إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 371

ثانيا : السنّة النبوّية الشريفة :

أما السنة النبوية فلا يكفي لإثبات وقوع النسخ في القرآن وجود حديث واحد أو ما يعد على الأصابع من الأحاديث النبوية الصحيحة ، فهذا لا يقبله أهل العلم ، لأن النسخ في القرآن يشترط فيه التواتر بلا خلاف ، خاصةً إذا اقترنت بعض تلك الروايات بمعجزة إلهية والتي من شأنـها التواتر ، وهذا كله تفتقده الروايات التي تحكي وقوع هذا النسخ فهي لا تعدو روايات آحاد ، ووجدنا أن الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال لم تتجاوز الرواية الواحدة :
" أخرج الطبراني عن ابن عمر قال : قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأها رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وكانا يقرآن بـها فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان ، فلم يقدرا منها على حرف ، فاصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : إنـها مما نسخ أو نسئ فالهوا عنه " ( 1 ) .

" وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو ذر الهروي في فضائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف : أن رجلا كانت معه سورة فقام من الليل فقام بـها فلم يقدر عليها ، وقام آخر بـها فلم يقدر عليها ، وقام آخر فلم يقدر عليها ، فاصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فاجتمعوا عنده فاخبروه ، فقال : إنـها نسخت البارحة " ( 2 ) .

" وأخرج أبو داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أبي أمامة أن رهطا من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أخبروه : أن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شئ إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، ووقع ذلك لناس

  ( 1 ) الدر المنثور ج1ص104 ط دار المعرفة ، أقول : لم أجد هذه الرواية في الطبراني عن ابن عمر وإنما عن سالم عن أبيه ، المعجم الكبير ج12ص223ح13141 : ( قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وكان يقرآن بـهما ، فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف ، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا له ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : إنـها مما نُسخَ ) ، وفي إسناده سليمان بن أرقم

قال في تـهذيب الكمال ج11ص351-354: ( سليمان بن أرقم أبو معاذ البصري … قال أبو بكر بن خيْثمة عن أحمد بن حنبل : أبو معاذ الذي روى عنه سفيان الثوري عن الحسن اسمه سليمان بن أرقم ، ليس بشيء . و قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : لا يسوى حديثه شيئاً ، ولا يروى عنه الحديث . وقال عباس الدّوريّ عن يحيى بن معين : ليس بشيء ليس يسوى فلساً . وقال عثمان بن سعيد عن يحيى : ليس بشيء . وقال عمرو بن علي : ليس بثقة ، روى أحاديث منكرة ، قال : وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: كانوا ينهونا ونحن شباب عنه ، وذكر عنه أمراً عظيماً . وقال البخاري : تركوه . وقال أبو عبيد الآجري : سألت أبا داود عن سليمان بن الأرقم ، فقال : متروك الحديث ، قلت لأحمد : روى سليمان بن أرقم عن الزهري ، عن أنس في التلبية . فقال : لا نُبالي روى أو لم يروِ . وقال أيضا : سألت أبا داود عن حديث الصدقات حديث الحكم بن موسى السّمسار في الصدقات ، قال : لا أحدّث به ، حدّثني أبو هبيرة محمد بن الوليد الدمشقي قال : قرأت هذا الحديث في أصل يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري . وقال أبو حاتم والترمذي والنسائي وعبد الرحمن بن يوسف خِراش ، وغير واحد : متروك الحديث . وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث ، ذاهب الحديث . وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزْجانيُّ : ساقط . وقال أبو أحمد بن عَدِي : عامة ما يرويه لا يُتابع عليه ) .
( 2 ) الدر المنثور ج1ص104.

 
 

- ص 372 -

من أصحابه ، فاصبحوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عن السورة ، فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ، ثم قال : نسخت البارحة . فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه " ( 1 ) .

والمحصلة إن لهذه الرواية -على ما فيها من اضطراب في النقل- ثلاثة طرق وكلها لا يعبأ بـها حيث ينتهي سند اثنين منها إلى أبي أمامة فهما معلولتان بالإرسال لأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والرواية الثالثة في سندها كذاب ! ، وحتى لو تغاضينا عن السند فلا يمكن قبولها لأن إثبات نسخ القرآن لا يثبت إلا بالتواتر كما مر سابقا في مبحث القراءات ، ناهيك عن أن الروايات تضمنت معجزة وهي مدعاة للنقل المتواتر ، وهو مفقود .

ولغرابة رواية أبي أمامة علق عليها محقق كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه لابن الجوزي بقوله :" وأن تنـزل سورة كاملة للدعوة والإرشاد أو لتقرير ما هو ضروري وأساسي من القواعد لبناء مجتمع القرآن ثم تنسخ بكاملها من الصدور ومن كل شيء كانت فيه فأمر غير مقبول لأنه من غير الجائز أن يسلب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم شيئا من القرآن بعدما أنزل إليه والله تعالى يمتن عليه ببقاء القرآن محفوظاً بعد المنة العظيمة في تنـزيله إذ يقول {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }(الإسراء/86).

والذي نذهب إليه – سائلين الله الرشاد- أن قبول هذا الحديث وأمثاله فتحٌ لأبواب فتن يدخل منها الحاقدون بضروب من الأقاويل التي عرفوها من التشويه والتبديل والتحريف – وقد أصابت كتبهم – يسقطون ذلك على كتابنا المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه {تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الواقعة/80)" ( 2 )  .

  ( 1 ) ن.م ج1ص104-105
أقول : أن أسعد المكنى بأبي أمامة لم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وإنما ولد قبل وفاة النبى صلى الله عليه وآله وسلم ومن غير المعقول أن يروي هذه الواقعة ، وهذه ترجمته في الإصابة ح1ص181ت414 لابن حجر : ( أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري أبو إمامة مشهور بكنيته ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بعامين وأتى به النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فحنكه وسماه باسم جده لأمه أبي أمامة أسعد بن زرارة وقد روى عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أحاديث أرسلها وروى عن جماعة من الصحابة كعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبيه وعمه عثمان وغيرهم وأنكر أبو زرعة سماعه من عمر وقال البخاري أدرك النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ولم يسمع منه وكذا قال البغوي وابن السكن وابن حبان وغيرهم وقال بن أبي داود صحب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وبايعه وأنكر ذلك عليه وابن منده وقال قول البخاري أصح وقال الباوردي مختلف في صحبته الا أنه ولد في عهد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وقال أحمد بن صالح أخبرنا عنبسة عن يونس عن بن شهاب حدثني أبو أمامة بن سهل وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وسماه حنكة وقال الطبراني له رؤية وقال خليفة وغيره مات سنة مائة وقال ابن الكلبي تراضى الناس أن يصلي بـهم وعثمان محصور ) .
( 2 ) هامش ناسخ القرآن ومنسوخه لابن الجوزي ص137 .
 
 

-  ص 373 -

وهناك بعض الروايات جاءت عن الصحابة ، وهذه الآثار لا تفيد شيئا في إثبات وقوع هذا النسخ لما فيه من أهمية بالغة تقتضي ورود تلك الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبلغ القرآن ، لا أن يجتهد الصحابة فيها من عند أنفسهم ، وعلى أي حال لسنتعرض تلك الروايات :
الأولى : وردت في البخاري رواية عن أنس بن مالك : " أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أتاه رعل وذكوان وعصية وبنو لـحيان فزعموا أنـهم قد أسلموا ، واستمدوه على قومهم ، فأمدهم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بسبعين من الأنصار ، قال أنس : كنا نسميهم القراء يحطبون بالنهار ويصلون بالليل . فانطلقوا بـهم حتى بلغوا بئر معونة غدروا بـهم وقتلوهم ، فقنت شهرا يدعو على رعل وذكوان وبني لـحيان قال قتادة : وحدثنا أنس أنـهم قرؤوا بـهم قرآنا ( ألا بلغوا عنا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ) ثم رفع ذلك بعد " ( 1 ) .

والاعتماد على هذا الخبر لإثبات وقوع نسخ التلاوة فاسد ، لأمور :
أولا : لأنه خبر آحاد لا يثبت بـه قرآنية تلك الجملة ، فضلا عن نسخها .
ثانيا : يناقض روايات أخرى وردت في صحيح البخاري ومسلم .

فالرواية السابقة تذكر أن الجملة كانت آية ثم نسخت ، وعند مقارنتها بالروايات الأخرى التي تذكر نفس الحادثة تنعكس القضية بحيث تصبح تلك الآية المزعومة قولا للشهداء لا قولا لله عز وجل !

فعن أنس بن مالك قال :" جاء ناسٌ إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقالوا أن ابعث معنا رجلاً -إلى أن يقول- فبعثهم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا : ( اللهم بلّغ عنّا نبيّنا انّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنّا ) ، قال : وأتى رجلٌ حراماً خال أنسٍ من خلفه فطعنه برمحٍ حتى أنفذه فقال حرامٌ : فزت ورب الكعبة فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لأصحابه : إنّ إخوانكم قد قتلوا وإنّـهم قالوا : ( اللهم بلّغ عنا نبينا انّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنّا ) " ( 2 ) .

وكذا الحال في رواية أحمد :" عن عبد الله بن مسعود قال : إياكم أن تقولوا مات فلان شهيداً أو قتل شهيدا فإن الرجل يقاتل ليغنم ويقاتل ليُذكر ويقاتل ليرى مكانه فإن كنتم شاهدين لا محالة

  ( 1 ) صحيح البخاري ج3ص115ح2899 وج4ص150ح3862 .
( 2 ) صحيح البخاري ج3ص20 ، وصحيح مسلم ج6 ص45 .
 
 

- ص 374 -

فاشهدوا للرهط الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقتلوا فقالوا : ( اللهم بلغ نبيّنا صلى الله عليه (وآله) وسلم انا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا )" ( 1 ) .

وكذا في تفسير الطبري عن الضحاك قال : " لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد لقوا ربـهم فأكرمهم فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب ، قـالوا : يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلّغهم : ( أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ) ، فقال الله : أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم فأنزل الله ، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ – إلى قوله- وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(آل عمران/169-170).

ثالثا : بلاغة القرآن وفصاحته دليل دامغ على أن هذه الجملة ليست من جنس القرآن ولا تمت له بأي صلة ، فأن القرآن ببلاغته لا يمكنه أن يمتزج بـهذه الجملة مع وهنها وضعف أسلوبـها ، والذوق السليم المنصف شاهد على ما نقول .

الثانية : ما أخرجه مسلم : " عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية ( حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ) فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله ، فنـزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى }(البقرة/238). فقال رجل كان جالسا عند شقيق له : هي إذن صلاة العصر ؟ فقال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم " ( 2 ) .

ولا يمكن الاعتماد عليها لإثبات وقوع النسخ ، لأمور :
أولا : لأنـها من الآحاد التي لا يثبت بـها قرآنية (صلاة العصر) .
ثانيا : ولو سلمنا بقرآنية المقطع ، فلا تثبت نسخ هذا المقطع ( صلاة العصر ) للعلة نفسها .
ثالثا : هذا المقطع من الآية كان محلا لاجتهاد الصحابة والتابعين ، ولو قلنا بثبوته عن البراء فلعله اجتهد برأيه كما اجتهد غيره فيها ، خاصة أنـه لم يسند هذا الرأي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

  ( 1 ) مسند أحمد بهامشه منتخب الكنـز ج1 ص 416 .
( 2 ) صحيح مسلم ج1ص438ح630 عُلق عليه : قال مسلم ورواه الأشجعي عن سفيان الثوري عن الأسود بن قيس عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال قرأناها مع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم زمانا بمثل حديث فضيل بن مرزوق .
 
 

- ص 375 -

رابعا : البراء لم يكن متيقنا من أن هذه الزيادة كانت من خصوص هذه الآية أم من غيرها ! وهذا يدل على أن كلامه لم يكن على وجه الضبط والدقة ، ويدل عليه هذه الرواية :
" أخرج البيهقي عن البراء قال : قرأناها مع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أياما ( حافظوا على الصلوات وصلاة العصر ) ثم قرأناها {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى }(البقرة/238) فلا أدرى ، أهي هي ؟ أم لا ؟ " ( 1 )  ، فشكه فيها يمنع من الاعتماد على قوله .

خامسا : إن الصحابة ومن بعدهم وقع الخلاف بينهم على أشده في تفسير معنى قوله سبحانه{وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}، ولو كانت تلك الزيادة ( صلاة العصر ) من القرآن حقا ثم نسخت لتواترت الزيادة ككل الآيات أولا ، ولتواتر نسخها ثانيا أي للزم تكرار تواترها ! ولما وجدنا أقوالا متعارضة بين الصحابة في تفسير الآية ، ولفُضّ النـزاع وعُلم أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ( 2 ) .

سادسا : من غير المعقول أن ينسخ مقطع الآية المزعوم ( صلاة العصر ) الذي يبين مجملها فيتركها على الإبـهام حتى يحتار فيها الصحابة ، فهل أن الغرض من النسخ هو الإبـهام والتعقيد ؟!

سابعا : الجمع بين رواياتـهم يفيد أن هذه الزيادة (صلاة العصر) إنـما هي تفسير للآية قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وقعة الأحزاب فاشتبه الأمر على البراء فحسب أن هذا من القرآن ( 3 ) .

  ( 1 ) الدر المنثور ج1 ص302 .
( 2 ) لو كانت هذه الزيادة من القرآن ثم نسخت لما تخبط الصحابة ومن بعدهم في تحديد معنى الصلاة الوسطى ، وهاتان الروايتان تحكيان لنا علم سلفهم بتفسير هذه الآية : ( أخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه ) ! ، وتحكي لنا هذه الرواية ضجر ابن عمر من كثرة اختلافهم في تفسيرها : ( أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عمر انه سئل عن الصلاة الوسطى فقال : هي فيهن فحافظوا عليهن كلهن ). راجع الدر المنثور ج1ص300 وللزيادة راجع ما بعدها من الصفحات .

( 3 ) يدل على أنـها نزلت من السماء بلا إضافة ( صلاة العصر ) بل نزلت كما هي في القرآن {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}(البقرة/238)
ما أخرجه البخاري في صحيحه ج4ص164ح4260 : ( عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية : {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت )

وفي الدر المنثور ج1ص301 : ( وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود وابن جرير والطحاوي والروياني وأبو يعلى والطبراني والبيهقي من طريق الزبرقان عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يصلى الظهر بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة على أصحابه فنـزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} قال : لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ، وأخرج أحمد وابن المنيع والنسائي وابن جرير والشاشي والضياء من طريق الزبرقان أن رهطا من قريش مر بـهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى فقال : هي الظهر ، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه فقال : هي الظهر ، إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يصلى الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتـهم فـأنزل الله =>

 
 

- ص 376 -

الثالثة : أورد البخاري قولا لعمر : " أقرؤنا أبي وأقضانا علي -عليه السلام- وإنا لندع من قول أبي وذاك أن أبيا يقول لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وقد قال الله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }(البقرة/106) " ( 1 ) .

واجتهاد عمر هذا لا يعتمد عليه ، ويدل عليه أمور :
أولا : أن معرفة المنسوخ وغيره لا تأتي إلا عن طريق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا معنى لأن يعيب ابن الخطاب على أبي بن كعب رضي الله عنه بأنه لا يترك شيئا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟! ، فهل كان عمر يعلم بالمنسوخ من الله عز وجل مباشرة ؟!

ثانيا : إن كثيرا من المشادات التي حصلت بين عمر وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه كانت حول نفس الآيات التي ادعى أهل السنة نسخها ، ومع ذلك نجد عمر يرضخ لرأي أبي بن كعب في إثبات تلك الآيات للقرآن ! ، وسيأتي ذكرها بإذنه تعالى .

  =>{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتـهم )

وكذا في ص302 : ( وأخرج النسائي والطبراني من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال : كنت مع قوم اختلفوا في صلاة الوسطى وأنا أصغر القوم فبعثوني إلى زيد بن ثابت لأسأله عن الصلاة الوسطى فأتيته فسألته فقال : كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والناس في قائلتهم وأسواقهم فلم يكن يصلى وراء رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلا الصف والصفان فانزل الله {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : لينتهين أقوام أو لأحرقن بيوتـهم ).

والرواية الآتية تدل على أن الآية نزلت من السماء بلا ذكر لمعنى الصلاة الوسطى وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي عرفها ، في الدر المنثور ج1ص302 : ( أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن زر قال : قلت لعبيدة : سل عليا عن صلاة الوسطى فسأله ، فقال : كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول يوم الأحزاب شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا ) وهي في السنن الكبرى ج1ص152ح360 ، مسند أحمد ج1ص122ح990)

وكذا : ( أخرج ابن جرير من وجه آخر عن زر قال : انطلقت أنا وعبيدة السلماني إلى علي فأمرت عبيدة أن يسأله عن الصلاة فسأله فقال : كنا نراها صلاة الصبح فبينا نحن نقاتل أهل خيبر فقاتلوا حتى أرهقونا عن الصلاة وكان قبيل غروب الشمس قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : اللهم املأ قلوب هؤلاء القوم الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى وأجوافهم نارا ، فعرفنا يومئذ أنـها الصلاة الوسطى . وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني عن سمرة إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وسـماها لنا وإنما هي صلاة العصر . وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إن نحافظ على الصلوات كلهن وأوصانا بالصلاة الوسطى ونبأنا أنـها صلاة العصر ). وعلى هذا فلا مجال للقول بأن هذه الزيادة كانت قرآنا نسخ تلاوته .

( 1 ) صحيح البخاري ج4ص1628ح4211 باب قوله { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها }.
صحيح البخاري
ج4ص1913ح4719 : ( عن بن عباس قال قال عمر :أبي أقرؤنا وإنا لندع من لحن أبي ، وأبي يقول أخذته من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قلا أتركه لشيء ، قال الله تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } ) ، راجع المستدرك على الصحيحين ج3ص345ح5328 ، السنن الكبرى ج6ص289ح10995 ، مسند أحمد ج5ص113ح21122 .

 
 

- ص 377 -

ثالثا : لماذا لم يواجه عمر أبيا ولو في واحدة من تلك هذه المشاجرات ويقول له إن هذه الآيات نسخت تلاوتـها ؟! هل كان خائفا منه ؟! أم أن اجتهادات عمر لم تكن لتنطلي على سيد القراء ؟

رابعا : لو كان هذا الاجتهاد صحيحا لما غفل عنه أبي بن كعب وابن مسعود وغيرهم من رؤوس القراء في ذلك الوقت ، فما دام قد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة أن يستقرئوا القرآن من ابن مسعود وأبي بن كعب على ما جاء في البخاري ، ومادام عمر قد اعترف بأن أبيا هو أقرؤهم للقرآن ، فالأحرى أن يغفل عنه عمر الذي كان يلهيه الصفق بالأسواق لا أبي بن كعب !

خامسا : لا يمكن لأهل السنة الاعتماد على قول عمر فضلا عن الشيعة ، لأن بعض آيات مصحفنا كانت في نظر عمر من المنسوخ تلاوة مع أنـها لم تنسخ بإجماع أهل القبلة ! ، فدعوى عمر نسخ بعض الآيات إنـما هو اجتهاد منه ، وهو اجتهاد خاطئ لا يلتفت إليه ، ويدل عليه ما أخرجه أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه { إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(الجمعة/9). فقال من أملى عليك هذا ! قلت : أبي ابن كعب ! قال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ قرأها ( فامضوا إلى ذكر الله )".

وكذا " أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال : قيل لعمر إن أبيا يقرأ ( فاسعوا إلى ذكر الله ) قال عمر : أبي أعلمنا بالمنسوخ وكان يقرؤها ( فامضوا إلى ذكر الله ) " ( 1 ) .
لذا قد يكون المنسوخ الذي قصده عمر في رواية البخاري من هذا القبيل ، فتسقط هذه الرواية عن الحجية لو فرضت.

  ( 1 ) الدر المنثور ج6ص219 ط دار المعرفة ، وسيأتي المزيد منها في مبحث القراءات الشاذة إن شاء الله .  
 

- ص 378 -

سادسا : لو سلمنا بكل ما سبق ، فإن قول عمر هذا لا يفيد علما ولا عملا ، فما فائدة قول أحدهم إن من القرآن ما نسخ تلاوة ؟! ، لا شيء لأن القول بنسخ أي جملة من القرآن يفتقر إلى التواتر سواء أدعي على نحو الإجمال وقوع النسخ أم لا ، فادعاء عمر السابق لا يفيد شيئا .

وإلى هنا نتوصل إلى أنه لا توجد حتى رواية واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحكي وقوع هذا النسخ في آيات القرآن ولو وجدت فهي روايات آحاد لا يعبأ بـها فكيف إن كانت ضعيفة السند ! ، وأما الآثار التي جاءت من عند غير من أمرنا الله عز وجل باتباعه فالشقي كل الشقي من يعول عليها في إضافة جمل ليست من كتاب الله عز وجل فيه ، والمتجرئ من يقول إن الله عز وجل جعل هذه الكلمات من القرآن ثم يأتي بعد ذلك فيدعي أن الله عز وجل قد نسخها ! ناهيك عن أنـها روايات آحاد ومعلولة المتن كما أوضحنا .

* الخلاصة :
لا يوجد دليل يعتمد عليه لإثبات وقوع نسخ التلاوة لا من قرآن ولا من سنّة ، ومن غير اللائق تأسيس مثل هذا الأصل الخطر على كتاب الله لأنه يفتح المجال للمتلاعبين والمتقولين على الله عز وجل فينسب لساحته المقدسة كلام لم يقله .

وعلى أي حال فالأصل عدم وقوع النسخ وخلافه يحتاج إلى دليل وهو مفقود ، بل الدليل على خلافه قائم كما سيأتي بإذنه تعالى، وقد يعجب العاقل من تمسك أهل السنة بشيء لا أصل له في الدين يزاد به في كتاب الله عز وجل وينقص منه بلا بينة ولا برهان ، ولكنها تزول بعد العلم بمنشأ تمسكهم بنسخ التلاوة هذا ، الذي لا وجود له إلا في مخيلتهم .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب