدين
واسرهم ونزع سلاحهم بأي ثمن ارضاء لاسرائيل وضمت زمرة لحد كما نذكر
مسلمين شيعة وسنة ودروزا ومسيحيين من كل المذاهب فاضطرت المقاومة
ازاء ذلك حفاظا على وجودها واستمرارها ان تتعامل مع اولئك العملاء
اللحديين بالقوة ذاتها التي تعاملت بها مع القوات الصهيونية الى ان
نجحت بحمد الله بالقضاء عليهم وحصل التحرير.
وكذلك الحال تماما مع ميليشيات
السلطة الذين قرروا في تلك الليلة الظلماء نزع سلاح المقاومة
والقضاء عليها بعدما تآمروا على وجودها طوال حرب يوليو 2006 وبعدها
وقبلها.
ونذكر ايضا ان ميليشيات السلطة
تضم مسلمين ومسيحيين من كافة المذاهب فاضطرت المقاومة ان تتعامل
معهم كما تعاملت مع ميليشيا عملاء لحد لحفظ وجودها وسلاحها
واستمرارها سيما وان اسرائيل الرابضة على الحدود جاهزة للقضاء على
لبنان دائما فنزلت المعارضة الى الارض وبسرعة البرق ووأدت فتنتهم
وحسمت الامر في غضون ساعات قليلة فأنقذت بذلك بيروت والبيروتيين
وكذلك الجبل من فتنة مذهبية خطيرة لاتبقي ولا تذر .
عرفت المقاومة كيف تحقق النصر
وتحافظ عليه فسلمت الجيش اللبناني كل المكاتب والمواقع والمراكز
التابعة لميليشيات السلطة وبعد اربع وعشرين ساعة سحبت مسلحيها كليا
من شوارع بيروت والجبل مع ان مخطط الشباطيين كان توريط المقاومة في
حرب داخلية اهلية مذهبية طويلة الامد تمهد فيما بعد لدخول الجيش
الاسرائيلي الى لبنان بسهولة لكن حزب الله والمعارضة كانا على
مستوى عال جدا من الوعي والانضباط ففوتوا تلك الفرصة على الشباطيين
وحلفائهم في الخارج في اخر امل لهم بالقضاء على المقاومة في لبنان
وظن اخرون في صفوف السلطة والشباطيين ان المقاومة ستتصرف كما فعلت
حماس في غزة فتستأثر بالسلطة لكن هذا الامر لم يحصل ولن يحصل لذلك
سلمت المقاومة الجيش اللبناني كل المواقع التي طهرتها من زمر
السلطة والطائفيين والمذهبيين واللصوص والقتلة.
ان المرء ليأسف لحال تيار
المستقبل الذي حوله مسؤولوه الى ميليشيا مذهبية هشة سرعان ما تهاوت
وانهارت لدى هبوب اول نسمة قتال وكذلك حال مسلحي جنبلاط فكم نتمنى
ان يعيدوا النظر في هذا الامر لان شباب تيار المستقبل والحزب
التقدمي الاشتراكي التابع لجنبلاط خرجوا اساسا من رحم العروبة
والارتباط بالمقاومة وبالصراع العربي الاسرائيلي وافضل العلاقات مع
سوريا والعرب اما الثنائي جعجع وامين الجميل فليس لنا معهما أي
كلام لانهما دائما ضد أي مقاومة تزعج اسرائيل مهما كان مصدرها
ولنفترض ان مقاومة ضد اسرائيل ولدت في نيبال او التيبيت او
سيريلانكا او جاءت من كوكبي الزهرة والمريخ فهما جاهزان ليكونا
ضدها لانهما من مدرسة معادية تماما للعرب ولنهضتهم ولتحرير اراضيهم
وسياستهما-الجميل وجعجع- قائمة ومنطلقة على جعل لبنان ملحقا بالغرب
واسرائيل وان كانا قد وقعا على اتفاق الدوحة لسبب واحد هو «أخوك
مكره لا بطل».
