|
في ايمان أبى طالب رضى الله عنه
|
|
|
في ايمان أبى طالب رضى الله عنه
وقد تقدمت أيضا رواية بعضه ، وتظاهرت بحرب أهل بيته في حرب البصرة وسفكت دماء جماعة من الصحابة والتابعين وقد تضمن كتابهم " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له
عذابا عظيما " . ( 1 ) ورووا في حقها مثل هذه الاخبار المتقدم ذكرها التى يحتمل الشهادة عليها بالذم . ( قال عبد المحمود ) : انني لاعجب ممن يدعى ان عائشة تائبة فيما جرى على يديها من سفك دماء من قتل في حرب البصرة ، وهذا المدعى يعلم يقينا أنها ما طافت على أولياء المقتولين والمظلومين بطريق المصانعة ، ولا أرسلت إليهم ولا التفتت الى ابراء ذمتها مما جرت الحال عليه من تلف النفوس والاموال وخراب ما خرب من الاموال والمزارع .
العترة مجمعين على أيمان أبى طالب عليه السلام ، وما رايت هؤلاء الاربعة المذاهب كابروا فيمن قيل عنه انه مسلم مثل هذه المكابرة ، وما زال الناس يشهدون بالايمان لمن يخبر عنه مخبر بذلك ، أو يرى عليه صفة تقتضي الايمان وسوف أورد لك بعض ما أوردوا في كتبهم برواية رجالهم من الاخبار الدالة لفظا أو معنى تصريحا أو تلويحا بايمان أبى طالب عليه السلام ، ويظهر لك أن شهادتهم عليه بالكفر ليست الا عداوة لولده على بن ابى طالب عليه السلام أو لبنى هاشم .
385 - فمن ذلك ما ذكروه ورووه في كتاب أخبار أبى عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد الطبري اللغوي ، عن أبى العباس أحمد بن يحيى بن تغلب عن ابن الاعرابي ما هذا لفظه : واخبرنا تغلب عن أبن الاعرابي قال : العور : الردئ من كل شئ ، والوعر : الموضع المخيف الوحش ، قال ابن الاعرابي : ومن العور خبر ابن عباس قال : لما نزلت " وأنذر عشيرتك الاقربين " قال على عليه السلام ( وقال ابن عباس : كان النبي يربيه وعبق من سمته وكرمه وخلائقه ما أطاق ) فقال " ص " لى : يا على قد أمرت أن أنذر عشيرتي الاقربين ، فاصنع لى طعاما واطبخ لى لحما ، قال على عليه السلام : فعددتهم ( بنى هاشم بحتا ) فكانوا أربعين ، قال : فصنعت الطعام طعاما يكفى لاثنين أو ثلاثة ، قال : فقال لى المصطفى " ص " هاته ، قال : فاخذ شظية من اللحم فشظاها باسنانه وجعلها في الجفنة ، قال : وأعددت لهم عسا من لبن . قال : ومضيت الى القوم فاعلمتهم أنه قد دعاهم لطعام وشراب ، قال : فدخلوا وأكلوا ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا ، قال ولعهدي بالواحد منهم ياكل مثل ذلك الطعام وحده ، قال : ثم اتيت باللبن ، قال : فشربوا حتى تضلعوا ، قال : ولعهدي بالواحد منهم وحده يشرب مثل ذلك اللبن ، قال : وما بلغوا نصف العس ، قال : ثم قام فلما أراد أن يتكلم اعترض عليه أبو لهب لعنة الله ، فقال : ألهذا دعوتنا ؟ ثم أتبع كلامه بكلمه ثم قال : قوموا ، فقاموا وتفرفوا كلهم . قال : فلما كان من الغد قال لي : يا علي اصنع لي مثل ذلك الطعام والشراب ، قال : فصنعته ومضيت إليهم برسالته ، قال : فاقبلوا إليه فلما اكلوا وشربوا قام رسول
الله " ص " ليتكلم فاعترضه أبو لهب لعنه الله ، قال : فقال له أبو طالب رضي
الله عنه : اسكت يا أعور ما أنت وهذا ؟ قال : ثم قال أبو طالب رضي الله
عنه : لا يقومن أحد ، قال : فجلسوا ، ثم قال للنبي " ص " : قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق . قال : فقال " ص " لهم : أرايتم لو قلت لكم : ان وراء هذا الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقوني ؟ قال : فقالوا كلهم : نعم انك لانت الامين الصادق . قال : فقال لهم : فوحدوا الله الجبار واعبدوه وحده بالاخلاص واخلعوا هذه الانداد الانجاس وأقروا وأشهدوا باني رسول الله اليكم والى الخلق فاني قد جئتكم بعز الدنيا والاخرة قال : فقاموا وانصرفوا كلهم وكان الموعظة قد عملت فيهم . هذا آخر لفظ حديث أبي عمرو الزاهد ( 1 ) .
