في مستطرفات وقعت من المخالفين

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 189

في مستطرفات وقعت من المخالفين


( قال عبد المحمود ) مؤلف هذا الكتاب : وقد وقفت على أشياء مستطرفة

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 190

وقعت من هؤلاء الاربعة المذاهب في حق أهل بيت نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ما تقدمت به رواياتهم من وصاياه بالتمسك بهم والمحبة والاتباع لهم .


ومن طرائف ذلك أنهم رووا تقدم ذكره عن نبيهم " ص " أنه مخلف فيهم الثقلين كتاب الله وعترته ما ان تمسكوا بهما لن يضلوا ، وانهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض ، وان أهل بيته مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك ،

وغير ذلك مما تقدم ذكر بعضه ، فاعرض الاربعة المذاهب عن ذلك جميعه حتى فارقوا العترة المذكورة وصاروا يتعلقون
في المعنى باذيال مالك وأبى حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل مع شدة اختلاف هؤلاء الاربعة المذاهب في الامور العقلية

والنقلية ، ومع اتفاق علماء العترة المحمدية " ص " في المعقول والمنقول ، ومع ما يشهد به لسان الحال على هؤلاء الاربعة أنهم وجدوا شريعة نبيهم غير كاملة في حياته ، ويجحدون معنى ما تضمنه كتابهم " اليوم اكملت لكم دينكم " ويزعمون أنهم

تمموها بالقياس والاستحسان بآرائهم بعد وفاته ، ومع ان علماء العترة قد تضمنت كتبهم النصوص والاخبار المروية عن جدهم محمد " ص " في جميع شريعته ، فيتركون العترة مع ذلك كله ويلتزمون بمن لم يثبت له قدم ولا يقوم لهم به حجة عند الله تعالى ولا عند رسوله .


ومن طرائف ما رأيت من التعصب على بيت نبيهم وشيعتهم أن جماعة من مخالفيهم قبلوا رواية من روى الطعن في الله تعالى وفى رسوله وفى أنبيائه وفى الصحابة كما تقدم ذكره ، وتركوا قبول اخبار زهاد شيعتهم الذين لم يجر لهم ما جرى للرواة الذين قبلوا أخبارهم .


ومما يدل على ذلك ما رواه جماعة سبب أطراحهم لاخبار أهل البيت وشيعتهم ، ورواه مسلم في صحيحه في أوائل الجزء الاول باسناده الى الجراح بن
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 191

مليح قال : سمعت جابرا يقول : عندي سبعون الف حديث عن أبى جعفر عليه السلام عن النبي كلها ( 1 ) .


ثم ذكر مسلم في صحيحه باسناده الى محمد بن عمرو الرازي قال : سمعت جرير يقول : لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم اكتب عنه كان يؤمن بالرجعة
( 2 ) .


وكذلك روى مسلم في الجزء المذكور باسناده الى عبد الله بن المبارك انه يقول على رؤس الاشهاد : دعوا حديث عمرو بن ثابت فانه كان يسب السلف
( 3 ) .


( قال عبد المحمود ) : انظر رحمك كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهم برواية أبي جعفر عليه السلام الذى هو من أعيان اهل بيته الذين امرهم بالتمسك بهم ، ثم وان اكثر المسلمين أو كلهم قد رووا احياء الاموات في

الدنيا وحديث احياء الله تعالى الاموات في القبور للمسالة وقد تقدمت روايتهم عن اصحاب الكهف وهذا كتابهم يتضمن " ألم تر الى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم " ( 4 ) والسبعين الذي أصابتهم الصاعقة

مع موسى ، وحديث العزير ومن أحياه عيسى ، وحديث جريح الذى اجمع على صحته ، وحديث الذين يحييهم الله تعالى في القبور للمسالة ، فاي فرق بين هؤلاء الاربعة وبين ما رواه أهل البيت وشيعتهم من الرجعة ، فاي ذنب كان لجابر في ذلك

 حتى يسقط حديثه ، وهلا كان له ولعمرو بن ثابت أسوة بمن رووا عنهم ممن ظهرت العداوة منهم . ومن طرائف ذلك أنهم يعدون أولئك الاربعة الانفس من الفقهاء والعلماء ، بل يجعلونهم ائمة العلماء والفقهاء ، وعلماء العترة وفقهاؤها وعلماء شيعتهم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسلم في صحيحه : 1 / 20 .
( 2 ) مسلم في صحيحه : 1 / 20 ، والذهبي في ميزان الاعتدال : 1 / 176 .
( 3 ) مسلم في صحيحه : 1 / 61 .
( 4 ) البقرة : 243 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 192

وفقهاؤهم لا يجرونهم مجرى واحد من أولئك .
 

