|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
330 |
|
ثانيا :
الشيعة الإمامية والقراءات القرآنية
* هل قرأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بـهذه
القراءات ؟
قلنا سابقا إن منشأ الاختلاف في بداية أمر القراءات هو
اجتهاد وتفنن بعض الصحابة في قراءة القرآن ، وسار على
دربـهم بعض التابعين وهكذا ( 1 ) ، وليس للشرع أدنى مدخلية
في تلك القراءات سواء في نشأتـها أو في استمرارها
وبقائها ، وفي عقيدة شيعة أهل البيت عليهم السلام إن
كتاب الله عز وجل أنزله جبرائيل عليه السلام على قلب
الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بلغة عربية
فصيحة لا خلل فيها ولا زلل { قُرآنًا عَرَبِيًّا
غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}(الزمر/28)،
وكان نزوله على صورة واحدة وهيئة واحدة بلا تغيير أو
تبديل ، وكان يعرض على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
في كل عام مرّة وفي آخر حياته الشريفة مرّتين ، وفي كل
مرّة كانت القراءة كسابقتها ، لا تزحزح عنها بحرف أو
حركة أو إعجام أو بنبر أو همز أو شيء من هذا القبيل ،
ولو حصل هذا – كما يزعم المشهور من غير الشيعة- لاشتهر
وذاع ، ولصار حديث الساعة بين الصحابة ، فلا تفتأ
الأخبار تذكر الوقت الذي تغيّرت فيه القراءة ، وفي أي
شهر ومن أية سنة جاء جبريل عليه السلام مغيرا بعض
الكلمات والأحرف ، ولسارت بـهذا الركبان وتناقلته
الكبار والصغار ، ولطبّل المشركون له أيما تطبيل
ولأثاروا هذا الأمر ووجهوه طعنة قوية وقاتلة في قلب
القرآن والدعوة الإسلامية ، وكما هو معلوم لا شيء من
هذا وصلنا لا من أهل التاريخ ولا من أرباب السير
ومدوني المصنفات ولا حتى من أصحاب المسانيد والجوامع ،
فحيث لم يصلنا أي خبر عن تغيير الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم قراءته يوما ما نعلم
| |
( 1 ) يلاحظ أن هؤلاء الصحابة كانوا من مشاهير
القرّاء والمتميزين بكثرة القراءة ، ولعل الثقة
الزائدة بالنفس كانت سبب اندفاعهم لإعمال الرأي
والاجتهاد في قراءة القرآن بأشكال متعددة ، أي من باب
التمكّن والتفنن الزائد ، ولذا هذه القراءات المخالفة
للمشهور لم تأت عن غير هؤلاء القلة ، وهذا يؤكد أن
منشأ تلك القراءات المختلفة اجتهاد نفسي وإعمال للرأي
لا أكثر ولا أقل ، ووجدت قولا للمحقق النجفي رضوان
الله تعالى عليه يفيد هذا المعنى ، قال في
جواهر
الكلام ج9ص293: ( ودعوى أن كل واحد من هؤلاء ألف
قراءته من متواترات رجحها على غيرها لـخلوها عن الروم
والإشمام ونحوهما وبه اختصت نسبتها إليه كما ترى تـهجس
بلا درية ، فإن من مارس كلماتـهم علم أن ليس قراءتـهم
إلا باجتهادهم وما يستحسنوه بأنظارهم كما يؤم إليه ما
في كتب القراءة من عدهم قراءة النبي صلى الله عليه
وآله وعلي وأهل البيت ( ع ) في مقابلة قراءاتـهم ، ومن
هنا سموهم المتبحرين ، وما ذاك إلا لأن أحدهم كان إذا
برع وتمهر شرع للناس طريقا في القراءة لا يعرف إلا من
قبله ولم يرد على طريقة مسلوكة ومذهب متواتر محدود