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للارامل وهو قول أبي طالب
رضي الله عنه ، وقد أخرجه بالاسناد من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن
أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب حيث قال : - وذكر البيت - وهي
قصيدة مشهورة بين الرواة لابي طالب رضي الله عنه وهي هذه :
لعمري لقد كلفت
وجدا باحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل
عن عبد الله بن عباس
قال : اجتمعت قريش الى أبى طالب رضى الله عنه وقالوا له : يا أبا طالب سلم
الينا محمدا فانه قد رأيتم ناقة حنت الى غير فصيلها ، لا كان ذلك أبدا ، ثم نهض عنهم فدخل على النبي " ص " فرآه كئيبا وقد علم بمقالة قريش ، فقال رضى الله عنه : يا محمد لا تحزن ثم قال : والله لن يصلوا
اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا
ودعوتني وذكرت انك
ناصحى * ولقد نصحت وكنت قبل أمينا وروى الثعلبي أنه قد اتفق على صحة نقل هذه الابيات عن أبى طالب مقاتل وعبد الله بن عباس والقسم بن محيصرة وعطاء بن دينار ( 1 ) . 388 - ومن ذلك ما رواه باسناده في كتاب اسمه " نهاية الطلب وغاية السؤل في مناقب آل الرسول " رجل من فقهائهم وعلمائهم حنبلي المذهب اسمه : ابراهيم بن على بن محمد الدينورى يرفعه الى الحسن بن على بن أبى عبد الله الازدي الفقيه قال : حدثنا محمد بن صالح قال : حدثنى أبى عن عبد الكريم الجزرى ، وقال الحسن بن على المذكور : وحدثنا أيضا عبد الله بن عمر البرقى عن عبد الكريم الجزرى عن طاووس عن ابن عباس والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة يقول فيه - ان النبي قال للعباس ان الله قد أمرنى باظهار أمرى وقد أنباني واستنباني فما عندك ؟ فقال له العباس : يابن أخى تعلم ان قريشا أشد حسدا لولد أبيك ، وان كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظماء ورمينا عن فوس واحدة وانتسفونا نسفا صلتا ، ولكن اقترب
بنا الى عمك أبى طالب فانه كان اكبر أعمامك ، فان لا ينصرك لا يخذ لك ولا يسلمك
. فاتياه فلما به العباس ، فنظر إليه أبو طالب رضي الله عنه وقال له : أخرج يابن أخي فانك المنيع كعبا والمنيع حزبا والاعلى أبا ، والله لا يسلقك لسان الا سلقته ألسن حداد واجتذبته سيوف حداد ، والله لتذللن لك العرب ذل البهم لحاضنها ، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب
جميعا ، ولقد قال : ان من صلبي لنبيا لوددت انى أدركت ذلك الزمان فامنت به ، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به . ثم ذكر صفة اظهار نبيهم للرسالة عقيب كلام أبي طالب له وصورة شهادته وقد صلى وحده وجاءت خديجة فصلت معه ، ثم جاء علي فصلى معه ( 1 ) . وزاد الزمخشري في كتاب الاكتاب بيتا آخر رواه عن أبى طالب : وعرضت دينا لا
محالة أنه * من خير أديان البرية دينا
هاشم أظن بعض قريش اغتال محمدا فقتله ، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس الى جنب عظيم من عظماء قريش ، فإذا قلت : أبغى محمدا فليقتل كل واحد منكم الرجل الذي الى جانبه . وبلغ رسول الله " ص " جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا ، فاتى أبا طالب وهو في المسجد ، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال : يا معشر قريش فقدت محمدا فظننت ان بعضكم اغتاله ، فأمرت كل فتى من بني هاشم أن ياخذ حديدة ويجلس كل واحد منهم الى عظيم منكم فإذا قلت : أبغى محمدا قتل كل واحد
منهم الرجل الذي الى جنبه فاكشفوا لي عما في أيديكم يا بني هاشم فكشف بنو هاشم
عما في أيديهم فنظرت قريش الى ذلك ، فعندها هابت قريش رسول الله " ص " ثم أنشا
أبو طالب يقول :
ألا أبلغ قريشا حيث حلت * وكل سرائر منها غرور
393 - ومن ذلك ما رواه ايضا الحنبلي في الكتاب المشار إليه باسناده الى عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس قال : عارض النبي " ص " جنازة أبى طالب قال : وصلتك رحم وجزاك الله يا عم خيرا ( 1 ) .
