|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 160 |
|
4- موقف
الصحابة العملي المناقض لهذا الأصل :
سمع الصحابة في عصر النـزول هذا القرآن غضا طريا من
لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك حدث
الاختلاف فيما بينهم في قراءة القرآن بتغيير بعض
ألفاظه ، وكانت تحصل لذلك بعض المشادات ، ولم نر أحدا
منهم يفض النـزاع بدعوى أن هذا الاختلاف والتباين
بيننا في القراءة سببه نزول القرآن على الأحرف السبعة
!
ولا يخفى اعتبار هذا الوجه كسبب مقبول لتغاير قراءات
السلف يُقطع به دابر الشحناء والتباغض ، ولذا لا يعقل
إهمالهم لذكر سبب الاختلاف -الأحرف السبعة- مع أهميته
البالغة ، فهذا الإهمال منهم يدل على أن هذا المعنى
المستفاد من روايات الأحرف السبعة قد تولد في عصر
متأخر عن عصر الصحابة .
* الروايات الدالة على افتعال معنى الأحرف السبعة بعد
زمن الصحابة :
1- اعتراض عمر على قراءة أبي بن
كعب :
" أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور و ابن أبى
شيبة و ابن المنذر و ابن الانبارى في المصاحف عن خرشة
بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه
{إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(الجمعة/9). فقال :
من أملى عليك هذا ؟ قلت : أبى بن كعب . قال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ اقرأها ( فامضوا إلى ذكر الله ) " ( 1
) .
هنا صرح عمر أن هذه الجملة ( فامضوا إلى ذكر الله )
قرآن منـزل ، فإن كان للأحرف السبعة وجود لما جاز لعمر
أن ينهى أبي بن كعب عن قراءة الآية بالصورة التي نقرأ بـها اليوم .
2 - تعريض سعد بن أبي وقاص بقراءة ابن المسيّب :
" وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور و أبو داود في
ناسخه و ابنه في المصاحف و النسائي وابن جرير وابن
المنذر و ابن أبى حاتم و الحاكم وصححه عن سعد بن أبى
وقاص أنه قرأ ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) فقيل له :
إن سعيد بن المسيب يقرأ {نُنسِهَا}(البقرة/106). فقال
سعد : إن القرآن لم ينـزل على المسيب ولا آل المسيب
قال الله : {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى}(الأعلى/6).
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}(الكهف/24) " ( 2 )
.
فلو كان لهؤلاء عهد بمعنى الأحرف السبعة لما كان من
الجائز أن ينهى سعد عما رخّص به الله ورسوله صلى الله
عليه وآله وسلم .
3 - امتراء نفر من التابعين في القراءة :
" أخرج سعيد بن منصور والطبراني عن الأخنس قال :
امترينا في قراءة هذا الحرف ( ويعلم ما يفعلون ) أو (
تفعلون ) فأتينا ابن مسعود فقال ( تفعلون )" ( 3 ) .
ولو كان للأحرف السبعة مكان بينهم لكان من اللازم أن
يقول ابن مسعود أن كل تلك الوجوه شافية كافية ما لم
تختموا آية رحمة بعذاب أو العكس !
4- اعتراض عبد الله بن الزبير على قراءة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم :
" وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر : ما
بال صبيان يقرءون {نَخِرَةً}(النازعات/11). إنما هي (
ناخرة ) " ( 4 ) .
| |
( 1 ) الدر المنثور ج6 ص219 .
( 2 ) ن.م ج1ص104 ط دار المعرفة بالأوفست . |
( 3 ) ن.م ج6ص8.
( 4 ) ن.م ج6ص312 . |
|
|
ولو كان ابن الزبير يعرف شيئا عن الأحرف السبعة لما
رفض قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل لـجوز
كلا القراءتين .
5- اعتراض ابن الزبير الآخر على قراءة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم :
" وأخرج ابن أبى حاتم عن عروة بن الزبير أنه كان يعجب
من الذين يقرؤون هذه الآية{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي
آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ
الْجَحِيمِ}(الحج/51). قال : ليس {مُعَاجِزِينَ} من
كلام العرب إنما هي (معجزين) يعنى مثبطين " ( 1 ) .
فإن كان للأحرف السبعة وجود لما نـهى ابن الزبير عن
القراءة المتواترة التي نقرأ بـها اليوم ، فما بالك
وهو يُلحّن ويخطئ قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ؟!
6- إنكار ابن سيرين على قراءة الحسن البصري :
" وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سئل : كيف
تقرأ هذه الآية {فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ}(سبأ/23).
أو ( فرغ عن قلوبـهم ) قال : {فُزِّعَ عَنْ
قُلُوبِهِمْ}(سبأ/23). قال : فان الحسن يقول برأيه
أشياء أهاب أن أقولها " ( 2 ) .
ولا مجال للاعتراض على قراءة الحسن البصري إن كان
للأحرف السبعة وجود .
وأما لو تغاضينا عن الأدلة المتوافر في تحديد معنى
الأحرف السبعة وسايرنا بعض نفر من علمائهم بأن معنى
الأحرف السبعة هي الوجوه المحتملة للفظ باختلاف
القراءات ( 3 ) فإن هذا الوجه لا ينسجم وفعل الصحابة ،
وذلك لعدم وجود أحد منهم برر موقفه وقراءته بدخولها
ضمن الأحرف السبعة التي نزل
| |
( 1 ) ن.م ج4ص366 .
( 2 ) ن.م ج5 ص237
( 4 ) هذا المعنى للأحرف وإن كان مخالفا لروايات
الصحيحين وغيرهما فقد ذهب له ابن قتيبة والرازي وبعض
من المتأخرين ، قال ابن قتيبة : ( إن المراد بالأحرف
السبعة ، الأوجه التي يقع بـها التغاير :
( فأولها )
ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته ، مثل "ولا
يُضارَّ كاتِبٌ " بفتح الراء وضمها.
( وثانيها ) ما
يتغيّر بالفعل مثل " بَعَّدَ و باعِدْ " بلفظ الطلب
والماضي .
( وثالثها ) ما يتغير باللفظ مثل "
نُنْشِرها و نُنْشِزُها " بالراء المهملة والزاي
المعجمة .
( ورابعها ) ما يتغيّر بإبدال حرفٍ قريب
المخرج مثل " طلحٍ منضود و طلعٍ منضود ".
( وخامسها )
ما يتغيّر بالتقديم والتأخير مثل " جاءت سكرة الموت
بالحق ، وجاءت سكرة الحق بالموت " .
( وسادسها ) ما
يتغير بالزيادة والنقصان مثل "و ما خلق الذكر والأنثى"
بنقص لفظ " ما خلق " .
( وسابعها ) ما يتغير بإبدال
كلمة بأخرى مثل " كالعهن المنفوش ، وكالصوف المنفوش ). |
|
|
عليها
القرآن عندما انتقد في قراءته ، بل إن هذا الوجه
يتعارض مع فعلهم أيضا لأن بعض تلك القراءات رفضت وضرب
بـها عرض الجدار !
* بعض الروايات الدالة على ذلك :
1- " أخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء
والخطيب في تاريخه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن
أبيه قال : سمع عمر رجلا يقرأ هذا الحرف ( ليسجنـنه
عتّى حين ) فقال له عمر : من أقرأك هذا الحرف ؟ قال :
ابن مسعود ، فقال عمر :{لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى
حِينٍ}(يوسف/35). ، ثم كتب إلى ابن مسعود : سلام عليك
أما بعد فإن الله أنزل القرآن فجعله قرآنا عربيا مبينا
و أنزله بلغة هذا الحي من قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا
فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرؤهم بلغة هذيل " ( 1 ) .
وها قد اعترض عمر على قراءة ابن مسعود وهي على حرف
مختلف عن حرفه ، فلو كان لتلك الأحرف أصل شرعي لمـا
جاز لعمر الاعتراض على قراءة ابن أم عبد الغضّـة ، لأن
ابن مسعود كان سيرد عليه بجواز القراءة على سبعة أحرف
، فكيف يصح الاعتراض من عمر على ما جوّزه رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ؟! ( 2 ) .
2- " حدثنا أبو سلمة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا :
مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقول :{وَالسَّابِقُونَ
الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}(التوبة/100). إلى آخر الآية
فوقف عليه عمر فقال : انصرف فلما انصرف قال له عمر :
من
| |
( 1 ) الدر المنثور ج4 ص 18 ، كنـز العمال ج 2 ص 593
ح4813
( 2 ) والحق أن ابن مسعود كان يغير عمليا مفردات
الآيات ويجتهد فيها ، وقد نقل عنه ذلك في كثير من
الموارد التي سنذكرها إن شاء الله تعالى ، ولعله يتضح
بنقل هذه الرواية ونحيل البقية لمقامه ، ففي
الدر
المنثور ج6 ص32 ( وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري وابن المنذر عن عون بن عبد الله أن ابن مسعود
أقرأ رجلا {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ
الأَثِيمِ}(الدخان/43-44). فقال الرجل (طعام اليتيم)
فرددها عليه فلم يستقم بـها لسانه ، فقال : أتستطيع أن
تقول ( طعام الفاجر ) ؟ قال : نعم ، قال : فافعل ) ،
إلا أن الرواية معارضة في أغلب تفاصيلها بروايتين
أخريين ترويان نفس الحادثة نقلت أحدهما عن أبي الدرداء
، والأخرى عن أبي بن كعب ، ومن غير المعقول أن تتكرر
حتى في نفس قول الرجل : ( طعام اليتيم ) !