ومسألة اخرى ساهمت ومهدت لاتفاق
الدوحة وهي تخلي أميركا عن حلفائها في لبنان وفجاة صمت بوش وسكت عن
الكلام المباح الذي اتحفنا به طوال ثلاث سنوات تقريبا «نفخا»
بالسنيورة وحكومته وبشكل يومي لدرجة ان احد السياسيين اللبنانيين
الظرفاء قال ان مدح بوش المستمر واليومي للسنيورة اوجد له خلافا مع
زوجته التي تملكتها الغيرة من هذا الثناء والمديح والغزل للسنيورة
واختفت رايس ومعها وولش وايليوت ابرمس وساترفيلد عن المسرح السياسي
اللبناني بشكل نهائي وغابت معهم «غيرتهم»على لبنان وحكومته
وديمقراطيته وثورة الارز فيه.
وهناك معلومات تقول ان هواتف
الثلاثة رايس وابرمس وولش قد اقفلت تماما بوجه الثلاثي جنبلاط
والحريري والسنيورة.
وكذلك فرنسا التي اعلنت في
الثاني عشر من مايو الجاري أنها ستفتح علاقات جديدة مع حزب الله
الذي لا يريد السيطرة على لبنان وليس لديه نية للانقلاب هذا
التصريح الفرنسي اثار الدهشة في اوساط الشباطيين وكذلك كان حالهم
عندما اعلنت المستشارة الالمانية ميركل انها لن ترسل قواتها الى
بيروت لحماية احد.
هذه المواقف كلها مجتمعة افهمت
الشباطيين ان اللعبة انتهت وانهم ليسوا سوى ادوات لعبت بهم اميركا
لتحفظ ماء وجهها للخروج من العراق بمساعدة سورية وايرانية.
ولطالما نصح اركان المعارضة
الشباطيين والسنيورة ان يقلعوا عن تنفيذ الاجندة الاميركية
والغربية والصهيونية ولكن لا حياة لمن تنادي فقد ظن السنيورة بكثرة
المديح الاميركي والغربي له أن ما بينه وبين بوش تماما كما كان
الحال بين قيس وليلى او روميو وجولييت.
لكن أميركا وبالذات ادارة بوش
هذه جاهزة دائما «لرفس» حلفائها عند تحقيق مصالحها ومآربها ولن
تتوانى عن رمي الحمولة الزائدة من طائرتها كما فعلت مع حلفائها في
كمبوديا وفيتنام.
ولن ينسى اللبنانيون كم عانوا
من ذلك الاميركي الغربي وحكومة السنيورة والشباطيين من أهوال وقتل
وتجويع ونهب لخيرات لبنان وهدر لخزينته بالاضافة الى التواطؤ مع
اسرائيل لشن حرب تدميرية على اللبنانيين وتنفيذ اخطر مجازر العصر.
لقد حققت المعارضة تماما ما
كانت تطالب به منذ سنتين وهو تشكيل حكومة وطنية مع الثلث الضامن
لها وقانون انتخابات جديد يليه انتخابات نيابية مبكرة فانتخاب رئيس
للجمهورية بتوافق الجميع وهذا ما وقع عليه اركان السلطة والشباطيون
في الدوحة بعدما رفضوه طوال سنتين ولو ركنوا يومها واستمعوا الى
النصائح لوفروا على انفسهم الخسارة التي وصلوا اليها خسارة عسكرية
ومعنوية وسياسية وسلطوية لكن جريهم وراء السراب الاميركي جعلهم
يعيشون احلاما ما لبثوا ان وجدوها اضغاثا.
واثبتت المعارضة اللبنانية بعد
سنتين من الصراع السياسي مع تلك القوى الهشة والمهترئة انها قولا
وعملا هي «ام الصبي»وانها بصبرها وطول اناتها حمت لبنان من الفتن
والدسائس وأجهضت كل المشاريع الاميركية والصهيونية ضد لبنان.
من هنا كان حرص المعارضة
وبالذات المقاومة على وحدة لبنان وان من حمى هذا البلد الصغير بدمه
وبفلذات اكباده لن يبخل على جلب الحلول المرضية للشعب اللبناني
وتحقيق اقصى طموحاته .
اخيرا شكرا لقطر مرات ومرات ولن
ينسى اللبنانيون هذا الجميل القطري الذي يشعر به كل بيت في لبنان
وستبقى قطر كما عودتنا هي الام والاب الحنونين للبنانيين وستبقى
موجودة كلما ناداها المنادي اللبناني او العربي في أي مكان وجد.
- صحيفة الوطن القطرية
|