بدت نواجده ، ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟ فقام علي عليه السلام فقال : يا رسول الله لعلك أردت : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للارامل وأنشد الابيات الى آخرها ( 3 ) .
ان عليا وجعفرا ثقتى * عند اخترام الزمان والكرب
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخى لامى من بينهم وأبى ومن عجيب ما بلغت إليه العصبية على أبي طالب من أعداء أهل البيت عليهم السلام أنهم زعموا أن المراد بقوله تعالى لنبيه " ص " " انك لا تهدي من أحببت " ( 2 ) أنها في أبي طالب رضى الله عنه . وقد ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في مصنفه كتاب أسباب نزول القرآن ما هذا لفظه : قال : قال الحسن بن مفضل في قوله عز وجل " انك لا تهدي من أحببت " كيف يقال انها نزلت في أبى طالب رضي الله عنه وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة وأبو طالب مات في عنفوان الاسلام والنبي " ص " بمكة وانما هذه الاية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف وكان النبي يحب اسلامه ، فقال يوما للنبي : انا نعلم انك على الحق وان الذي جئت به حق ولكن يمنعنا من اتباعك ان العرب تتخطفنا من أرضنا لكثرتهم وقلتنا ولا طاقة لنا بهم ، فنزلت الاية ، وكان النبي يؤثر اسلامه لميله إليه .
الى خير ، وقول نبيهم جزاك الله خيرا ، وقوله " ص " : لو كان حيا قرت عيناه . ولو لم يعلم نبيهم ان أبا طالب مات مؤمنا ما دعا له ، ولا كان يقر نبيهم عينه ولو لم يكن الا شهادة عترة نبيهم له بالايمان لوجب تصديقهم لما شهد نبيهم انهم لا يفارقون كتاب الله ، ولا ريب ان العترة أعرف بباطن أبى طالب
من الاجانب ، وشيعة أهل البيت عليهم السلام مجمعون على ذلك ولهم فيه مصنفات ، وما رأينا ولا سمعنا أن مسلما أحوجوا فيه الى مثل ما أحوجوا في أيمان أبى طالب ، والذي نعرفه منهم أنهم يثبتون ايمان الكافر بادنى سبب وبادنى خبر واحد وبالتلويح ، فقد بلغت عداوتهم لبنى هاشم الى انكار ايمان ابى طالب مع ثبوت ذلك عليه بالحجج الثواقب ، ان هذا من جملة العجائب . ومن طريف ما رووه في عناية أبى طالب نبيهم محمدا واحسانه و ثنائه عليه .
ثم ان محمد بن عبد الله ابن أخى ممن لا يوازن به فتى من قريش الا رجح به برا وفضلا وكرما وعقلا ونبلا ، وان كان في المال قلة فانما المال ظل زائل وعارية مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك ، وما أحببتم من الصداق فهو علي ( 1 ) . تم الجزء الاول ويليه الجزء الثاني انشاء الله تعالى .
|
|