قال
السيوطي : ( وأخرج ابن مردويه عن أبى بن كعب انه كان
يقرئ رجلا فارسيا فكان إذا قرأ عليه إن {إِنَّ
شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ} قال : ( طعام
اليتيم ) فمر به النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال
قل له ( طعام الظالم ) فقالـها ففصحت بـها لسانه ) ،
وقال السيوطي : ( وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد
وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن همام بن
الحارث قال : كان أبو الدرداء يقرئ رجلا {إِنَّ
شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ} فجعل الرجل
يقول : (طعام اليتيم) فلما رأى أبو الدرداء أنه لا
يفهم قال : ( إن شجرة الزقوم طعام الفاجر ) ) اه . فلا
يمكن الاعتماد عليها ، نعم القراءات التي وردت عن ابن
مسعود صريحة في تساهله في تغيير ألفاظ الآيات ، وسيأتي
الكلام عنها . |
|
|
أقرأك هذه
الآية ؟ قال : أقرأنيها أبي بن كعب . فقال : انطلقوا
بنا إليه فانطلقوا إليه فإذا هو متكئ على وسادة يرجل
رأسه فسلم عليه فرد السلام فقال : يا أبا المنذر . قال
: لبيك . قال : أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية ؟ قال
صدق ، تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . قال
عمر : أنت تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟!
قال : نعم أنا تلقيّتها من رسول الله صلى الله عليه
وآله . ثلاث مرات كل ذلك يقوله ، وفي الثالثة وهو
غضبان : نعم والله ، لقد أنزلها الله على جبريل
وأنزلها جبريل على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا
أبنه !! فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول : الله أكبر
الله أكبر !! " ( 1 ) .
ومع كل هذا اللجاج المستمر بين أبي بن كعب وعمر ، لا
تجد أحدا منهما يحتج بأحرف سبعة أو ما شاكل ! فلم لم
يدّع ابن الخطاب أو الصحابي الجليل أبي بن كعب أن
الاختلاف كان نتيجة نزول القرآن على سبعة أحرف وينتهي
هذا الجدال ؟!
وليس هذا هو المورد الوحيد الذي حاول عمر التلاعب
بالآيات فتصدى له أبي بن كعب ، وكانت صرامة أبي بن كعب
رضي الله تعالى عنه حجر عثرة في طريق ابن الخطاب ،
وهذا مورد آخر :
" عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ (
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين
اتبعوهم بإحسان ) فرفع الأنصار ، ولم يلحق الواو في
الذين ، فقال له زيد بن ثابت {وَالَّذِينَ
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}(التوبة/100). فقال عمر : (
الذين اتبعوهم بإحسان ) . فقال زيد : أمير المؤمنين
أعلم . فقال عمر : ائتوني بأبي بن كعب . فسأله عن ذلك
فقال أبي {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}،
فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه ! فقال
أبي : والله أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلم وأنت تتبع الخبط . فقال عمر : فنعم إذن ، فنعم ،
نتابع أبيا " ( 2 ) .
وكذا روى ابن شبة : " عن فهر ابن أسد قال : حدثنا ثابت
أبو زيد عن عاصم الأحول عن أبي مجلز : أن أبيا قرأ
{مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ
الأَوْلَيَانِ}(المائدة/107). فقال عمر : كذبت (!) ،
فقال أبي : بل أنت أكذب ، فقال له رجل : أتكذب أمير
المؤمنين !؟ فقال : إنا أشد تعظيما لأمير المؤمنين
منكم ، ولكني أكذبه في تصديق الله ولا أصدقه في تكذيب
كتاب الله فقال عمر : صدق " ( 3 ) .
وفي هذه الرواية يقر عمر على نفسه بكذبه على القرآن
ولولا صرامة أبي بن كعب لانطلت هذه الكذبة !
بـهذه الأمثلة يتضح أن لو كان للأحرف السبعة وجود وأثر
عملي في عصر السلف لما كان هناك مجال للاختلاف في هذه
الموارد التي تتحمّلها مطاطية مفهوم الأحرف السبعة من
جواز القراءة بالمعنى .
لمتابعة أدلة
بطلان مقولة الأحرف السبعة اضغط على الصفحة التالية
أدناه
| |
( 1 ) المستدرك ج3 ص 305 ، الدر المنثور ج3 ص269 ،
وهناك موارد أخرى كثيرا ما يتعاند أبي مع عمر فيها .
( 2 ) في منتخب كنز العمال ج2ص55 .
( 3 ) تاريخ المدينة ج2ص709 . |
|
|
|