|
زوجات
النبي ( ص ) - سعيد أيوب ص
111
: - |
|
12 - السيدة مارية القبطية
تأملات في الطريق من مصر
إلى المدينة :
هي : مارية بنت شمعون . كان أهل الكتاب
ينتظرون نبيا " يبعث من جزيرة العرب . وكان بعض من
الرهبان يقيمون داخل مكة وحولها وعلى الجبال التي تربط
بينها وبين الشام . وكانوا يتحسسون أخبار هذا النبي من
التجار الذين يخرجون من مكة أو الذين يقصدونها . ولم
تقف دائرة الانتظار وتتبع الأخبار عند هذا الحيز الذي
يحيط بمكة . وإنما اتسع ليصل إلى بلاد اليمن وبلاد
الحبشة ومصر .
وكان بمصر في هذه الآونة مكتبة عامرة
بالإسكندرية ، وكانت الإسكندرية لا تخلو من الباحثين
عن الحقيقة ، نظرا " لأن عقيدة إلوهية المسيح عقيدة
غير مفهومة لم يقرها المسيح ولا يعلم عنها شيئا " ،
وإنما هي من إختراع الذين جاؤا من بعده ولم يروه ولم
يسمعوا منه ، ولما كانت عقيدة التثليث عقيدة مستعصية
عن الفهم ولا يفهمها حتى القائمين عليها . فإن
دائرة الخاصة بالإسكندرية
بحثت عن الحقيقة كما بحث عنها دائرة الخاصة في الحبشة
وعلى رأسهم النجاشي ، وكما بحث عنها دائرة الخاصة في
خيبر وعلى رأسهم صفية بنت حيى
.
وكما
اهتم النجاشي ملك الحبشة بالدعوة الخاتمة .
اهتم مقوقس الإسكندرية أيضا " بهذه الدعوة .
ومن
الثابت أن مصر كانت ترتبط بالحبشة يومئذ بروابط
اقتصادية وسياسية وكانت الكنيسة الحبشية ترتبط
بالكنيسة القبطية المصرية الأرثوذكسية .
وروي أن مقوقس
مصر بعث بهدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ومن
صفاته عندهم إنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة ،
والمتدبر في هدية صاحب الإسكندرية . يجد أنه بعث للنبي
صلى الله عليه وآله بثلاثة من بيت واحد وأسرة واحدة ،
قال صاحب الإصابة عن أبي صعصعة قال : بعث المقوقس صاحب
الإسكندرية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة
لينا ، وبغلته الدلال وحماره عفير . ومع ذلك خصي يقال
له : مأبور شيخ كبير كان أخا مارية ( 1 )
ويمكن الوقوف
على أصول هذه الأسرة . إذا علمنا أن مارية القبطية لم
تكن جارية عادية شأنها كشأن غيرها من الجواري . بمعنى
إنها لم تكن من العامة وإنما كانت من الخاصة . فعن
عروة عن عائشة قالت : أهدى ملك بطارقة الروم يقال له
المقوقس جارية من بنات الملوك يقال لها مارية إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ( 2 ) .
ولا يخفى أن مكتبات
القصور لا تخلو من الكتب العتيقة والنادرة التي تختصر
الطريق للوصول إلى الحق ولقد قال بعض علماء الآثار :
إن عقيدة التوحيد التي اعتنقها ( أخناتون ) وصلت إليه
من بقايا تراث الأسرة الفرعونية الثانية عشرة .
وهذا
التراث كان ينتقل من قصر إلى قصر . وأجمع علماء الآثار
على أن نزول إبراهيم عليه السلام إلى مصر كان في عهد
الأسرة الثانية عشرة . ولقد أهدى فرعون مصر إلى
إبراهيم عليه السلام
| |
(
1 ) الإصابة 404 / 4 ،
الطبقات الكبرى 212 / 7
. |
( 2 )
البداية والنهاية 304 / 5 (* ) . |
|
|
هاجر أم إسماعيل . وذكر ابن كثير في البداية
والنهاية إن هاجر كانت جارية من بنات الملوك .
وبالجملة : كانت هاجر عند المقدمة الأولى من بنات
الملوك . وسارت في القافلة الإبراهيمية . ثم كانت مارية عند الدعوة الخاتمة من الملوك . وسارت نحو
المدينة لتكون ضمن أمهات المؤمنين ، وكأن التاريخ
يحدثنا أن سنة إبراهيم سنة جارية استقرت في نهاية
المطاف عند النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ، أو
كأنه يقول إن حركة المقدمة يستقيم مع حركة الخاتمة .
إن هدية المقوقس تفيد أن الحجة قد قامت على الخاصة من
قبل أن يبعثوا بالهدية . وعندما بعثوا بهذه الهدية فإن
هذا يعني أن الحجة دامغة على دائرة أوسع من دائرة
الخاصة . وتحت هذا السقف يمكن أن نفهم بكل يسر ما روي
عن كعب بن مالك . قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( استوصوا بالقبط خيرا " فإن لهم ذمة ورحما " .
قال : ورحمهم أن أم
إسماعيل بن إبراهيم منهم .
وأم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم منهم ) ( 1
) .
وروى ابن كثير وغيره : أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان يركب في المدينة البغلة التي أهداها إليه
المقوقس . وأنه ركبها يوم حنين . وقد تأخرت هذه البغلة
وطالت مدتها . وكانت عند علي بن أبي طالب . كان يركبها
يوم الجمل . ثم صارت إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب
. وكبرت حتى كان يحش لها الشعير لتأكله ( 2 ) .
وروي
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يطأ مارية بملك
| |
(
1 ) الطبقات الكبرى 214
/ 7 . |
( 2 )
البداية والنهاية 303 / 5 ( * ) . |
|
|
اليمين . ووهب أختها لحسان بن ثابت فولدت له عبد
الرحمن ( 1 ) ،
وروي عن عبد الرحمن بن زياد قال : أتى
جبريل عليه السلام . فقال للنبي صلى الله عليه وسلم :
إن الله قد وهب لك غلاما " من مارية . وأمرك أن تسميه
إبراهيم ) ( 2 ) .
وروي عن أنس قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ولد لي الليلة غلام فسميته باسم
أبي إبراهيم ( 3 ) .
وروى أبو عمر : إن إبراهيم ابن
النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثمانية عشر
شهرا " ( 4 ) وقيل : وهو ابن ستة عشر شهرا " ( 5 )
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية : لما توفي إبراهيم
بن رسول الله صلى الله عليه وآله . بعث علي بن أبي
طالب إلى أمه مارية . فحمله علي بن أبي طالب وجعله بين
يديه على الفرس . ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله . فغسله وكفنه وخرج به وخرج الناس معه .
فدفنه في الزقاق الذي يلي دار محمد بن زيد . فدخل علي
بن أبي طالب في قبره . حتى سوى عليه ودفنه . ثم خرج
ورش على قبره وأدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
يده في قبره وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبكى
المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت . ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : تدمع العين ويحزن القلب . ولا نقول
ما يغضب الرب . وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ( 6 ) .
| |
(
1 ) الطبقات الكبرى 215
/ 7 .
( 2 ) البداية والنهاية
309 / 5 .
( 3 ) الإستيعاب 42 / 4
. |
(
4 ) المصدر السابق 43 / 4 .
( 5 ) البداية والنهاية
309 / 5 .
( 6 ) المصدر السابق 309 / 5 ( * ) . |
|
|
وفاتها :
روي أن مارية رضي الله عنها توفيت سنة ست
عشر في خلافة عمر بن الخطاب .
وروي أنها ماتت بعد
النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين ودفنت بالبقيع ( 1
) .
| |
(
1 ) الإصابة 405 / 4 ( *
) |
|
|
|