|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
283 |
|
هل
القراءات متواترة ؟
القراءات – غير قراءة عاصم - ليست بمتواترة عن الرسول
الكريم صلى الله عليه وآله وسلم لأسباب ، منها أسباب
راجعة إلى حال الإسناد والطرق التي تبطل دعوى التواتر
، ومنها أسباب ذاتية في القراءات نفسها تمنع تواترها
عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسنذكر أخيرا شهادة
علماء أهل السنة على ذلك بإذنه تعالى .
* من جهة طرقها :
1- إن اختصاص كل قراءة بفلان من الناس ونسبتها إليه
دون غيره دليل على عدم تحقق التواتر في نفس طبقة
القارئ وإلا لما تمييّز بـهذه القراءة دون غيره ،
والتواتر يلزم منه نقل العدد الذي تمنع العادة تواطأهم
على الكذب في كل الطبقات ، وهنا تنخرم هذه الضابطة لو
سلمنا بوجودها في كل الطبقات الأخرى .
2- النظر في إسناد كل قارئ من القراء ينادي بعدم
تواتره لكونـها طرق آحاد ، بل بعض تلك الأسانيد غير
متصلة فضلا عن تواترها .
3- رواة القراءة الواحدة من الصحابة لا يتعدون
الراويين أو الثلاثة ، فمن أين يأتيها التواتر ؟!
قال المحقق النجفي رضوان الله تعالى عليه في الجواهر
:" وبالجملة من أنكر التواتر منا ومن القوم خلق كثير
بل ربما نسب إلى أكثر قدمائهم تجويز العمل بـها
وبغيرها لعدم تواترها ويؤيده أن من لا حظ ما في كتب
القراءة المشتملة على ذكر القراء السبعة ومن تلمذ
عليهم ومن تلمذوا عليه يعلم أنه عن التواتر بمعزل إذ
أقصى ما يذكر لكل واحد منهما واحد أو اثنان على أن
تواتر الجميع يمنع من استقلال كل من هؤلاء بقراءة بحيث
يمنع الناس عن القراءة بغيرها ويمنع من أن يغلط بعضهم
بعضا في قراءته بل ربما يؤدي ذلك إلى الكفر كما اعترف
به الرازي في المحكي من تفسيره الكبير " ( 1 ) .
4- الإدراج والإقحام في بعض الطرق كطريق ابن عامر دليل
على عدم تواترها ، فلو كانت الطرق متواترة لما اضطروا
لاختلاق الإسناد والرواة ! ، فإن التواتر يعني جمع من
الرواة ويكفي أي منهم لاتصال السند !
* من جهة القراءة نفسها :
5- اختلاف نقل نفس راويي القراءة الواحدة عن الشيخ ،
فلو كانت متواترة لما أمكن اختلافهما في شيء من قراءته
لأن التواتر يفيد التيقّن من قراءة الشيخ ( 2 ) ، وهذا
دليل على كون اختلاف القراءات ناتجا من اجتهادات
القراء ، وأن منبعها الأساسي والوحيد هو القارئ بلا دخالة للسنة النبوية فيها .
| |
( 1 ) جواهر الكلام ج9ص293-294 ط دار الكتب الإسلامية
.
( 2 ) إلا أن يقال أن حدود التواتر هو ما فوق الشيخ ،
وهذا ينفي التواتر كما هو واضح ! |
|
|
قال العلامة الحجة البلاغي رحمه الله :" وأن القراءات
السبع فضلا عن العشر إنما هي في صورة بعض الكلمات لا
بزيادة كلمة أو نقصها ، ومع ذلك ما هي إلا روايات آحاد
عن آحاد لا توجب اطمئنانا ولا وثوقا فضلا عن وهنها
بالتعارض ومخالفتها للرسم المتداول بين عامة المسلمين
في السنين المتطاولة ، وأن كلا من القراء هو واحد لم
تثبت عدالته ولا ثقته يروي عن آحاد حال غالبهم مثل
حاله ويروي عنه آحاد مثله وكثيرا ما يختلفون في
الرواية عنه ، فكم اختلف حفص عن شعبة في الرواية عن
عاصم ، وكذا قالون وورش في الرواية عن نافع ، وكذا قنبل والبزي في رواياتـهما عن أصحابـهما عن ابن كثير ،
وكذا رواية أبي عمر وأبي شعيب في روايتهما عن اليزيدي
عن أبي عمر ، وكذا رواية ذكوان وهشام عن أصحابـهما عن
ابن عامر ، وكذا رواية خلف وخلاد عن سليم عن حمزة ،
وكذا رواية أبي عمر وأبي الحارث عن الكسائي، مع أن
أسانيد هذه القراءات الآحادية لا يتصف واحد منها
بالصحة في مصطلح أهل السنة في الإسناد فضلا عن
الإمامية كما لا يخفى ذلك على من جاس خلال الديار ،
فيا للعجب ممن يصف هذه القراءات السبع بأنـها متواترة
.
هذا و كل واحد من هؤلاء القراء يوافق بقراءته في
الغالب ما هو المرسوم المتداول بين المسلمين وربما يشذ
عنه عاصم في رواية شعبة . إذن فلا يحسن أن يعدل في
القراءة عما هو المتداول في الرسم والمعمول عليه بين
عامة المسلمين في أجيالهم إلى خصوصيات هذه القراءات
.مضافا إلى أنا معاشر الإمامية قد أمرنا بأن نقرأ كما
يقرأ الناس أي نوع المسلمين وعامتهم
" ( 1 ) .
6- إنكار كبار علماء أهل السنة بعض القراءات الشاذة
لـهؤلاء القراء السبعة وهذا يدل على عدم تواترها ، فلو
كانت متواترة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله
وسلم لما تجرّأ أحدهم على رفضها وإنكارها ، خاصة
وأنـهم يكفرون من أنكر قراءة متواترة عنه صلى الله
عليه وآله وسلم .
فهذا الإمام أحمد بن حنبل كان ينكر على حمزة كثيراً من
قراءاته ، وكان يكره أن يُصليّ خلف من يقرأ بقراءته ،
فإذا كانت قراءة حمزة – وهو من السبعة - متواترة عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما الذي دعاه لكراهة
قراءة ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بـها ؟!
أليس هذا هو الكفر بعينه ؟!
| |
( 1 ) من مقدّمة تفسير آلاء الرحمن ج1ص29–30 ط مكتبة
الوجداني ، مدينة قم المقدسة . |
|
|
وكذا كان أبو بكر بن عيّاش يقول : قراءة حمزة عندنا
بدعة . وقال ابن دريد : إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة
قراءة حمزة . وكان المهدي يقول : لو كان لي سلطان على
من يقرأ قراءة حمزة لأوجعت ظهره وبطنه . وكان يزيد بن
هارون يكره قراءة حمزة كراهة شديدة ( 1 ) ، وهاك بعض
الاعتراضات التي اعترض بـها على قراءة القراء السبعة
والتي تنسف دعوى تواترها من الأساس .
الاعتراضات التي سجلت على القراءات السبعة !
*
قراءة حمزة لكلمة الأرحام مجرورة عطفا على الضمير
المجرور في قوله تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي
تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}(النساء/1)، قال
الزجاج : " إن القراءة الجيدة نصب {الأَرْحَام} وأما
الخفض في العربية فإن إجماع النحاة أنه يقبح أن يعطف
اسم ظاهر على اسم مضمر في حالة الخفض بإظهار الخافض "
( 2 )
وقال العلامة الزمخشري : " وقراءة حمزة
{والأَرْحَامَ} بالجر ليست بتلك القوية ". وقال في
موضع آخر " وليس بسديد " ( 3 ) ، وقد حرّم أبو العباس
المبرد القراءة بـها ( 4 ) ، وقد روى الفارسي
عنه أكثر من ذلك فقد ذكر عنه قوله : " لو صليت خلف
إمام يقرأ {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَام} بالجر ، لأخذت نعلي ومضيت " ( 5 ).
قال الآلوسي :" وحكي قول النحاس عن قراءة حمزة : ما
علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو
يخطئ قراءة حمزة ، فمنهم من يقول : هي لحن لأنه لم يأت
إلا بمفعول واحد ( ليحسبن ) وممن قال هذا أبو حاتم " (
6 ) .
* قراءة ابن عامر لقوله تعالى {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ
لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ
شُرَكَاؤُهُمْ}(الأنعام/137)، بجر شركائهم على أن قتل
مضاف وشركائهم مضاف إليه وأولادهم مفعول به منصوب لقتل
، قال العلامة الزمخشري :
| |
( 1 ) تلخيص التمهيد ص257 نقلا عن
تـهذيب التهذيب لابن
حجر ج3 ص 27-28 .
( 2 ) أثر القرآن والقراءات في النحو العربي للدكتور
محمد اللبدي ص322 الناشر دار الكتب الثقافية .
( 3 ) المصدر نفسه ، قول الزمخشري الأول نقلا عن
المفصل ج2ص74 والثاني عن الكشاف ج1ص372.
( 4 ) شرح المفصل ج3ص78 .
( 5 ) أثر القرآن والقراءات
ص323 نقلا عن فتح القدير
ج1ص383.
( 6 ) روح المعاني ج18ص209. |
|
|
" وقرئ زين على البناء للفاعل الذي هو شركاؤهم ، ونصب
قتل أولادهم وزين على البناء للمفعول الذي هو القتل ،
ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زين كأنه قيل لما قيل
زين لهم قتل أولادهم ، زينه فقيل زينه لهم شركاؤهم ،
وأما قراءة ابن عامر قتل أولادهم شركائهم برفع القتل و
نصب الأولاد و جر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء
و الفصل بينهما بغير الظرف فشيء لو كان في مكان
الضرورات وهو الشعر لكان سمجاً مردوداً كما سمج وردّ (
زج القلوص أبي مزاده ) فكيف به في الكلام المنثور ؟!
فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه و جزالته ؟! والذي
حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا
بالياء ، ولو قرئ الأولاد والشركاء لأن الأولاد
شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا
الارتكاب " ( 1 ) .
وفي أثر القرآن والقراءات :
"وقد أنكرها ابن حمدان
واعتبرها زلة ، وممن أنكرها ابن عصفور ، وتبعهما في
ذلك النحاس الذي يقول عنها ( إنـها قراءة لا تجوز في
كلام ولا في شعر ) ، ثم نجد الشوكاني أيضا في تفسيره
يعلن عدم تواتر هذه القراءة ويقول فيها ( فمن قرأ بما
يخالف الوجه النحوي فقراءته ردت عليه ) " ( 2 ) .
* قراءة نافع لقوله تعالى {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا
مَعَايِشَ}(الأعراف/10) ، وقال : " لقد تعقب النحاة
هذه القراءة فردها البصريون ، وفي ذلك يقول الزجاج :
جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ ، ولا أعلم لها
وجها إلا التشبيه بصحيفة وصحائف ولا ينبغي التعويل على
هذه القراءة ولا يلتفت إليها . ويقول النحاس عن هذا
الهمز إنه لحن لا يجوز ، ويتطاول المازني على صاحب
القراءة بقوله : أصل أخذ هذه القراءة عن نافع ولم يكن
يدري ما العربية ، وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا "
( 3 ) .
* قراءة الكسائي وحمزة لقوله تعالى {وَلَبِثُوا فِي
كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا
تِسْعًا}(الكهف/25). بإضافة مائة إلى سنين ، قال : "
وقد خطأها المبرد ولم يجوزها إلا في الشعر ضروة بقوله
( وهذا خطأ في الكلام غير جائز وإنما يجوز مثله في
الشعر للضرورة ) " ( 4 ) .
| |
( 1 ) الكشاف للزمخشري ج2 ص54 ط الحلبي الأخيرة .
( 2 ) أثر القرآن والقراءات ص323 . |
( 3 ) ن.م ص323-324.
( 4 ) ن.م ص324. |
|
|
وهذا يعني أن تلك القراءات كانت مجرد اجتهادات من
القرّاء أنفسهم يعترض بـها عليهم ، وقد خالف القراء
المقاييس في قراءاتـهم حتى وصفت كثير من الموارد
بالشذوذ من قبل العلماء بل حتى من قبل القراء أنفسهم ،
ولذا راجع كتاب التيسير لأبي عمرو الداني فقد جمع
الكثير من القراءات الشاذة عن هؤلاء القرّاء ، وكل هذه
الاعتراضات لا وجه لها لو كانت هذه القراءات متواترة
في نظرهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن المسلم
لا ينكر شيئا ثبت تواتره عن الشرع .
7- ادعاء كل من القراء صحة قراءته دون قراءة الغير
وإعراضه عنها ، ولو كانت كلها متواترة عن الرسول
الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لما أمكنهم الإعراض
والطعن على بعضها ، وقد مرّ طعن أبي بكر بن عياش
المقرئ على قراءة حمزة ونعتها بالبدعة ! ، وسيأتي كلام
الفخر الرازي بإذنه تعالى .
8- ذكر توجيهات ومبررات لقراءاتـهم ، مثل موافقتها
للعربية في شواذ أشعار العرب وإرجاع علّة القراءة إلى
غير السماع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وغيرها من الأمور التي تدل على أنـها لم تكن توقيفية
بل ناشئة عن اجتهادات القرّاء ، وإلا لما تكلف العلماء
ذكر توجيهات بعيدة مع العدول عن الأدلة الشرعية .
9- إرجاع الراوي قراءته لاستنتاجه ورأيه الشخصي وإلى
ما توصل إليه ، وهذا كان شائعا ذائعا بينهم ، فلو كانت
مأثورة -فضلا عن تواترها- عن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم لأسندها إليه ، لا أن يجتهد فيها ويقدم رأيه
!
قال ابن مجاهد : " قال لي قنبل : قال القواس في سنة
237 : الق هذا الرجل-البزّي- فقل له : هذا الحرف ليس
من قراءتنا ، يعني ( وما هو بميت ) مخففاً . وإنما
يخفف من الميت من قد مات ، وأما من لم يمت فهو مشدد .
فلقيت البزيّ فأخبرته ، فقال : قد رجعت عنه " ( 1
) .
ولو كان القراء يتبعون ما قرأ به النبي صلى الله عليه
وآله وسلم فكيف يرجع عنها لاجتهاد فلان من الناس ؟!
| |
( 1 ) مناهل العرفان ج1ص452 ، ط الحلبي الثالثة .
|
|
|
وإتماما للفائدة نذكر بعض موارد
اجتهاد السلف من الصحابة والتابعين في نصوص القرآن مما
ينافي تواتر القراءات ، بل وأكثر من ذلك فإن
بعضها ينفي تواتر قراءة الرسول صلى الله عليه وآله
نفسها ! :
" وأخرج عبد بن حميد عن يحيى عن يعمر أنه قرأ ( إن
الباقر تشابه علينا ) وقال : إن الباقر أكثر من
{الْبَقَرَ}(البقرة/70)" ( 1 ) .
" وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عمر قال : قال
الأعمش : نحن نقرأ (لا يعبدون إلا الله ) بالياء لانا
نقرأ آخر الآية ( ثم تولوا عنه ) وأنتم تقرؤون{ثُمَّ
تَوَلَّيْتُمْ}(البقرة/83).فاقرؤوها{لاَ تَعْبُدُونَ}"
( 2 ) .
وهذا الأعمش يقسّم القراءة برأيه ! ، وهو من شيوخ حمزة
الزيات أحد القراّء السبعة ، ولو كانت القراءة توقيفية
لعلله الأعمش بقوله إن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم كان يقرأ بـهما .
" وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن يحيى بن يعمر انه
كان يقرؤها ( جبرال ) ويقول : جبر هو عبد وآل هو الله
" ( 2 ) ، والآية هي {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}(البقرة/98)،
ولكن يحيى جعلها بجتهاده على وزن ميكال !
" وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير
عن عكرمة أنه كان يقرؤها ( على الذين يطوقونه ) وقال :
ولو كان يطيقونه إذن صاموا " ( 4 ) ، مع أن الآية هكذا {
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍ}(البقرة/184). وهذا اجتهاد في مقابل النص
القرآني .
" أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن
جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن الأنباري في
المصاحف من طرق عن ابن عباس انه قرأ ( ولم تجدوا كتابا
) وقال : قد يوجد الكاتب ولا يوجد القلم ولا الدواة
ولا الصحيفة والكتاب يجمع ذلك كله ".
"وأخرج عبد بن حميد عن أبى العالية انه كان يقرأ (
فان لم تجدوا كتابا ) قال : يوجد الكاتب ولا توجد
الدواة ولا الصحيفة . وأخرج ابن الأنباري عن الضحاك
مثله ".
| |
( 1 ) الدر المنثور ج1ص78 ، ط دار المعرفة .
( 2 ) ن.م ج1ص85. |
( 3 ) ن.م. ج1ص91.
( 4 ) ن.م. ج1ص178. |
|
|
" وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرؤها (
فإن لم تجدوا كتابا ) وقال الكتّاب كثير لم يكن حواء
من العرب إلا كان فيهم كاتب ولكن كانوا لا يقدرون على
القرطاس والقلم والدواة " ( 1 ) .
والآية هي {وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ
تجِدُوا كَاتِبًا }(البقرة/283) ، وهذا اجتهاد في
مقابل النص ! فأين التوقيف والاتباع لقراءة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم مع أنـهم يذكرون آراءهم لتعليل
القراءة ؟!
" وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن
جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ ( من الذين
استحق عليهم الأولين ) ويقول : أ رأيت لو كان الأوليان
صغيرين كيف يقومان مقامهما ؟ " ( 2 ) ، والآية هي هكذا {مِنْ
الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ }(المائدة/107).
" وأخرج ابن أبى حاتم عن الأصمعي قال : قرأ أبو عمر
( ويقضي الحق ) وقال : لا يكون الفصل إلا بعد القضاء "
، والآية هي {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ
الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}(الأنعام/57).
" وأخرج ابن أبى حاتم من طريق حسن بن صالح بن حي عن
مغيرة عن إبراهيم النخعي أنه قرأ ( يقضي الحق وهو خير
الفاصلين ) قال ابن حي : لا يكون الفصل إلا مع القضاء
" ( 3 ) ، والآية هي هكذا {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ
الْفَاصِلِينَ}(الأنعام/57).
قال أبو العباس المبرّد : " أما قراءة أهل المدينة
{هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
}(هود/78).
فهو لحن فاحش وإنما هي قراءة ابن مروان ولم يكن له علم
بالعربية " ( 4 ) .
وهذا يخطئ قراءة المسلمين ويرد قراءة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم كما هو الحال في الموارد السابقة
واللاحقة ! فهل تصح دعوى التوقيف بعد هذا ؟!
| |
( 1 ) ن.م. ج1ص373 .
( 2 ) ن.م. ج2ص344. |
( 3 ) ن.م. ج3ص14.
( 4 ) المقتضب ج4 ص105 من أراد الزيادة فليرجع للتمهيد
في علوم القرآن . |
|
|
" وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك أنه قال
كيف تقرؤون هذه الآية { يذرك
} قالوا : {وَيَذَرَكَ
وَآلِهَتَكَ}(الأعراف/127). فقال الضحاك : إنما هي ( إلاهتك ) أي عبادتك ألا ترى أنه يقول {أَنَا رَبُّكُمُ
الأَعْلَى}(النازعات/24)".
"وأخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن سليمان التيمي
قال : قرأت على بكر بن عبد الله {وَيَذَرَكَ
وَآلِهَتَكَ} قال بكر : أتعرف هذا في العربية ؟ فقلت :
نعم . فجاء الحسن فاستقرأني بكر فقرأتـها كذلك فقال
الحسن {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} .فقلت للحسن : أو كان
يعبد شيئا ؟ قال : إي والله إن كان ليعبد . قال سليمان التيمي : بلغني : أنه كان يجعل في عنقه شيئا يعبده .
قال : وبلغني أيضا عن ابن عباس أنه كان يعبد البقر "
( 1 ) .
" وأخرج ابن أبى حاتم عن عكرمة أنه قرأ ( ما كان
للمشركين أن يعمروا مسجد الله ) قال : إنما هو مسجد
واحد " ( 2 ) ، والآية هي هكذا {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ
أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى
أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}(التوبة/17).
"وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر عن الحسن
أنه قال ( ولا أدرأتكم به ) يعنى بالهمز . قال الفراء
: لا أعلم هذا يجوز من دريت ولا أدريت إلا أن يكون
الحسن همزها على طبيعته فان العرب ربما غلطت فهمزت ما
لم يهمز " .
فأين الاتباع من هذه الاعتراضات والاجتهادات ؟! والآية
هي هكذا {وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ }(يونس/16).
" وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال في قراءة
أبي بن كعب ( أنا آتيكم بتأويله )".
" وأخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ أنه كان يقرأ ( أنا
آتيكم بتأويله ) فقيل له { أَنَا
أُنَبِّئُكُمْ}(يوسف/45). قال : أهو كان ينبئهم ؟! "
( 3 ) .
| |
( 1 ) الدر المنثور ج3ص107. |
( 2 ) ن.م. ج3ص216. |
( 3 ) ن.م. ج4 ص22. |
|
|
"وأخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس أنه كان يقرأ (
لنحرقنه ) خفيفة يقول : إن الذهب والفضة لا يحرقان
بالنار ! يسحل بالمبرد ثم يلقى على النار فيصير رمادا
" .
" وأخرج ابن أبى حاتم عن قتادة قال : في بعض القراءة
( لنذبحنه ثم لنحرقنه ) خفيفة ، قال قتادة : وكان له
لحم ودم " ( 1 ) ، والآية في القرآن {وَانظُرْ إِلَى
إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا
لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ
نَسْفًا}(طه/97).
" وأخرج ابن أبى حاتم عن عروة ابن الزبير أنه كان
يعجب من الذين يقرؤون هذه الآية {وَالَّذِينَ سَعَوْا
فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ }(الحج/51). قال : ليس
معاجزين من كلام العرب إنما هي معجزين يعنى مثبطين "
( 2 ) .
فهاهو عروة يعجب من قراءة الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم المتواترة ويعتمد اجتهاده !
" وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سئل : كيف
تقرأ هذه الآية {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ
قُلُوبِهِمْ}(سبأ/23). أو ( فرغ عن قلوبـهم ) قال :
{إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}قال : فان الحسن يقول
برأيه أشياء أهاب أن أقولها " ( 3 ) .
وهذا يقول برأيه في كتاب الله !
" وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ( لا
يسمعون إلى الملأ الأعلى ) مخففة وقال : إنـهم كانوا
يتسمعون ولكن لا يسمعون" ( 4 ) ، وهي هكذا {لاَ
يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأ الأَعْلَى}(الصافات/8).
" وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق الأعمش عن
شقيق بن سلمة عن شريح أنه كان يقرأ هذه الآية {بَلْ
عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}(الصافات/12). بالنصب ويقول :
إن الله لا يعجب من الشيء إنما يعجب من لا يعلم ،
| |
( 1 ) ن.م. ج4ص307 . |
( 2 ) ن.م. ج4ص366. |
( 3 ) ن.م. ج4ص237. |
( 4 ) ن.م. ج4ص271 . |
|
|
قال
الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي رضى الله عنه ،
فقال : إن شريـحا كان معجبا برأيه وعبد الله بن
مسعود)رض(كان أعلم منه كان يقرؤها ( بل عجبتُ ) "
( 1 ) .
وهنا الاجتهاد والرأي يرجح على قراءة النبي صلى الله
عليه وآله !
" أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن
أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما انه كان يقرأ (
واذكر عبدنا إبراهيم ) ويقول : إنما ذكر إبراهيم ثم
ذكر بعده ولده " ( 2 ) ، والآية كما أنزلها لله عز وجل
{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ}(ص/45).
" وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يعيب {لإيلاَفِ
قُرَيْشٍ}(قريش/1). ويقول إنما هي ( لتألف قريش )
وكانوا يرحلون في الشتاء والصيف إلى الروم والشام
فأمرهم الله أن يألفوا عبادة رب هذا البيت" ( 3 ) .
وكل هذه الموارد تبين لك الحالة السائدة في أوساط
الصحابة والتابعين من إعمال للرأي واستمزاج في إبدال
نصوص القرآن وتحريفها ، وليس لله ولا لرسوله أي دخالة
في هرجهم وعبثهم في كتاب الله عز وجل .
ولكي تزداد الصورة وضوحا لنتأمل في هذا المورد والذي
يعكس لنا واقع الصحابة بل واقع رموز الصحابة كابن عباس
وابن مسعود ، وهما العلمان المقدمان في القرآن
والتفسير من الصحابة ، ولنعلم أن سنة النبي صلى الله
عليه وآله وسلم كانت بعيدة جدا عن تخبطهم في قراءة
القرآن :
" وأخرج ابن منيع في مسنده عن أبي عبد الرحمن قال :
قلت لابن عباس : إن ابن مسعود يقرأ ( وما كان لنبى أن
يُغَل ) يعنى بفتح الغين ، فقال لي : قد كان له أن
يُغَل وأن يُقتَل ، إنما هي {أَنْ يَغُلَّ }(آل
عمران/161). يعنى بضم الغين ما كان الله ليجعل نبيا غالا ".
" وأخرج ابن جرير عن الأعمش قال كان ابن مسعود يقرأ
( ما كان لنبى أن يُغَل ) فقال ابن عباس : بلى ! ويقتل
! إنما كانت في قطيفة قالوا إن رسول الله صلى الله
عليه (وآله) وسلم غلها يوم بدر فأنزل الله {وَمَا
كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}(آل عمران/161)".
" وأخرج الطبرانى والخطيب في تاريخه عن مجاهد قال :
كان ابن عباس ينكر على من يقرأ ( وما كان لنبى أن
يُغَـل ) ويقول : كيف لا يكون له أن يُغَل ؟ وقد كان
له أن يُقتَل ! قال الله :
| |
( 1 ) ن.م ج5 ص272. |
( 2 ) ن.م. ج5ص318 . |
( 3 ) ن.م. ج6ص397. |
|
|
{وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ }(البقرة/61). ولكن
المنافقين اتـهموا النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في شئ من الغنيمة فأنزل الله {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ
يَغُلَّ} " ( 1 ) .
فلو كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيّ
مدخلية في إثبات كلتا القراءتين لما صح لابن عباس
إنكار قراءة ابن مسعود ، ولكنه الاجتهاد ، وما أدراك
ما الاجتهاد ؟!
وكذا هذا المورد الذي فيه تخطئة بعض الصحابة لقراءة
بعضهم الآخر ، والذي أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره
من عدة طرق :
" عن ابن أبي مليكة قال قرأ ابن عباس
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا}(يوسف/110). فقال : كانوا
بشرا ضعفوا ويئسوا . قال ابن أبي مليكة : فذكرت ذلك
لعروة ، فقال : قالت عائشة : معاذ الله ! ما حدّث الله
رسوله شيئا قط إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت ، ولكن
لم يزل البلاء بالرسل حتى ظن الأنبياء أن من تبعهم قد
كذبوهم فكانت تقرؤها ( قد كُذِّبوا ) تثقلها " (
2 ) .
راجع بقية الطرق ، وقد قال الطبري قبلها :" وقد ذكر
هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرا عن ابن عباس لعائشة
فأنكرته أشد النكرة فيما ذكر لنا ".
فكيف يحل لعائشة إنكار قراءة متواترة عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم وهي التي تثبت عليها مصحف
المسلمين اليوم في شتى بقاع الدنيا وتقول ( معاذ الله
) ! مع العلم أن إنكار القراءة المتواترة كفر على
مبانيهم وهو عين ما فعلته عائشة !
وهذه أدلة على عدم توقيفية كل قراءات الصحابة ، فهم لم
يلتزموا على الدوام بقراءة رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، وإلاّ كيف يصح أن ينكر بعضهم قراءة بعض ؟!
| |
( 1 ) ن.م ج2ص91. |
( 2 ) تفسير الطبري ج13ص57 ، ط دار المعرفة بالأوفست . |
|
|
|