|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
280 |
|
تواتر
القراءات السبع :
الخبر المتواتر هو الخبر المفيد لليقين الذي ينقله جمع
عن جمع تحيل العادة تواطأهم على الكذب ، قال الشيخ
المظفر رضوان الله تعالى عليه : " والمتواتر : ما أفاد
سكون النفس سكوناً يزول معه الشك ويحصل به الـجزم
القاطع من أجل أخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب "
( 1 ) .
علاقة تواتر القرآن بتواتر القراءات :
قبل الخوض في بيان قيمة هذا الادعاء أقصد تواتر
القراءات السبعة نلفت القارئ إلى أن بعض علماء أهل
السنة ذهب إلى أن تواتر القراءات وعدمها لا يلزم منه
إثبات تواتر القرآن وعدمه وذلك لأن القرآن والقراءات
حقيقتان متغايرتان ، فلا ملازمة بين سلب التواتر عن
أحدهما وسلبه عن الآخر ، وقالوا إن القرآن الكريم هو
ما نزل به جبرائيل عليه السلام على قلب الرسول الأعظم
صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما أخذه المسلمون من
الصحابة والتابعين أخذ الكل عن الكل ، وله صورة ثابتة
في المصحف الذي اجتمعت الأمة على صحّة كل ما فيه ،
فألفاظه مدّونة في المصحف على مرّ العصور، وأما لو
قلنا بأن القراءات السبع أو العشر غير متواترة فهذا
يعني أن طريقة تأدية المادة القرآنية من كلمات وأحرف
وكيفية التلفظ بـها وبيان مخارجها غير متواترة ،
فكلامنا هنا متوجّه بنحو الخصوص إلى ما تميّز به كل
قارئ من مدّ وإشمام ونبر وإمالة وتفخيم وما إلى ذلك من
أساليب القراءة ، وليس إلى المادة القرآنية ، فهناك
تغاير واضح بين الحقيقتين ، وهذا ما ذكره الإمام
الزركشي في البرهان حيث قال :
" للقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو
الوحي المنـزل على محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم
للبيان و الإعجاز ، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي
المذكور في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد غيرهما "
( 1 ) .
وقال في مناهل العرفان : " فإن القول بعدم تواتر
القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن كيف
وهناك فرق بين القرآن والقراءات السبع بحيث يصح أن
يكون القرآن متواترا في غير القراءات السبع أو في
القدر الذي اتفق عليه القراء جميعا أو في القدر الذي
اتفق عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب قراء كانوا أو غير
قراء بينما تكون القراءات السبع غير متواترة وذلك في
القدر الذي اختلف فيه القراء ولم يجتمع على روايته عدد
يؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة وإن كان احتمالا
ينفيه الواقع كما هو التحقيق الآتي " ( 2 ) .
أقول : إن قصد أن القرآن شيء واختصاص فلان بطريقة
معينة لأداء الحروف كالنبر والإشمام والإمالة وغيرها
شيء آخر فهذا صحيح ، أما إن قصد أن القرآن شيء
والقراءة شيء آخر حتى يحترز من عدم تواتر القرآن حال
عدم تواتر القراءة فهذا غير صحيح ، فالقرآن النازل ليس
هو المكتوب والمخطوط ، وإنما الكلام المعجز الملفوظ
المنـزل من عند الله عز وجل :
| |
( 1 ) البرهان في علوم القرآن للزركشي ج1ص318 ، بتحقيق
محمد أبو الفضل إبراهيم ، وهو الرأي في البيان
والتمهيد .
( 2 ) مناهل العرفان للزرقاني ج1ص301. |
|
|
" القرآن : هو المنـزل على الرسول المكتوب في المصاحف
المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة" ( 1 ) ، وكذا هو
: " الكلام المنـزل للإعجاز بآية منه المتعبد بتلاوته
" ( 2 ) .
وهذا الملفوظ المعجز كتب فيما بعد في الصحف بالخط
القديم بلا ألفات وبلا تشكيل أو تنقيط ، والكلمة تتكون
في الحقيقة من مادة وهيئة ولا يمكن تأديتها على الوجه
الصحيح إن أخللنا بـهيئة الكلمة ( 3 ) ، وعليه كيف
يمكن القول بتواتر القرآن مع عدم القول بتواتر هيئات
كلماته ! ، ومن غير المعقول أيضا أن يحقق الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم مصداق القرآن المنـزل ويؤديه بلا
نقص فيه أو خلل بإهمال هيئة الكلمة التي هي جزء لا
يتجزأ من الكلمة نفسها ، وبعد فليس بمقنع ما ذكره أحد
الأعلام :
" إن الاختلاف في القراءة إنما يكون سبباً لالتباس ما
هو القرآن بغيره ، وعدم تميزه من حيث الـهيئة أو من
حيث الإعراب ، وهذا لا ينافي تواتر أصل القرآن ،
فالمادة متواترة وإن اختلف في هيئتها أو في إعرابـها ،
وإحدى الكيفيتين أو الكيفيات من القرآن قطعا وإن لم
تعلم بخصوصها ".
إذ لا يكفي هذا لإثبات تواتر القرآن تفصيلا ، نعم !
يثبت التواتر الإجمالي لآيات القرآن الكريم ، مع أن
القرآن بجميع سكناته وحركاته وإعرابه وتمام هيئته
متواتر متصل بنقل الكافة عن الكافة ، وهذا صريح ما
ذكره علماء الشيعة الإمامية سددهم الله تعالى ، أما
تشبيه تواتر القرآن بتواتر أصل هجرة النبي صلى الله
عليه وآله وسلم بلا تواتر لخصوصياتـها فهذا لا يمكن
التسليم به ، وهذه القراءة المتداولة اليوم هي
المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جميع
العصور والأمصار وهي قراءة عاصم برواية حفص .
ووجدت قولا قيما للمحقق الهمداني رضوان الله تعالى
عليه في مصباح الفقيه يقول فيه :
" إن الصدق العرفي مبني على نحو من التوسع وإلا
فالكلمة الملحونة غير الكلمة التي هي من أجزاء المقروء
خصوصا إذا كان اللحن في حركاتـها الأصلية ، فإن للهيئة
التي هي بمنـزلة الجزء الصوري للكلمة كالمادة دخلا في
قوام ماهية الكلمة بحسب وضعه ، ولذا صح توصيفه باللحن
، وهكذا الكلام في الحركات العارضية الخاصة للكلام
بواسطة الوضع التركيبي من رفع الفاعل ونصب المفعول ،
فصدق قراءة الحمد أو الشعر الفلاني مع اللحن غير
المغير للمعنى ليس إلا كصدقه مع اللحن المغير للمعنى
أو مع تحريف بعض كلماته فإنه يصدق عليه اسم القراءة ،
ولكن مع اتصافها بعدم الصحة
| |
( 1 ) التعريفات للجرجاني .
( 2 ) البحر المحيط ج1ص441 .
( 3 ) مادة الكلمة هي الأحرف الثابتة في الكلمة التي
لا تتغير وإن تغيّر تصريفها ، مثلا كاتب ويكتب وكتاب
واستكتب مادتـها هي ( ك،ت،ب ) ، والـهيئة هي الصورة
الفعلية للكلمة كما هي الأمثلة السابقة فكل منها ذات
صورة خاصة تشكلت منها مادة ( ك،ت،ب ) ، فالمادة من غير
الهيئة لا تكفي لبيان كل المعاني المرجوة كما هو واضح
. |
|
|
أي بعدم
الإتيان بجميع أجزائها على ما هي عليها بمقتضى وضعها
الأفرادي أو التركيبي وإلا لم تكن توصف بعدم الصحة ،
والحاصل أنه يعتبر في كون المقروء قرآنا حقيقة كونه
بعينه هي الماهية المنـزلة من الله تعالى على النبي
صلى الله عليه وآله مادة وصورة وقد أنزله الله تعالى
بلسان عربي ، فالإخلال بصورته التي هي عبارة عن
الهيئات المعتبرة في العربية بحسب وضع الواضع كالإخلال
بمادته مانع عن صدق كونه هي تلك الماهية وصدق اسم
قراءة القرآن على المجموع المشتمل على الجزء الملحون
إما من باب التجوز أو التغليب ، وإلا فيصح أن يقال إن
هذه الكلمة بـهذه الكيفية ليست بقرآن كما هو واضح ،
وكيف كان فلا ينبغي الارتياب في أنه لا يجوز الإخلال
عمدا بشيء من الأعراف المعتبر في صحتها من حيث العربية
" ( 1 ) .
فالقرآن الكريم المنـزل هو الملفوظ ، وهذا اللفظ تواتر
بمادته وبـهيئته أيضا في قراءة واحدة مشهورة بين
المسلمين منذ فجر الرسالة إلى يومنا الحاضر وهذه
القراءة نسبت لعاصم في عصر متأخر .
نعم يصح ما ذكره علماء أهل السنة من التفكيك بين
القرآن والقراءات إجمالا مع إغماض الطرف عما تحويه
القراءات السبع من القراءة المتواترة التي هي القرآن
عينه ، فإن القرآن والقراءات ككل وبنظرة عامة حقيقتان
متغايرتان ولا نقصد أنه حقيقة متغايرة مع قراءة عاصم
برواية حفص ، لذا مرادنا هو أن قراءة عاصم غير
القراءات القرآنية الباقية.
| |
( 1 ) مصباح الفقيه ج2ص273 للمحقق الهمداني رضوان الله
تعالى عليه ، منشورات مكتبة الصدر . |
|
|
|