ومن طرائف ذلك أنهم يقولون كل مجتهد مصيب ، بل زادوا على ذلك فذكر الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث من مسند عمرو بن العاص انه سمع رسول الله " ص " يقول : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر ( 1 ) .

ففتحوا باب اباحة الخطا والتطرق الى نقض الشريعة ، ومع ذلك إذا وجدوا لبعض علماء العترة وفقهائها وفقهاء شيعتهم قولا في مسالة لا يجرونه مجرى أحد من أهل الاجتهاد ، ولا يثبت من الاعتذار ما يثبت ما ادعوه لعلمائهم وفقهائهم ، وهذا يدل على اختلاف عظيم ومناقضة قبيحة وسوء توفيق وعدم تحقيق .


ومن طرائف مناقضاتهم أنهم يروون وجوب العمل في الشريعة باخبار الاحاد ، فإذا سمعوا الاخبار التى ياتي من جهة عترة نبيهم سواء كانت آحادا أو متواترة أعرضوا عنها ونفروا منها مع ما تقدم من شهادة نبيهم ان عترته لا يفارقون كتاب الله وان المتمسك بهما لا يضل أبدا .


ومن طرائف ذلك أنهم لا يجرون أخبار علماء العترة مجرى أخبار جماعة من الصحابة والرواة الذين كفر بعضهم بعضا وسفك بعضهم دم بعض واستباحوا فيما بينهم المحارم وارتكبوا العظائم كما قدمناه ، فان كان ذلك الاختلاف لا يضر فهلا

كان لعلماء العترة وعلماء شيعتهم أسوة في ذلك ، وان كان يضر ويكون فيهم مبطل ومحق فكيف قبلوا أخبار الجميع ورووها في جملة صحاحهم وحللوا بها وحرموا ، ان هذا تظاهر عظيم بعداوة أهل بيت نبيهم ومعاندة هائلة لنبيهم فيما اوصى فيه باهل بيته وتكذيب لانفسهم فيما رووه في صحاحهم وعن
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه : 3 / 1342 . ( * )

 

 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 193

رجالهم من الوصية بالعترة ووجوب التلزم بهم والتعظيم لهم . ومن طرائف ذلك أننى سالت جماعة من علماء الاربعة
المذاهب عن سبب تركهم العمل باخبار شيعة أهل بيت نبيهم ، فقالوا : لانهم يذمون جماعة من الصحابة ولاننا ما نثق بهم ،

فقلت لهم : اما اعتذاركم بانهم يذمون بعض الصحابة فقد فعل الصحابة ذلك وذم بعضهم بعضا فكان يجب أن يترك العمل باخبارهم كافة ، وأيضا فانكم أنتم أيتها الاربعة المذاهب قد ذممتم كثيرا من أعيان الصحابة بل جماعة من الانبياء ، وساذكر

بعض ما ذموا به الانبياء والصحابة فكان يجب أن يتركوا أخباركم أيضا ، وأما قولكم انكم ما تثقون باخبار الشيعة فان كان
هذا العذر فقد عرفتكم أنه عذر غير صحيح ، بل تعلل قبيح ، لانكم قد رويتم عمن يجوز الوثوق به وعن قوم يقدح بعضهم

عدالة بعض ، وقد سالت علماء منكم وقرات كتبكم فما رايت لكم عذرا في ترك العمل باخبار شيعة أهل البيت الا ان يكون عندكم عداوة لاهل البيت أو حسد أوجب ذلك عداوتكم لشيعتهم وترككم لاخبارهم ، وقد نظرت الاختلاف بينكم فرأيته ما

ينقص في التكفير والتضليل عما بينكم وبين شيعة أهل بيت نبيكم فكيف صرتم أولياء فيما بينكم وأعداء لهذه الفرقة الشيعة ، ان ذلك من الطرائف .


ومن طرائف ما قلت لبعض علماء الاربعة المذاهب إذا كنتم تتركون العمل باخبار شيعة أهل بيت نبيكم لانكم ما تثقون بهم ، فكذا يقول لكم أهل الذمة أننا ما نثق باخبار المسلمين فيما نقلوه من معجزات نبيهم وشريعته ، وكل شئ تجيبون به أهل الذمة فهو جواب الشيعة لكم .


ومن طرائف ما سمعت عن بعض علماء الاربعة المذاهب انه قال : لو تحققنا أن هذه الاخبار التي ترويها الشيعة عن أهل البيت صحيحة عملنا بها . فقلت : كذا يقولون لكم أهل الذمة لو وثقنا أو تحققنا أن نبيكم أتى بما تذكرون
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 194

من المعجزات والشرائع عملنا بها . ثم وإذا لم يكن شيعة عتره نبيكم وخواصهم وأتباعهم أعرف برواياتهم ومذاهبهم وعقائدهم فكيف يعرف ذلك من أهل البيت البعداء عنهم والغرباء منهم ، ومعلوم ان كل فرقة فان أتباع رئيسها اعرف بمذهبه ورواياته

وعقائده ممن بعد عنه ونفر منه ، وأنتم تعلمون ان خواص أبى حنيفة اعرف بمذهبه ممن أعرض عنه ، واصحاب الشافعي كذلك خواصه أعرف بمذهبه ممن أعرض عنه ، واصحاب احمد بن حنبل كذلك وسائر المذاهب . ومن طرائف ما يقال

لعلماء الاربعة المذاهب انكم وغيركم من أهل المعرفة تعلمون بالتواتر أن هذه الفرقة الشيعة كانوا يخالطون أهل بيت نبيكم ويختصون بهم ، وهم على العقائد ويروون عنهم في تلك الاحوال هذه الروايات ، وأهل البيت يعظمون الشيعة مع ذلك

ويصفونهم بالهداية والورع والامانات ، فهل يبقى شك عند عاقل ممن يعرف هذه الاحوال أن أهل بيت نبيكم كانوا موافقين لشيعتهم في العقائد وصواب الروايات والاقوال والافعال .


ومن طرائف ما يقال لهم قد عرفتم أن البواطن لا طريق إليها الا من عند علام الغيوب وانما نوالي ونعادي على الظاهر من الاعتقادات والاعمال الصالحات وقد رأينا عبادات شيعة أهل بيت نبيكم " ص " واجتهادهم وورعهم وتنزههم عن الشبهات على أفضل ما يبلغ إليه أهل الديانات ، فان كانوا مع ذلك متهمين فيما نقلوه أو قالوه أو كاذبين فكيف يكون حال من هو دونهم من المسلمين .


ولقد عرفت من ورع جماعة من شيعة أهل البيت عليهم السلام ورواتهم ومن أماناتهم وعباداتهم ما لم اعرفه من سائر الرواة ، وقرات في كتاب لا يتهم مصنفه ان صفوان بن يحيى من رجال على بن موسى الرضا عليه السلام ومحمد ابن على الجواد عليه السلام روى عنهما وعن اربعين رجلا من أصحاب الصادق
 

الطرائف - السيد ابن طاووس الحسني ص 195

عليه السلام ، وكان قد تعاهد هو وعبد الله بن جندب وعلى بن نعمان في بيت الله الحرام ان مات منهم يعمل من يبقى ما كان يعمله من مات مدة حياته ، فمات صاحباه وبقى صفوان فكان كلما حج أو أدى زكاة أو عبادة أو شيئا من الخير مدة حياته يعمل عمل صاحبيه ويعمل عنهما مثل الذى يعمل لنفسه الى ان مات . وهذا ابلغ ما عرفت من أمانات أهل الروايات .


وقرأت أيضا ان من جملة شيعة علي بن ابى طالب عليه السلام سبعين رجلا كانت بطون أكفهم قد صارت كثفنات البعير من كثرة صلواتهم وكانوا يعرفون بالمثفنين ، وقرات ان علي بن مهزيار كانت جبهته مثل ركبة البعير .

وأمثال هؤلاء شئ كثير ، فكيف كان يحل ترك الرواية عن هؤلاء وترك العمل بما نقلوه وباي عذر يعتذرون الى الله تعالى ورسوله " ص " إذا لقوه إذا لم يرووا حديثهم ويقبلوه .

ويقال لعلماء الاربعة المذاهب : ما أعتقد ان قد أو قعكم في هذه الشبهة الا أنكم تركتم مخالطة أهل البيت ومخالطة شيعتهم ، فضللتم عن معرفه أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم ، ولو خالطتم القوم وجدتم من صفات العلم والورع والامانة والصيانة ما يشهد به عندكم لسان الحال وبيان المقال أن القوم ممن يوثق بهم ويعتمد عليهم .


ومن طرائف ما بلغ إليه جماعة كثيرة من المسلمين من رجال الاربعة المذاهب أنهم رووا ما قدمنا بعضه وسيأتي منه طرف آخر تعظيم أهل البيت عليهم السلام وخاصة علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .

فاما علي عليه السلام فقد عرفت ما جرى عليه من الدفع عن خلافته ومنزلته وما بلغوا إليه من القصد لاحراقه بالنار وكسر حرمته . وأما فاطمة عليها السلام فقد اشتهر ما ظهر من اذيتهم لها حتى هجرتهم الى ان ماتت وسيأتي طرف من ذلك انشاء الله تعالى .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الكتب

 

فهرس الكتاب