وإلا لم يختص به ، بل كان من الواجب بمقتضى العادة أن
يعلم المعاصر له بما تواتر إليه لاتحاد الفن وعدم
البعد عن المأخذ ، ومن المستبعد جدا أنا نطلع على
التواتر وبعضهم لا يطلع على ما تواتر إلى الآخر ). |
|
|
وبلا ريب
أن قراءة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم
للقرآن طيلة حياته كانت على صورة واحدة ثابتة لم تتغير
ولم تتبدل ، فكان يقرأ به صلى الله عليه وآله وسلم
بصورة واحدة في صلاته ، وفي خطبه ، وفي قيامه وجلوسه
في المسجد ، ويسمعه الصحابة المؤمن منهم والمنافق فلا
نكير ولا تغيير ، وليت شعري كيف يقرأ صلى الله عليه
وآله وسلم آية في صلاة الظهر بألفاظ تختلف عنها في
صلاة العصر ولا يصلنا من هذا العجب شيء ؟! ، ويا ليت
الأمر اقتصر على هذا ! بل يدعي أهل السنة أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم كان يقرأ القرآن بسبعة أشكال
متغايرة وبجميع قراءاتـهم !! وهذا ما لا نتكلف لبيان
سخفه وإثبات حماقة قائله !
قال في لغة القرآن : " وهذا القول يستلزم أن يكون
الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم قد قرأ القرآن بجميع
أوجه الخلاف التي بين اللهجات العربية ، أو أذن لهم أن
يقرأ كل واحد على لهجته الخاصة دون سماع منه ، وهذا لا
أساس له من الصحة ، لأن الرسول صلى الله عليه (وآله)
وسلم إنما قرأ القرآن كما أنزل عليه دون أن يكون له
دخل في اختلاف القراءات من ناحيته الشخصية ، وهذا هو
ما تدل عليه الأحاديث الكثيرة التي أثبتنا لك قسما
منها " ( 1 ) .
هذا شيخ الأعراب ابن تيمية يشك في كون الرسول الأعظم
صلى الله عليه وآله وسلم قد قرأ بأشكال متعددة ويختم
حديثه عن تلك القراءات بقوله: " إذا كان -صلى الله
عليه وآله- قد قالـها " ( 2 ) .
* قراءتنا الـمتواترة
ومما لا ينبغي الشك فيه أن القراءة المتداولة اليوم
متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذها
المسلمون أخذ تقديس وتعظيم يقرؤونـها ليلا ونـهارا ،
وأقرأها الرجال للرجال والصبية والنساء للنساء والصبية
، فلم تبق ناحية فيها جمع من المسلمين إلاّ وقرأت بـها
بقراءة معلمهم الأول صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان
يقرأ بقراءة واحدة ، وهذا أمر واضح لكل مسلم خاصة بعد
ثبوت عدم تواتر القراءات القرآنية الأخرى ، لأنا لو
قلنا بأن قراءة المسلمين اليوم غير متواترة أيضا فهذا
يعني انعدام التواتر التفصيلي القرآن ، وثانيا أن
الناس بأجمعهم في كل الأمصار الإسلامية اتفقوا على ترك
ما كان يقرأ به الآلاف المؤلفة من الصحابة والتابعين
وعدلوا عنه إلى قراءة أخرى اتفقوا عليها وهي
| |
( 1 ) لغة القرآن الكريم ص73 ، ط مكتبة الرسالة
الحديثة .
( 2 ) مجموع فتاوى ابن تيمية ج22ص460 ، مطابع الرياض ،
الأولى 1382 ه . |
|
|
التي يقرأ بـها المسلمون اليوم !! ، فأمر كهذا يحكي انقلابا
شاملا وعاما في جميع الأمصار الإسلامية وفي أقدس
مقدسات المسلمين ومع ذلك لاحس له ولا خبر ، هو للأحلام
والأساطير أقرب .
إذن تواتر قراءة المسلمين اليوم عن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم أمر بين في نفسه ، ولكن لا بأس بذكر
بعض الشواهد على وجود القراءة المتواترة على مر
التاريخ :
1- عندما كتب المصحف في زمن عثمان لم ينقل لنا
التاريخ توقف الكتبة إلا في مواضع قليلة وهي ( تابوت )
و ( يتسنه ) و ( منسأته ) وهذا يعني أن الموارد الأخرى
كانت واضحة ومعلومة ، وحتى هذه الموارد لا يدل توقفهم
فيها على عدم وضوحها بل كان الخلل في الكتبة لا أكثر
من ذلك ، لذلك بين حالها أبي بن كعب بكل سهولة ويسر .
2- التغيير الذي حدث على خط القرآن الكريم بتشكيل
حروفه وتنقيطها دليل على وجود قراءة متواترة تم
التنقيط والتشكيل على أساسها .
فهذا أبو الأسود الدؤلي نقّط المصحف نقط إعراب ولا
يمكن أن يتسنى له ذلك لو لم يجد عند المسلمين قراءة
ثابتة ومشهورة .
وكذلك تلميذه يحيى بن يعمر العدواني فقد نقطه نقط إعجام ، فكيف قدر على أن ينقط المصحف مع وجود التغاير
والاختلاف في قراءة الكلمة الواحدة الناشئ من اختلاف
مواضع النقط ؟! وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .
3- إن حصر وتحديد موارد اختلاف بعض الصحابة في
القراءة واشتهارهم بـهذه المخالفات من دون الجميع ،
يثبت لنا وجود قراءة متواترة ومشهورة تقاس عليها
الشواذ وإلا لو كان لكل صحابي قراءة خاصة لما صح تميّز
هذا الصحابي بالقراءة لولا أنه كان يقرأ بعض كلمات
القرآن بشكل غير معهود ومعروف .
4- كثير من الروايات تذكر استشهاد الصحابة والتابعين
ومن بعدهم بآيات القرآن الكريم المختلف في قراءتـها
بين القراء فنجدها مطابقة لما نقرؤه اليوم وكما هي
مثبتة في المصحف .
5- الأخبار والشواهد الحسية التي تحكي وجود قراءة
مشهورة متواترة بين المسلمين وهي القراءة التي كان
يقرأ بـها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
هذه بعض الروايات التي تصرح بـهذه الحقيقة ، ذكر في
المرشد الوجيز قول خلاّد بن يزيد الباهلي :
" قلت ليحيى بن عبد الله بن أبي مليكة : إنّ نافعاً
حدّثني عن أبيك ، عن عائشة ، أنّها كانت تقرأ ( إذ
تلقونه ) بكسر اللاّم وضم القاف ( 1 ) وقال : إنـها من ولق
الكذب ! فقال يحيى : ما يضرّك أن لا تكون سمعته عن
عائشة ، وما يسرّني أني قرأتـها هكذا ، ولي كذا وكذا !
قلت : ولِمَ وأنت تزعم أنّها قد قرأت ؟! قال : لأنـه
غير قراءة الناس .
ونحن لو وجدنا رجلاً يقرأ بما ليس
بين اللّوحين ما كان بيننا وبينه إلاّ التّوبة أو نضرب
عنقه . ونجيء به نحن عن الأمّة عن النبيّ عن جبرائيل ،
عن الله عز وجل ، وتقلون أنتم : حدّثنا فلان الأعرج عن
فلان الأعمى ! إن ابن مسعود يقرأ ما بين اللّوحين ، ما
أدري ماذا ؟ إنـما هو والله ضرب العنق أو التوبة "
( 2 ) .
وقال الزركشي في البرهان :" قال أبو عبد الرحمن السلمي
: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت
والمهاجرين والأنصار واحدة ، كانوا يقرؤون القراءة
العامة ، وهي القراءة التي قرأها رسول الله صلى الله
عليه (وآله) وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض
فيه " ( 3 ) .
وقد ذكر السيوطي في الإتقان : " حدث محمد بن سيرين عن
عبيدة السلماني قال : القراءة التي عرضت على النبي صلى
الله عليه (وآله) وسلم في العام الذي قبض فيه ، هي
القراءة التي يقرؤها الناس اليوم " ( 4 ) .
وقال الزرقاني في مناهل العرفان : " قال ابن مجاهد قال
لي قنبل : قال القواس في سنة سبع وثلاثين ومائتين :
القَ هذا الرجل -يعني البزي- فقل له : هذا الحرف ليس
من قراءتنا -يعني (ومَا هوَ بميتٍ)- مخففا .
| |
( 1 ) وهي في المصحف بفتح اللام وتشديد القاف .
( 2 ) المرشد الوجيز ص180 .
|
( 3 ) البرهان في علوم القرآن ج1ص237 ط الحلبي .
( 4 ) الإتقان ج1ص50 .
|
|
|
وإنما
يخفف من الميت من قد مات ومن لم يمت فهو مشدّد . فلقيت البزي ، فقال : قد رجعت عنه… قال محمد بن صالح : سمعت
رجلا يقول لأبي عمرو بن العلاء : كيف تقرأ
{فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ
يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ }(الفجر/25-26) ؟ فقال : (
لا يعذِب ) بالكسر . فقال له الرجل : كيف ؟ وقد جاء
النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بالفتح ! فقال له أبو
عمرو : لو سمعت الرجل الذي قال : سمعت النبي صلى الله
عليه (وآله) وسلم ما أخذت عنه . أو تدري ما ذاك ؟ لأني
أتـهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به
العامة " ( 1 ) .
وهذه الروايات صريحة في وجود قراءة يقرأ بـها العامة
محددة ومعلومة تقيّم عليها القراءات المستحدثة ، وكذا
هذه الرواية :
" وأخرج ابن أبي حاتم عن هارون قال : قراءة الحسن
والأعرج وأبي عمرو والـعـامة {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ
}(يس/72) ، يعني ركوبتهم حمولتهم " ( 2 ) .
وذكر صاحب الخِطط الـمقريزية : " قال القضاعي : كان
السبب في كتابة ( 3 ) هذا المصحف أن الحجاج بن يوسف الثقفي
كتب مصاحف وبعث بـها إلى الأمصار ووجه إلى مصر بمصحف
منها فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك وكان الوالي
يومئذ من قبل أخيه عبد الملك وقال يبعث إلى جند أنا
فيه بمصحف ؟! فأمر فكتب له هذا المصحف الذي في المسجد
اليوم فلما فرغ منه قال : من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس
ثور وثلاثون ديناراً .
فتداوله القرّاء فأتى برجل من
قراء الكوفة اسـمه زرعة بن سهل الثقفي فقرأه تـهجّياً
ثم جاء إلى عبد العزيز بن مروان فقال له : إني قد وجدت
في المصحف حرفاً خطأ . فقال : مصحفي ؟! فقال : نعم .
فنظر فإذا فيه {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ
وَتِسْعُونَ نَعْجَةً}(ص/23). فإذا هي مكتوبة نـجعة قد
قدّمت الجيم قبل العين فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه
و أبدلت الورقة ثم أمر له بثلاثين ديناراً وبرأس أحمر
" ( 4 ) .
ولو لم تكن بين المسلمين قراءة مشهورة ومتواترة لما صح
السكوت عن ذكر القراءة التي يجب مراعاتـها عند التدقيق
في هذا المصحف مع أنـها مختلفة فيما بينها بأكثر من
هذه الاختلاف البسيط .
| |
( 1 ) مناهل العرفان للزرقاني ج1 ص 445 ط الحلبي
الثالثة .
( 2 ) الدر المنثور ج5ص269.
( 3 ) مصحف خاص .
( 4 ) الخطط المقريزية ج2ص254 للمقريزي ط. الحلبي
بالأوفست .
|
|
|
فتحصل إلى هنا أن هناك قراءة متواترة ومشهورة على مر
التاريخ وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
، وكونـها قراءة المسلمين اليوم فلأن عدول الناس في كل
الأمصار والبلدان عن القراءة التي تلقوها عن الصحابة
والتابعين ومن بعدهم ثم اتفاقهم على قراءة أخرى في
قبال القراءة المتلقاة طبقة عن طبقة أمر لا يكاد يتصور
فضلا عن معقوليته .
* إشكال !
ولعل قائلا يقول ، إن هذه القراءة المتداولة اليوم هي
قراءة عاصم برواية حفص ، فكيف نسبت له القراءة
المتواترة ، مع ما ذُكر سابقا أن اختصاص أحدٍ ما
بقراءة ينافي تواترها ؟
قبل الإجابة عن الإشكال يجب علينا بيان الجهة المعنية
بالإجابة عنه وبيان كيف حاولوا معالـجة المشكلة ، فهذا
الإشكال يتوجّه بصورة مباشرة لأهل السنة ، لأنـهم
الذين نسبوا هذه القراءة إلى شخص عاصم ومن عاصم أخذها
حفص !
أما دعوى تواترها فتنقسم كلماتـهم في ذلك إلى
قسمين :
1- إنها متواترة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه
وآله وسلم بالإسناد المتصل من عاصم إلى الإمام علي
عليه السلام .
وهذه الدعوى دون إثباتـها خرط القتاد ، ومن أين يأتيها
التواتر وهي من عاصم إلى الإمام علي عليه السلام ، أي
من واحد إلى واحد ؟! .
2- إن هذه القراءة ليست متواترة وإنما هي بنقل الآحاد
عن الآحاد ، وإنما المتواتر هو ما اتفق عليه القراء
السبعة دون تفاصيل كل قراءة ، أي أن تواتر القرآن
تواتر إجمالي وليس بتفصيلي .
وهذا رأي أرباب فن القراءات عندهم كابن الجزري وابن
شامة والشوكاني وغيرهم الذين مرت كلماتـهم ، ولا بأس
باعادة ما قاله الإمام أبو شامة : "
والحاصل إنا لسنا
ممن يلتزم بالتواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين
القراء ، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير
متواتر ، وذلك بين لمن أنصف وعرف وتصفح القراءات
وطرقها ، وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها ،
كإدغام
أبي عمرو ، ونقل الحركة لورش ، وصلة ميم الجمع
وهاء الكناية لابن كثير ، أنه متواتر عن ذلك الإمام
الذي نسبت القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء
الطرفين والواسطة ، إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك
الإمام إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في كل فرد
فرد من ذلك ، وهنالك تسـكب الـعبـرات ، فإنـها من ثم
لم تنقل إلا آحاداً إلا اليسير منها ، وقد حققنا هذا
الفصل أيضا في كتاب البسملة الكبير، ونقلنا فيه من
كلام الحذاق من الأئمة المتقنين ما تلاشى عنده شبه
المشنّعين ، وبالله التوفيق " ( 1 ) .
ولذا يرد الإشكال السابق عليهم وهو العجز عن إثبات
التواتر لتفاصيل القراءة التي يقرأ المسلمون بـها
اليوم دون المتفق عليه بين القراء السبعة ، وهذا إن
سلمنا بأن الأسانيد التي جعلوها للقراء السبعة تنتهي
إلى سبعة من الصحابة وأنـها بمجموعها تفيد التواتر
وأنـها خالية من الإنقطاع والعلل ! ، فإن هذا مناقش
كما بينا سابقا .
ونحن يمكننا الإجابة عن الإشكال بجواب بسيط جدا وهو
أنه يجب التنبه إلى أن حصر القراءات وتعيين قرّائها
كان على يد رجل سني اسمه ابن مجاهد ، وقد أخطأ خطأ
فادحا عندما خصص القراءة المتواترة بشخص أو شخصين رجاء
ذكر إسنادها لها إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم !
، فتخصيصه هذا لا يعني أن عاصما كان الوحيد الذي كان
يقرأ بـهذه القراءة ، وإلا فلا يعقل أن تكون قراءة
المسلمين في شتى بقاع المعمورة مأخوذة منه ومن رجال
إسناده ، فما كان فعل ابن مجاهد إلا مجرد ترف وأمرا
شكلي لا يعبر عن واقع قراءة المسلمين .
ومن أشد الأغلاط حصر المشهور والمتواتر عند الجميع
بفلان وفلان وذكر إسنادٍ له أحادي ، بل من غير اللائق
ذكر طرق عن عشرة أو عن عشرين لمثل إثبات أن ما يقرأ به
المسلمون اليوم هو نفس ما كان يقرأ به رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ، فهذا حاله كحال من يطلب الإسناد
لإثبات أن غار حراء الموجود الآن هو نفسه الغار الذي
نزل فيه الوحي أول مرة ( 2 ) .
| |
( 1 ) المرشد الوجيز ص 177-178 .
( 2 ) وقد ذكر الشيخ المحقق محمد هادي معرفة حفظه الله
سبب تخصيص ابن مجاهد للقراءة المتواترة بشخص عاصم ،
فقال في تلخيص التمهيد ص 329 : ( إنّ قراءة حفص كانت
هي قراءة عامّة المسلمين ، وأنّ النسبة مقلوبة حيث كان
حفص وشيخه عاصم حريصين على الالتزام بما وافق قراءة
العامّة والرواية الصحيحة المتواترة بين المسلمين ،
وهي القراءة التي أخذها عاصم عن شيخه أبي عبد الرحمن
السلمي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ،ولم يكن
علي عليه السلام يقرأ إلا ما وافق نصّ الوحي الأصل
المتواتر بين المسلمين …إن عاصما بين القرّاء
المعروفين كان فريداً بسمات و خصائص ، وجعلته علماً
يشار إليه بالبنان ، فقد كان ضابطاً متقناً للغاية
شديد الحذر والاحتياط فيمن يأخذ عنه القرآن متثبّتاً ،
ومن ثمّ لم يأخذ القراءة أخذاً إلا من أبي عبد الرحمن
السلمي عن علي عليه السلام و كان يعرضها على زرّ بن حبيش
عن ابن مسعود )
أقول : وهذا لا يصحح تخصيص ابن
مجاهد المتواتر والمشهور برجل متقن متحرز في قراءته
وهو عاصم لما فيه من إيهام أن القراءة المتواترة بين
المسلمين شرقا وغربا هي كغيرها من القراءات الأحادية
السند ، فإن الإتقان ليس بعاذر . |
|
|
والقول الحق إن القرآن متواتر بالبداهة والعلم بتواتره
كالعلم بتواتر اتجاه القبلة في بلاد المسلمين لا يطلب
إسناده ، وكذا العلم بالبلدان الكبيرة الشهيرة التي من
السخف طلب إسناد لإثبات وجودها ، وكذا تواتر القرآن
فهو أجل من أن يطلب له إسناد من عشرة طرق أو من عشرين
طريقا بل حتى من مائة فإن الأمور المعلومة بالبداهة لا
يطلب لها إسناد .
وحيث أن العلم بتواتر القرآن من البديهيات والأمور
المفروغ عنها في العصور الأولى بين الصحابة والتابعين
وتابعيهم ، كان عجز أهل السنة وكذا الشيعة اليوم عن
إثبات تواتر القرآن بنقل فلان عن فلان له وجه وجيه إذ
أن الشهرة الذائعة في تلك العصور أغفلتهم عن التنبه
لهذه النقطة ، وللجميع الحق في ذلك .
|