إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 295

كلمات علمائهم في نفي تواتر القراءات


قال ابن الجزري :" كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا ، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ، ولا يحل إنكارها ، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بـها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أُطلق عليها ضعيفة ، أو شاذة ، أو باطلة سواء كانت من السبعة أم عمن هو أكبر منهم . هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف .

صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب ، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي ، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه " ( 1 ) .

وعند ذكره لشرط صحة السند قال : " وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ، ولم يكتف بصحة السند . وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن ، وهذا مما لا يخفى ما فيه ، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره ، إذا ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآناً ، سواء وافق الرسم أم خالفه ، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم " ( 2 ) .

وكلامه صريح في أن تلك الشروط إنما وضعت لتحل محل التواتر المفقود في القراءات ، وإن أخذ قيد التواتر يخرج كثيرا من اختلافات القراء فيما بينهم عن ساحة القراءة المقبولة للقرآن الكريم .

وإليه ذهب العلامة السيوطي :" قلت : أتقن الإمام ابن الجزري هذا الفصل جدا " ( 3 ) .

وقال الإمام أبو شامة : " والحاصل إنا لسنا ممن يلتزم بالتواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء ، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر ، وذلك بين لمن أنصف وعرف

  ( 1 ) النشر في القراءات العشر ج1ص9 .
( 2 ) ن.م ج1ص13 .
( 3 ) الإتقان ج1ص75 ط المنيرية .  
 

- ص 296 -

وتصفح القراءات وطرقها ، وغاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها ، كإدغام أبي عمرو ، ونقل الحركة لورش ، وصلة ميم الجمع وهاء الكناية لابن كثير ، أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة ، إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في كل فرد فرد من ذلك ، وهنالك تسـكب الـعبـرات ، فإنـها من ثم لم تنقل إلا آحاداً إلا اليسير منها ( 1 ) ، وقد حققنا هذا الفصل أيضا في كتاب البسملة الكبير، ونقلنا فيه من كلام الحذاق من الأئمة المتقنين ما تلاشى عنده شبه المشنّعين ، وبالله التوفيق " ( 2 ) .

وكلام الإمام أبي شامة واضح في أن غاية دعوى التواتر أنه متحقق في المشهور من قراءة القارئ وعنه فقط أي منه إلى ما بعده من الطبقات ، أما أن يتواتر هذا المشهور من الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى القارئ فهذا مما تسكب له العبرات وتذهب عليه النفس حسرات إذ هي أحادية السند إلا اليسير .

وقال الزركشي في البرهان :" والتحقيق أنـها متواترة عن الأئمة السبعة ، وأمّا تواترها عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ففيه نظر ، فإن إسناد الأئمة السّبعة بـهذه القراءات السبع الموجود في كتب القراءات ، وهي نقل الواحد عن الواحد ، لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة ، وهذا شيء موجود في كتبهم ، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه المرشد الوجيز إلى شيء من ذلك " ( 3 ) .

وقال في البحر المحيط : " وكان الإمام أبو القاسم الشاطبي رحمه الله يقرأ بمدّين طولي لورش وحمزة ووسطي لمن بقي ، وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قراءة حمزة لما فيها من طول المد وغيره ، وقال : لا يعجبني ، ولو كانت متواترة لما كرهها " ( 4 ) .

  ( 1 ) قارن بين هذه الكلمات لأساتذة الفن في القراءات من علماء أهل السنة وبين ما يقوله بعض جهلة الوهابية ( عثمان الخميس ) من أن القراءات السبعة متواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريدون بذلك إثبات التواتر القرآن من طرق أهل السنة فقط دون الشيعة ! ، وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .
( 2 ) المرشد الوجيز ص 177-178 .
( 3 ) البرهان ج1 ص 318 بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط الحلبي .
( 4 ) البحر المحيط للزركشي ج1ص469 .
 
 

- ص 297 -

وقال الفخر الرازي :" هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون ، فإن كان الأوّل فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله قد خيّر المكلفين بين هذه القراءات وسوّى بينها في الجواز ، وإن كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعاً على خلاف الحكم الثابت بالتواتر ، فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير ، لكنّا نرى أن كل واحد من هؤلاء القرّاء يختصّ بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليها ويمنعهم عن غيرها ، فوجب أن يلزم من حقّهم ما ذكرنا ، وأماّ إن قلنا : إنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر ، بل بطريق الآحاد ، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيداً للجزم والقطع واليقين ، وذلك باطل بالإجماع ، ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأمّة فيه ، وفي تجويز القراءة بكل واحدة منها ، وبعضها من باب الآحاد ، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليّته عن كونه قطعياّ والله أعلم " ( 1 ) .

لاحظ الكلام الأخير الذي ذكره إمامهم الفخر الرازي مدعيا أن القرآن ليس متواترا إلا في الجملة وأما التواتر التفصيلي فغير متحقق للآيات القرآنية وهذا ليس بكلام خاص له وإنما هو مقتضى ما قاله ابن شامة وما اعتمده أساتذة هذا الفن من أهل السنة .

وقال القسطلاني في اللطائف : " وهذا – يعني اشتراط التواتر- بالنظر لمجموع القرآن ، وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم " ( 2 ) ، وكلامه ككلام الفخر الرازي .

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : " إذا تقرر لك إجماع أئمة السلف والخلف على عدم تواتر كل حرف من حروف القراءات السبع ، وعلى أنه لا فرق بينها وبين غيرها إذا وافق وجها عربيا وصح إسناده ووافق الرسم ولو احتمالا بـما نقلناه عن أئمة القراء تبين لك صحة القراءة في الصلاة بكل قراءة متصفة بتلك الصفة سواء كانت من قراءة الصحابة المذكورين في الحديث أو من

  ( 1 ) التفسير الكبير ج1 ص 63 للفخر الرازي ، وتعقّب صاحب التمهيد كلام الفخر الرازي في تلخيص التمهيد ص248 فقال ( قلت : قد اشتبه عليه تواتر القرآن بتواتر القراءات ، ومن ثم وقع في المأزق الأخير، وسنبين أن القرآن شيء والقراءات شيء آخر ، فلا موقع للشق الأخير من الإشكال ) اه‍ .

وقد قلنا سابقا أن القرآن الكريم لا يمكن فصله عن قراءته إذ أن القرآن المنـزل هو كلمات تلفظ وتقرأ وهو خصوص القراءة المتواترة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وتعذر تحصيل التواتر للقراءات لا يلزم منه سلخ القران عن القراءة فإن القرآن المنـزل ليس غير الملفوظ !
( 2 ) محاسن التأويل ج1ص296 للقاسمي نقلا عن علوم القرآن عند المفسرين ج2ص56 .

 
 

- ص 298 -

قراءة غيرهم ، وقد خالف هؤلاء الأئمة النويري المالكي في شرح الطيبة فقال عند شرح قول الجزري فيها ( فكل ما وافق وجه نحوي وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان وكل ما خالف وجها أثبت شذوذه لو أنه في السبعة ) : ما لفظه ظاهره أن القرآن يكتفي في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط ولا يحتاج إلى التواتر وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم من الأصوليين والمفسرين اه .

وأنت تعلم أن نقل مثل الإمام الجزري وغيره من أئمة القراءة لا يعارضه نقل النويري لما يخالفه ، لأنا إن رجعنا إلى الترجيح بالكثرة أو الخبرة بالفن أو غيرهما من المرجحات قطعنا بأن نقل أولئك الأئمة أرجح ، وقد وافقهم عليه كثير من أكابر الأئمة حتى أن الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري لم يحك في غاية الوصول إلى شرح لب الأصول الخلاف لما حكاه الجزري وغيره عن أحد سوى ابن الحاجب " ( 1 ) .

وكما ترى فإن أهل التحقيق وأساطين علوم القرآن والقراءات عندهم لا يرون تواتر القراءات إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي حداهم للقول بأن القرآن شيء والقراءات شيء آخر فلا يثبت تواتر القرآن بتواتر القراءات .

  ( 1 ) نيل الأوطار للشوكاني ج2ص263.  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب