إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 165

5- تاريخ الكفار والمنافقين شاهد على بطلانها


لم ينقل لنا أحد من كتّاب التاريخ والسير أن المشركين والمرجفين -على مكائدهم وترصّدهم لكل شاردة وواردة لهدم الإسلام- شككوا في مصداقية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وألبسوا على المسلمين أن نبيكم –والعياذ بالله- يختلق الكلام ويخترعه من عند نفسه لأنه يقرأ المقطع الواحد بأشكال متعددة وفي كل يوم يقرؤه بشكل مختلف عما قرأه بالأمس ! فلو كان من عند الله عز وجل لالتزم بنصّه ولاتبع أمر مولاه الذي يوحي إليه لا أن ينساه فيغيره كل مرة !
وعدم نقل التاريخ شيئا من هذا القبيل يدل على أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان في غاية الحرص على التزام نص واحد حتى لا يتسرّب الشك والريب إلى القرآن الكريم وهو الكتاب الخاتم الذي لا كتاب سماوي بعده ، وعلى أقل تقدير يجب أن يتواتر إلينا خبر هذه الأحرف السبعة ولو من جهة الكفار والمشركين والمنافقين على كثرتـهم بغية نقض الإسلام بأن قرآن المسلمين مخترع من مخيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله .
 

6- واقع المسلمين يكذب روايات الأحرف السبعة

ذكرت الروايات أن علة تشريع تلك الأحرف هي رحمة الله عز وجل بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنـها لا تطيق قراءة القرآن على حرف واحد ، ولكن الواقع كذّب هذه الدعوى إذ أن اختلاف الأمة في القراءة أصبح نقمة في زمن عثمان -وسيأتي بيانه بإذنه تعالى- حتى كفّر الناس بعضهم بعضا هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن الأمة اليوم كلها مجمعة على حرف واحد ومطيقة لذلك ، مع أنـها الآن أحوج ما تكون لتلك الأحرف بدخول كثير من غير العرب في الدين الإسلامي وطغيان اللهجات البعيدة عن فصيح العربية ، فمن نكذّب : الروايات أم الواقع ؟

- ص 166 -

7- فكرة ذهاب تلك الأحرف تستبعدها الأحداث التاريخية

أين ذهبت تلك الأحرف ؟! قد يقال -كما سيأتي بإذنه تعالى- أن عثمان بن عفان هو الذي أمر بجمع القرآن الكريم بإلغاء الأحرف الستة الأخرى – بزعمهم- وهي أضعاف هذا القرآن المتداول ، وهذا القول باطل ، فلو كان للأحرف السبعة وجودٌ في دنيا الإسلام وقام عثمان بإحراقها ، لما سكتت عنه الجماهير الغاضبة عليه وعلى سياسته وإجحافه بغير بني أمية ، ولكان هذا العمل المفترض من عثمان من الطامات التي لا تغتفر وتستوجب قتله من تلك الجماهير ، ولأُثـِر عنهم الاحتجاج بـهذا الأمر ، وواضح أن حذف أضعاف ما بين أيدينا من القرآن يعني الكفر الصريح والفاضح المستوجب للقتل ، وهذا لم يرد ولم يؤثر ، فعدم معرفتنا لكيفية ذهاب تلك الأحرف المزعومة يدفعنا لرفض فكرة وجودها من الأساس .

قال ابن حزم الأندلسي في الإحكام : "ولقد أنكر أهل التعسف على عثمان أقل من هذا مما لا نكره فيه أصلا ، فكيف لو ظفروا له بمثل هذه العظيمة ، ومعاذ الله من ذلك ، وسواء عند كل ذي عقل إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى ولا فرق ، وتالله إن من أجاز هذا غافلا ثم وقف عليه وعلى برهان المنع من ذلك وأصر فإنه خروج عن الإسلام لا شك فيه لأنه تكذيب لله تعالى في قوله الصادق لنا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9).

وفي قوله الصادق {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(القيامة/17-19). فالكل مأمورون باتباع قرآنه الذي أنزله الله تعالى عليه وجمعه . فمن أجاز خلاف ذلك فقد أجاز خلاف الله تعالى وهذه ردّه صحيحة لا مرية فيها " ( 1 ) .

أقول : لم يجز أهل السنة ذلك بل جزموا به واعتقدوه !


8- أهل البيت عليهم السلام وموقفهم من هذه الأحرف

إن أهل البيت عليهم السلام عِدل القرآن ، ولا أعلم بالقرآن من محمد وآل محمد عليهم الصلاة والسلام ، فإن صحّ عنهم تكذيب نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف زهق باطل غيرهم ، وهذه

  ( 1 ) الإحكام في أصول الأحكام المجلد الأول ج4ص566 ط دار الكتب العلمية .  
 

- ص 167 -

الروايات عنهم صريحة في تكذيب من ادعى أن عِدلهم – القرآن- نزل على سبعة أحرف ، فقد روى ثقة الإسلام الكليني رضوان الله تعالى عليه في الكافي الشريف ما نصه :

1- " عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال : كذبوا أعداء الله ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد " ( 1 ) .

2- " عن حماد بن عيسى عن جابر بن عبد الله قال : قيل لأبى عبد الله عليه السلام إن الناس يقولون : إن القرآن على سبعة أحرف . فقال : كذبوا ، نزل حرف واحد من عند رب واحد إلى نبي واحد ".

3- " باسناده المتصل عن أبى جعفر عليه السلام قال : قلت له قول الناس نزل القرآن على سبعة أحرف فقال : واحد من عند واحد " .

4- " عن زرارة بن أعين قال : سأل سائل أبا عبد الله عليه السلام عن رواية الناس في القرآن نزل على سبعة أحرف ، فقال : كذبوا الناس في رواياتـهم ، بل هو حرف واحد من عند واحد نزل به الملائكة على واحد" ( 2 ) .

فلا مجال بعد هذا كله لدعوى الأحرف السبعة ، ناهيك عن تصريح قرناء القرآن الكريم وأهله أن القرآن واحد نزل من عند الواحد على واحد ، فلا يترك قول أهل البيت عليهم السلام لقول غيرهم ، وأهل البيت أدرى بما فيه .

  ( 1 ) الكـافي ج2ص630 ، تعليق علي أكبر غفاري ، الموارد الآتية من هامش وسائل الشيعة ننقل ما أورده السيد محمد الخوانساري فيه بحذف الإسناد والمصادر بعد أن ذكر روايتي الكافي .
( 2 ) وسائل الشيعة ج4 ص 822 -823 .
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب