مبادرة أبى بكر وعمر الى طلب الخلافة قبل تجهيز نبيهم

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 399

مبادرة أبى بكر وعمر الى طلب الخلافة قبل تجهيز نبيهم

ومن طرائف المتجدد في تلك الاوقات أن الخليفتين عندهم أبا بكر وعمر يتركان نبيهما ومن كان سببا فيما بلغا إليه من الدنيا ميتا بين بنى هاشم ، ولم يصبرا لقضاء بعض حقوقه ولا مواساة بني هاشم ولا مشاركتهم في تجهيزه ، ويبادر الخليفتان

المذكوران الى طلب الدنيا الفانية قبل فراغ بنى هاشم من تجهيز نبيهم ، ولا يكون عندهما من المراقبة لله والحياء من أهل بيت نبيهم وحسن الصحبة ان يصبروا عن طلب الخلافة حتى يدفن نبيهم ، ان هذا مما يتعجب منه أهل
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 400

الاديان والعقول وهو من طرائف آرائهم القبيحة المنقولة . ومن الطرائف في ذلك الوقت ترك أبى بكر وعمر ومن وافقهما لمشاورة بني هاشم في الخلافة ، فهب أن بني هاشم ما كانوا يصلحون عند أبي بكر وعمر للخلافة أما كانوا يصلحون

للمشاورة كبعض المسلمين ، وهب أنهم ما كانوا يصلحون جميعهم للمشاورة أما كان فيهم واحد يصلح للمشاورة ، وهب أن بنى هاشم ما كانوا يقدرون على الحضور في السقيفة لاشتغالهم بتجهيز نبيهم " ص " أما كان يحسن مراسلتهم وتعريفهم ما قد عزموا عليه من البيعة في السقيفة واستعلام ما عند بني هاشم من الراى في ذلك .


ليت شعرى أي عذر للخليفتين وأتباعهما في عزل بنى هاشم عن الخلافة وعن المشاورة والمراسلة في ذلك اليوم ، وقد كان في بنى هاشم من قد استصلحه الله باتفاق المسلمين ورسوله للامور الكبار العظام وشاركوه في أكثر الاحوال مثل على بن

ابى طالب عليه السلام ، ومن قد أجمع المسلمون على تعظيمه وتفضيله مثل العباس وعبد الله بن العباس والفضل بن العباس وعقيل بن أبى طالب وعبيد الله بن العباس .


ولا سيما وقد روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة قالت : قال رسول الله " ص " قال : لى جبرئيل عليه السلام : يا محمد قلبت الارض مشارقها ومغاربها فلم أجد انسانا أفضل من بنى هاشم ( 1 ) . فهل بقي عدولهم عن بنى هاشم الا من جملة المصائب والعظائم .


ومن طريف الامور ما ذكروه في رواياتهم من كون أبى بكر احتج يوم السقيفة على الانصار بان الائمة من قريش لانهم أقرب الى نبيهم ، وقد روى
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه محب الطبري في ذخائر العقبى عنه : 14 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 401

الحميدى في الحديث الثامن من مسند عمر ، فإذا كان القرب من الانبياء هو سبب استحقاق الخلافة والامامة ، فكيف استجازوا استخلاف أبى بكر وتركوا العباس وعليا وغيرهما من بنى هاشم ، وبنو هاشم أقرب الى نبيهم من بنى تيم وعدى ، وقد تقدم في رواية أحمد بن حنبل وغيره ان بنى هاشم افضل ، فكيف صار الاقرب الافضل أقل منزله من الا بعد الارذل .


ومن طرائف أمورهم ومناقضاتهم ان خليفتهم أبا بكر يظهر عنه وعن أتباعه أنهم يعتقدون ان رأيهم وتدبيرهم أكمل من راي نبيهم وتدبيره ، لانهم يذكرون ان نبيهم راى المصلحة في ترك النص على خليفة المسلمين ، وأبو بكر وأتباعه راوا ان

المصلحة في النص على عمر وتعيين خلافته على المسلمين ، ثم ان خليفتهم حيث استصوب مخالفة نبيهم في ترك النص أقدم أيضا واستصوب مخالفة اتباعه في ان الامامة باختيار الامة ، وانفرد هو وحده باختيار عمر للخلافة ولم يلتفت الى حصول اتفاق الامة ، ثم تجاوز ذلك الى انه لم يلتفت أيضا الى كراهة المسلمين بخلافة عمر على ما رواه المسلمون .


وقد ذكر المبرد في كتابه الكامل عن الرحمن بن عوف : قال دخلت على أبى بكر في علته التى مات فيها ، فقلت : أراك بارئا يا خليفة رسول الله ، فقال : أما انى على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد على من وجعى ، انى وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه .


قال المبرد : معنى ورم أنفه أي امتلى من ذلك غيظا . وروى كراهتهم لخلافته عمر أيضا جماعة من العلماء ، وابن عبد ربه المغربي في الجزء الرابع من كتاب العقد ، فلم يلتفت أبو بكر الى ذلك كله .

فكيف صار اختياره وحده يقوم مقام اختيار علماء الامة وصلحائها ؟
وكيف صار راية في تعيين من يقوم مقام نبيهم أفضل من راى نبيهم ؟
وكيف صار كراهتهم لا تؤثر في رأيه وحده ؟
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 402

ان هذا من أعجب الطرائف .

ومن الطرائف ان نبيهم مات وقد جعل عمر رعية لاسامة بن زيد محكوما عليه بلا خلاف بين المسلمين ، فيعكسون ذلك ويجعل أبو بكر عمر هو الوالى على أسامة وعلى جميع المسلمين ، ولا يلتفت الى ما دبره نبيهم وارتضاه ، ان ذلك من طرائف ما عرفناه .


ومن طرائف ما رواه في سبب بيعة أبى بكر لعمر وذكره جماعة من أصحاب التواريخ وحكاه ابن عبدربه في المجلد الرابع من كتاب العقد فقال ما هذا لفظه : ان أبا بكر حين حضرته الوفاة كتب عهده ، وبعث به مع عثمان بن عفان ورجل من

الانصار ليقراه على الناس ، فلما اجتمع الناس قاما فقالا : هذا عهد أبى بكر فان تقروا به نقراه وان تنكروه نرجعه ، فقال طلحة بن عبيد الله : أقراه وان كان فيه فقال عمر له عمر : بما علمت ذلك فقال : وليته أمس وولاك اليوم ( 1 ) .


( قال عبد المحمود ) : فلم ينكر عمر هذا القول ولا أحد من الصحابة على طلحة فكأنه اجماع على سبب ولاية أبى بكر لعمر لاجل أنه ولاه يوم السقيفة ، وفي ذلك ما فيه من الشناعة .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) العقد الفريد : 2 / 208 ط الازهرية بمصر . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب