|
|
|
|
|
فصل ( 5 ) فيما نذكره من فضل عيد الغدير عند أهل العقول من طريق المنقول
اتفق في بعض سنى أمير المؤمنين عليه السلام الجمعة والغدير ، فصعد المنبر على خمس ساعات من نهار ذلك اليوم ، فحمد الله حمدا لم يسمع بمثله ، وأثنى عليه بما لا يتوجه إلى غيره ، فكان ما حفظ من ذلك : الحمد لله الذي جعل الحمد من غير حاجة منه إلى حامديه ، وطريقا من طرق الاعتراف بلا هويته وصمدانيته وفردانيته ، وسببا إلى المزيد من رحمته ، ومحجة للطالب من فضله ، وكمن في ابطان حقيقة الاعتراف له بانه المنعم على كل حمد باللفظ وان عظم . واشهد ان لا اله الا الله ، وحده لا شريك له ، شهادة نزعت عن اخلاص الطوى ونطق اللسان بها عبارة عن صدق خفي ، انه الخالق الباري المصور له الأسماء الحسنى ، ليس كمثله شئ ، إذ كان الشئ من مشيته وكان لا يشبهه مكونه . واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، استخلصه في القدم على سائر الأمم ، على علم منه ، بانه انفرد عن التشاكل والتماثل من ابناء الجنس ، وانتجبه آمرا وناهيا عنه ، اقامه في سائر عالمه في الاداء مقامه ، إذ كان لا تدركه الإبصار ولا تحويه خواطر الأفكار ، ولا تمثله غوامض الظنون في الاسرار . لا اله الا هو الملك الجبار ، قرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلا هويته ، واختصه من تكرمته بما لم يلحقه فيه احد من بريته ، فهو أهل ذلك بخاصته وخلته ، إذ لا يختص من يشوبه التغير ، ولايخالل من يلحقه التظنين ، وأمر بالصلاة عليه ، مزيدا في تكرمته ، وطريقا للداعى إلى اجابته ، فصلى الله عليه وكرم وشرف وعظم ، مزيدا لا تلحقه التفنية ولا ينقطع على التأكيد . وان الله تعالى اختص لنفسه بعد نبيه صلى الله عليه وآله بريته خاصة ، علاهم بتعليته ، وسمى بهم الى رتبته بهم إلى رتبته ، وجعلهم الدعاة بالحق إليه ، والأداء بالإرشاد عليه ، لقرن قرن ، وزمن وزمن ، انشأهم في القدم قبل كل مذر ومبر ، وانورا انطقها بتحميده وألهمها على شكره وتمجيده . وجعلها الحجج على كل معترف له بملكوت الربوبيته ، وسلطان العبودية ، واستنطق
بها الخرسات بأنواع اللغات ، بخوعا (1) له بأنه فاطر الارضين والسماوات ، واستشهدهم خلقه وولاهم ما شاء من أمره . جعلهم تراجم مشيته وألسن ارادته ، عبيدا لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، ولا يشفعون الالمن ارتضى ، وهم من خشيته مشفقون ، يحكمون باحكامه ويستنون بسنته ، ويعتمدون حدوده ، ويؤدون فرضه . ولم يدع الخلق في بهم صما ولا في عمى بكما ، بل جعل لهم عقولا مازجت شواهدهم ، وتفرقت في هياكلهم ، حققها في نفوسهم واستعد لها حواسهم ، فقرر بها على أسماع ونواظر وأفكار وخواطر ، الزمهم بها حجته واراهم بها محجته وانطقهم عما شهدته بألسن ذرية بما قام فيها من قدرته وحكمته ، وبين عندهم بها ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) (2)، وان الله لسميع عليم ، بصير شاهد خبير . وان الله تعالى جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين ، لا يقوم احدهما الا بصاحبه ، ليكمل لكم عندكم ، جميل صنعه ، ويقفكم على طريق رشده ، ويقفوا بكم آثار المستضيئين بنور هدايته ، ويسلك بكم منهاج قصده ، ويوفر عليكم هنيى رفده . فجعل الجمعة مجمعا ندب إليه (3) لتطهير ما كان قبله ، وغسل ما أوقعته مكاسب السوء من مثله الى مثله ، وذكرى للمؤمنين وتبيان خشية المتقين ، ووهب لأهل طاعته في الأيام قبله وجعله لا يتم الا بالايتمار لما امر به ، والانتهاء عما نهى عنه ، والبخوع بطاعته فيما حث عليه وندب إليه ، ولا يقبل توحيده الا بالاعتراف لنبيه صلى الله عليه وآله بنبوته ، ولا يقبل دينا الا بولاية من أمر بولايته ، ولا ينتظم أسباب طاعته الا بالتمسك بعصمه وعصم أهل ولايته . فانزل على نبيه صلى الله عليه وآله في يوم الدوح مابين فيه عن ارادته في خلصائه
وذوى اجتبائه ، وأمره بالبلاغ وترك الحفل بأهل الزيغ والنفاق ، وضمن له عصمته منهم وكشف عن خبايا أهل الريب وضمائر أهل الارتداد مارمز فيه . فعقله المؤمن والمنافق فاذعن مذعن وثبت على الحق ثابت ، وازدادت جهالة المنافق ، وحمية المارق (1) ، ووقع العض على النواخذ (2) والعمر على السواعد ، ونطق ناطق ، ونعق ناعق ، ونشق ناشق ، واستمر على مارقته مارق ، ووقع الاذعان من طائفة باللسان دون حقائق الإيمان ، ومن طائفة باللسان وصدق الإيمان . وأكمل الله دينه ، واقر عين نبيه والمؤمنين والمتابعين ، وكان ما قد شهده بعضكم وبلغ بعضكم ، وتمت كلمة الله الحسنى على الصابرين ، ودمر (3) الله ما صنع فرعون وهامان وقارون وجنوده وما كانوا يعرشون (4) ، وبقيت حثالة (5) من الضلال ، لا يألون الناس خبالا (6) . فيقصدهم الله في ديارهم ، ويمحوا آثارهم ، ويبيد معالمهم ، ويعقبهم عن قرب الحسرات ، ويلحقهم عن بسط أكفهم ، ومد أعناقهم ، ومكنهم من دين الله حتى بدلوه ومن حكمه حتى غيروه ، وسيأتي نصر الله على عدوه لحينه ، والله لطيف خبير وفى دون ما سمعتم كفاية وبلاغ . فتأملوا رحمكم الله ما ندبكم الله اليكم ، وحثكم عليه ، واقصدوا شرعه ، واسلكوا نخجه ، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . هذا يوم عظيم الشأن فيه وقع الفرج ، ورفعت الدرج ، ووضحت الحجج ، وهو يوم الايضاح والافصاح عن المقام الصراح ، ويوم كمال الدين ، ويوم العهد المعهود ، ويوم
الشاهد والمشهود ، ويوم تبيان العقود عن النفاق والجحود ، ويوم البيان عن حقائق الإيمان ، ويوم دحر (1) الشيطان ، ويوم البرهان . هذا يوم الفصل الذي كنتم به توعدون ، هذا يوم الملأ الأعلى الذي انتم عنه معرضون ، هذا يوم الإرشاد ، ويوم محنة العباد ويوم الدليل على الرواد ، هذا يوم ابداء خفايا الصدور ، ومضمرات الأمور ، هذا يوم النصوص على أهل المخصوص . هذا يوم شيث ، هذا يوم ادريس ، هذا يوم اظهار يوشع ، هذا يوم شمعون ، هذا يوم الأمن المأمون ، هذا يوم اظهار المصون من المكنون ، هذا يوم ابداء السرائر . فلم يزل عليه السلام يقول : هذا يوم هذا يوم ، فراقبوا الله واتقوه ، واسمعوا له وأطيعوه ، واحذروا المكر ولا تخادعوه ، وفتشوا ضمائركم ، ولاتواربوه ، وتقربوا إلى الله بتوحيده ، وطاعة من أمركم ان تطيعوه ، ولا تمسكوا بعصم الكوافر . ولا ينجح (2) بكم الغي فتضلوا عن سبيل الرشاد ، باتباع أولئك الذين ضلوا وأضلوا ، قال الله تعالى عز من قائل في طائفة ذكرهم بالذم في كتابه : ( إنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربا اتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) (3) ، وقال الله تعالى : ( وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للدين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ ، قالوا لو هدينا الله لهدينا ) (4) ، أفتدرون استكبار ما هو ترك الطاعة لمن أمر الله بطاعته والترفع عمن ندبوا إلى متابعته ، والقرآن ينطق من هذا عن كثير ، ان تدبره متدبر زجره ووعظه . واعلموا أيها المؤمنون ان الله عز وجل قال : ( ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) (5) ، أتدرون ما سبيل الله ومن سبيله ومن صراط الله ومن طريقه .
أنا صراط الذي من لا يسلكه بطاعة الله فيه هوى به (1) إلى النار ، أنا سبيله الذي نصبي للإتباع بعد نبيه صلى الله عليه وآله ، أنا قسيم النار ، أنا حجة الله على الفجار ، أنا نور الأنوار . فانتبهوا من رقدة الغفلة ، وبادروا بالعمل قبل حلول الأجل ، وسابقوا إلى مغفرة من ربكم قبل ان يضرب بالسور بباطن الرحمة وظاهر العذاب ، فتنادون فلا يسمع نداؤكم ، وتضجون فلا يحفل (2) بضجبجكم ، وأقبل ان تستغيثوا فلا تغاثوا ، سارعوا إلى الطاعات قبل فوات الأوقات ، فكان قد جاء هادم اللذات فلا مناص نجاة ولا محيص تخليص . عودوا رحمكم الله بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم ، والبر بإخوانكم ، والشكر لله عز وجل على ما منحكم ، واجمعوا يجمع الله شملكم ، وتباروا يصل الله ألفتكم ، وتهانوا نعمة الله كما هنأكم بالصواب فيه على أضعاف الأعياد قبله وبعده الا في مثله ، والبر فيه يثمر المال ويزيد في العمر ، والتعاطف فيه يقتضى رحمة الله وعطفه ، وهبوا لإخوانكم وعيالكم عن فضله بالجهد من جودكم ، وبما تناله القدرة من استطاعتكم ، وأظهروا البشرى فيما بينكم والسرور في ملاقاتكم . واحمدوا الله على ما منحكم وعودوا بالمزيد على أهل التأميل لكم ، وساووا بكم ضعفاء كم ومن ملككم وما تناله القدرة من استطاعتكم وعلى حسب امكانكم ، فالدرهم فيه بمأتى ألف درهم والمزيد من الله عزوجل . وصوم هذا يوم مما ندب الله إليه ، وجعل العظيم كفالة عنه ، حتى لو تعبد له عبد من العبيد في التشبيه من ابتداء الدنيا إلى تقضيها (3) صائما نهارها قائما ليلها ، إذا خلص المخلص في صومه لقصرت أيام الدنيا عن كفايته ، ومن أضف فيه أخاه مبتدئا وبره راغبا ، فله كأجر من صام هذا اليوم وقام ليلة ، ومن فطر مؤمنا في ليلة فكأنما فطر
فئاما (1) فئاما ، يعدها بيده عشرة . فنهض ناهض فقال : يا أمير المؤمنين وما الفئام ؟ قال : مأتى ألف نبي وصديق وشهيد ، فكيف بمن يكفل عددا من المؤمنين والمؤمنات ، فانا ضمينه على الله تعالى الأمان من الكفر والفقر . وان مات في ليلته أو بعده إلى مثله ، من غير ارتكاب كبيرة ، فأجره على الله ، ومن استدان لإخوانه وأعانهم ، فأنا الضامن على الله ان أبقاه وان قبضه حمله عنه ، وإذا تلاقيتم فتصافحوا بألسنتكم وتهانوا بالنعمة في هذا اليوم ، وليبلغ الحاضر الغائب والشاهد البائن ، وليعد الغنى على الفقير والقوى على الضعيف ، أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك . ثم اخذ صلوات الله عليه في خطبته الجمعة ، وجعل صلاته جمعة صلاة عيد ، وانصرف بولده وشيعته الى منزل أبى محمد الحسن بن على عليهما السلام ، بما اعد له من طعامه ، وانصرف غنيهم وفقيرهمه برفده إلى عياله (2) .
|
|