إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 409

وقوع نسخ التلاوة التزام بتحريف القرآن


بعدما اتضح فساد هذا الأصل وعدم إمكان التمسك به يمكننا القول إن عد من يزعم وقوع نسخ التلاوة في زمرة من يقول بتحريف القرآن ليس مبالغة ، لأن تفسير بعض الجمل المتهالكة والركيكة في أسلوبـها من منسوخ التلاوة يعني التسليم بقرآنيتها في الرتبة السابقة وهذا يحتاج إلى تواتر في النقل لإثبات قرآنيتها ، وبما أنه مفقود في الموارد التي أدعي نسخها تلاوةً ، فيصبح قولنا إن هذه الجملة – غير المتواترة- من المنسوخ تلاوةً يعني نسبة ما ليس من القرآن له ، وهو عين التحريف .

ومن جهة أخرى لو سلمنا أنه أمكن إثبات تواتر كل الموارد التي أدعي نسخها على أنـها كانت من القرآن - ودونه خرط القتاد- فيجب حينئذ إثبات نسخها ورفعها بالتواتر ، وهذا مفقود أيضا ، فيكون قد ثبتت قرآنية الآيات ولم يثبت نسخها مع أنـها غير موجودة في مصحفنا ! وهذا عين التحريف .

وعليه يصح إلزام أهل السنة بتحريف القرآن بمقتضى قولهم بوقوع نسخ التلاوة لأن تحريف القرآن لازم لا ينفك عنه بفقد التواتر كما بينا ، وإن لم يعترفوا بذلك وتـهربوا منه بلقلقة اللسان ، فأمرهم كأمر من يقر باستحالة التناقض ولكنه يعتقد أن الله واحد لكنه ثلاثة وثلاثة لكنه واحد ! ، فلو قال قائل إن هذا الرجل يؤمن بالتناقض مع أنه لا يعترف به بلسانه لكان صادقا بلا ريب .

لذا ذكر السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه في كتابه البيان أنه يمكن أن يُدّعى أن تحريف القرآن من مذهب أهل السنة بمقتضى مبانيهم حتى ولو كابر أهل السنة ولم يعترفوا بدعوى هذا المدعي ، قال رضوان الله تعالى عليه :

- ص 410 -

" وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة بعينه القول بالتحريف والاسقاط .
وبيان ذلك : أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإما أن يكون ممن تصدى للزعامة من بعده ، فإن أراد القائلون بالنسخ وقوعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو أمر يحتاج إلى الاثبات .

وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد ، وقد صرح بذلك جماعة في كتب الاصول وغيرها بل قطع الشافعي وأكثر أصاحبه ، وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه ، بل إن جماعة ممن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه وعلى ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأخبار هؤلاء الرواة ؟ مع أن نسبة النسخ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنافي جملة من الروايات التي تضمنت أن الاسقاط قد وقع بعده .

وإن أرادوا أن النسخ قد وقع من الذين تصدوا للزعامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو عين القول بالتحريف . وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ، لأنـهم يقولون بجواز نسخ التلاوة . سواء أنسخ الحكم أم لم ينسخ ، بل تردد الاصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته ، وفي جواز أن يمسه المحدث . واختار بعضهم عدم الجواز . نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة" ( 1 ) .

ولكن الوهابي ( عثمان الخميس ) الذي لايزال يتحفنا بشيء من نوادره المتنوعة ، فقد زاد على جهله الذي اعتدنا عليه شيئا من شعوذته ودجله فقد تلاعب بالنص السابق من كتاب البيان ، بقوله :
" قال الخوئي – رضوان الله تعالى عليه- : إن القول بنسخ التلاوة بعينه القول بالتحريف والاسقاط . وقال : إن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ، لأنـهم يقولون بجواز نسخ التلاوة . هكذا يلبّسون على الناس " ( 2 ) .

فهذا بتره لكلام السيد الأمجد رضوان الله تعالى عليه واضح للعيان ، إذ لم يقل السيد ( إن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ) بل قال ( وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ) ، ولكن الوهابي بعد أن بتر أول الكلام ( وعلى ذلك فيمكن أن يدعى ) قام بتحريف ( أن ) التي تدل على أن هناك كلاما سبقها وله علاقة بما بعدها ، وغـيّرها إلى ( إن ) التي لا تدل على وجود مثل هذا الإتصال ، وواضح أن هناك فرقا كبيرا بين القول

  ( 1 ) البيان في تفسير القرآن ص205. ( 2 ) شريط الشيعة والقرآن .  
 

- ص 411 -

( فيمكن أن يدعى أن ) التي تدل على إمكان الإدعاء من أي مدع وبين القول ( قال الخوئي : إن تحريف القرآن هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ) !! ، وعلى أي حال فقد بين السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه علة إمكان مثل هذه الدعوى فذكر كلاما مفصلا ودليلا محكما به صارت هذه الدعوى نتيجة منطقية وأمرا لازما لا محيص عنه ، فلماذا أعرض عنه الوهابي واقتطع النتيجة ثم نسبها على نحو الجزم للسيد رضوان الله تعالى عليه نفسه ؟! ، مع أن السيد لم ينسب هذه الدعوى لنفسه بل قال ( يمكن أن يدعى ) على صيغة المبني للمجهول !

بل حتى لو جزم به السيد رضوان الله تعالى عليه فلا وجه لاعتراض الجاهل ، فإن هذه النسبة صحيحة وجائزة بعد أن دلل عليها السيد الأمجد وأثبتها فصارت نتيجة منطقية للمقدمات التي يقر بصحتها أهل السنة ، فقوله ( وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ) قول صحيح نبع عن الصحيح الذي يقر به أهل السنة ، فصار المقام كما مثلنا لك سابقا عمن يؤمن بالنقيضين وينفيه بلقلقة اللسان ، ومع كل هذا الجهل والبتر والتلبيس يقول لك المخادع : ( هكذا يلبسون على الناس ) !!

ثم زاد هذا الوهابي للطين بلة ! فقال في الموضع نفسه من الشريط : " هذا التيجاني نقل عن الخوئي ، هذا الخوئي الآن الذي (كذا كلامه) يقول السنة كلهم يقولون بالتحريف لأنـهم يقولون بنسخ التلاوة ، هذا التيجاني ينقل عن الخوئي ، قال : قال الخوئي : فالمسلمون اخوة سواء كانوا شيعة أو سنة فهم يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئا وقرآنـهم واحد ونبيه واحد ، هذا في كتاب ثم اهتديت ، هنا برأ الخوئي –رضوان الله تعالى عليه- أهل السنة من القول بالتحريف مع أنـهم جميعا يقولون بنسخ التلاوة وهو الذي قال ذلك . فهل قال هذا تقية ؟ أو أن التيجاني كذب عليه ؟ ".

فهاهو لا يفرق بين الازم والملزوم المعتقد ، فالسيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه يقول إن رأي أهل السنة في وقوع النسخ التلاوة بلا تواتر يلزمهم اعتقاد التحريف وإن كانوا لا يصرحون به ولا يلتفتون لما تؤديه مبانيهم ، فهم يعتقدونه من حيث لا يشعرون ، فالكلام كله منسجم مع بعضه البعض ، والتيجاني صادق والوهابي ( عثمان الخميس ) هو الجاهل الكاذب .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب