إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 155

3- معارضة لسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم


الأمر الأول : إن بعض الأقوال والأفعال التي صدرت منه صلى الله عليه وآله وسلم تقضي ببطلان هذا الأصل وتنفي وجوده في الشريعة الإسلامية .
وعليه نستطيع الجزم ببطلان هذا المعنى للأحرف السبعة وفساد الروايات التي تحكي مضمونه ، فقد ذكرت كتب التفاسير ( 1 ) أن سبب نزول الآية المباركة {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ }(الأنعام/93) هو التنديد بكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آنذاك عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ابن خالة عثمان وأخيه من الرضاعة حينما خان الله ورسوله في كتابة الوحي ، حيث كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يملي عليه ( عزيز حكيم ) فيقول سعد : ( أو عليم حكيم ؟ ). فيصوّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلام ابن سعد ويقرّه على أن هذه كلها صفات الله عز وجل ، ولكن يجب إبقاؤها كما أنزلها الله عز وجل وأن يلتزم بكتابة ما يسمعه فقط ، فكونـها من صفات الله عز وجل لا يعني جواز تغيير ألفاظ القرآن على مزاجك ! ، ولكنه لم يعبأ بما قيل له وأخذ يغير القرآن ويكتبه محرّفا ، ففي روضة الكافي عن أبي بصير رضوان الله تعالى عليه عن أحدهما عليهما السلام قال :

" سألته عن قول الله عز وجل : {وَمَنْ أَظْلَمُ ممَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} . قال : نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر وهو من كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة هدر دمه وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله فإذا أنزل الله عز وجل ( إن الله عزيز حكيم ) كتب ( إن الله عليم حكيم ) فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله : دعها ! فإن الله عليم حكيم ! ( 2 ) وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين : إني لأقول من نفسي مثل ما يجئ به فما يغير علي فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل " ( 3 ) .

وفي الدر المنثور :" وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى قال كان ابن أبى سرح يكتب للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم الوحي أتى أهل مكة فقالوا يا ابن أبي سرح : كيف كتبت لابن أبي

  ( 1 ) الانساب للبلاذري ج5 ص49 ، تفسير القرطبي ج7 ص40 ، تفسير البيضاوي ج1 ص391 ، كشاف الزمخشري ج1 ص 461 ، تفسير الرازي ج4 ص 96 ، تفسير الخازن ج2 ص 37 ، تفسير النسفي هامش الخازن ج2 ص 37 ، تفسير الشوكاني ج2 ص133 ، 135 نقلا عن ابن أبي حاتم ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن جريج ، وابن جرير ، وأبي الشيخ . وكله منقول عن الغدير للعلامة الأميني رضوان الله تعالى عليه ج8 ص281 .
( 2 ) أي اتركها كما نزلت ولا تغيرها ، فان ما كتبت وإن كان حقا ولكن لا يجوز تبديل ما أنزله الله .
( 3 ) الكافي ج8 ص201 بتعليق علي أكبر غفاري ، وفي تفسير العياشي ج1ص399ح59 ، هنا ابن أبي سرح كذب في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقره على تلك الزيادة ، وإلا لما نفاه وأهدر دمه .
 
 

- ص 156 -

كبشة القرآن ؟ قال : كنت أكتب كيف شئت ، فانزل الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } " ( 1 ) .

ورووا تلك الحادثة عن رجل آخر اسمه أبو برزة الأسلمي ( 2 ) :" قال لقريش : أنا أعلم لكم علم محمد فأتى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : يا رسول الله إني أحب أن تستكتبني قال : فاكتب . فكان إذا أملى عليه من القرآن ) وكان الله عليما حكيما ( ، كتب ( وكان الله حكيما عليما ) و إذا أملى عليه ( وكان الله غفورا رحيما ) ، كتب ( وكان الله رحيما غفورا ) . ثم يقول : يا رسول الله اقرأ عليك ما كُتب ! فيقول : نعم ، فإذا قرأ عليه ( وكان الله عليما حكيما ) أو ( رحيما غفور ) قال له النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما هكذا أمليت عليك ! وان الله لكذلك ! إنه لغفور رحيم و إنه لرحيم غفور !! فرجع إلى قريش فقال ليس آمره بشيء كنت آخذ به فينصرف " ( 3 ) .

وفي تاريخ اليعقوبي : " عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري ، وكان يكتب لرسول الله فصار إلى مكة فقال : أنا أقول كما يقول محمد ، والله ما محمد نبي وقد كان يقول لي : اكتب (عزيز حكيم)، فأكتب ( لطيف خيبر ) ، ولو كان نبيا لعلم " ( 4 ) .

وبعد أن ظهرت منه الخيانة طرده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلحق عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالمشركين ، وكان يقول لهم : إني كنت أصرف محمداً حيث أريد . فأنزل الله فيه الآية ،

  ( 1 ) الدر المنثور ج3 ص 30 .
( 2 ) احتمل قويا افتراء هذه على أبي برزة الأسلمي رضوان الله تعالى عليه ، وذلك لأن أبا برزة من شيعة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذين شاركوا معه في صفين والنهروان ، قال ابن حجر في الإصابة ج6ص433ت8722 : ( نضلة بن عبيد الأسلمي أبو برزة مشهور بكنيته . وقال ابن سعد كان من ساكني المدينة ثم نزل البصرة وغزا خراسان ، وقال غيره شهد مع علي –عليه السلام- قتل الخوراج بالنهروان ، وغزا خراسان بعد ذلك ويقال إنه شهد صفين والنهروان مع علي روى ذلك من طريق ثعلبة بن أبي برزة عن أبيه )

قال ابن الأثير في أسد الغابة ج5ص 19 : ( نضلة بن عبيد . وروى عنه انه قال أنا قتلت ابن خطل يوم الفتح وهو متعلق بأستار الكعبة وروى ثعلبة بن أبى برزة أن أباه شهد صفين والنهروان مع علي . وكان أبو برزة عند يزيد بن معاوية لما أتى برأس الحسين بن علي فرآه أبو برزة وهو ينكث ثغر الحسين بقضيب في يده فقال لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا ربما رأيت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يرشفه أما انك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا ومحمد شفيعه ثم قام فولى ) .

وليس بعزيز على بني أمية أن يزيحوا تلك المخزاة عن ابن أبي سرح أخي الخليفة لأمه ويلصقوها بواحد من شيعة الإمام علي عليه السلام ، وهو الذي اعترض على فعل لعين السماوات الأرض يزيد بن معاوية .
( 3 ) الدر المنثور ج6ص352 .
( 4 ) تاريخ اليعقوبي ج1ص59-60 .

 
 

- ص 157 -

وأهدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمه ، فشفع له عثمان خلافا لرغبة الله ورسوله ! ( 1 ) .

وقال البلاذري في فتوح البلدان عن الواقدي : " وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، ثم ارتد ورجع إلى مكة وقال لقريش : أنا آتى بمثل ما يأتي به محمد . وكان يملي عليه (الظالمين) فيكتب (الكافرين) . يملي عليه (سميع عليم) ، فيكتب (غفور رحيم) . وأشباه ذلك . فأنزل الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ }(الأنعام/93). فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بقتله ، فكلمه فيه عثمان بن عفان وقال : أخي من الرضاع وقد أسلم . فأمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بتركه ، وولاه عثمان مصر " ( 2 ) .

وذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين : " فأما عبد الله بن سعد ابن أبي سرح فإن الأخبار الصحيحة ناطقة بأنه كان كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وآله فظهرت خياناته في الكتابة فعزله رسول الله صلى الله عليه وآله فارتد عن الإسلام ولحق بأهل مكة " ( 3 ) .

قد يقال إن فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع ابن أبي سرح لا يدل على عدم جواز القراءة بالمعنى إذ الكتابة غير القراءة وما فعله ابن أبي سرح هو الكتابة لا القراءة ، ويرد عليه أن هذا الادعاء مدفوع بفعل الصحابة أنفسهم وذلك لورود عشرات الروايات التي تنص على أن الصحابة

  ( 1 ) أخرج في سنن أبي داود ج3ص59 ح2683 بسنده عن سعد : ( قال لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وسماهم وابن أبي سرح فذكر الحديث قال وأما بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ، ثم أقبل على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله . فقالوا : ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك ، قال : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ) وعلق عليه أبو داود : قال أبو داود كان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه وضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر .

وفي السير الكبير للشيباني ج2 ص 169 : ( وأيد هذا ما روي أن عثمان )رض( جاء بعبد الله بن سعيد بن أبى سرح يوم فتح مكة إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : بايع عبد الله ، فأعرض عنه . حتى جاء إلى كل جانب هكذا ، فقال : بايعناه فلينصرف . فلما انصرف قال لأصحابه : أما كان فيكم من يقوم إليه فيضرب عنقه قبل أن أبايعه ؟ فقالوا : أهلا أو مأت إلينا بعينك يا رسول الله . فقال : ما كان لنبى أن تكون له خائنة الاعين . وأحد لا يظن أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يرضى بكفره ، ولكن علم أنه كان يظهر في ذلك تقية . فلهذا أعرض عنه وقال ما قال ) ، مع العلم أن هذا الفاجر أمّره معاوية على المؤمنين في خلافته فحرق الأخضر قبل اليابس ! وكذلك فعل عثمان بابن خالته من قبل .

( 2 ) فتوح البلدان ص662 ط دار النشر للجامعيين ، أقول : والي المسلمين نزلت فيه هذه الآية {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}(الأنعام/93) ، هكذا السلف الصالح وإلا فلا !
( 3 ) المستدرك على الصحيحين ج3 ص100.

 
 

- ص 158 -

كانوا يكتبون التغيير والتبديل في مصاحفهم الخاصة وهم وجوه الصحابة على ما سيأتي بيانه كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وعائشة وحفصة وأبي بن كعب وغيرهم ، فاختصاص الحرمة بالكتابة يناقضه فعل الصحابة ، ثم إن الأصل هو القراءة لا الكتابة لأن السماح بالتلاعب في القراءة هوسماح بالتلاعب في الكتابة بطبيعة الحال لما سيأتي من أن المصاحف لم تكن تتميز كلماتـها إلا بالقراءة وكانوا يكتبون المصاحف عن القراءة لأن القرآن نزل منجما لا ككتاب مسطور.

وعلى أي حال فهذه الحادثة تعد أدل دليل على إنكار الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لتبديل ألفاظ القرآن بغيرها ولو بمرادفاتـها نحو ( عليم حكيم ) بدلا عن ( عزيز حكيم ) وهو عين منطوق روايات الأحرف السبعة ، وعلى ذلك فسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كاشفة عن كذب هذه الرخصة المخزية للقرآن ولأهله ، وأنـها تعتبر خيانة لله ولرسوله ، نعوذ بالله من الخذلان .

وهناك نص يبين عدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم بتغيير ترتيب الآيات والانتقال من آية في سورة إلى آية في سورة أخرى ، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بطريقين أحدهما حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال : " مر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم على بلال وهو يقرأ من هذه السورة و من هذه السورة ، فقال : بأبي أنت يا رسول الله إني أردت أن أخالط الطيب بالطيب ، فقال صلى الله عليه (وآله) وسلم : اقرأ السـورة على نـحوها ! " ( 1 ) .

فكيف يظن به صلى الله عليه وآله وسلم يرضى بخلط القرآن بكلام البشر مع أنه لا يرضى بخلط كلام الله ببعضه البعض ؟!

الأمر الثاني : وردت في مصنّفات أهل السنة الروائية عدد من الروايات التي تحكي حدوث اختلاف بين الصحابة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قراءتـهم لآيات القرآن ، فأخبروه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فاحمر وجهه وتربّد وحذّرهم مغبّة الاختلاف في القرآن لئلا يكونوا كالذين من قبلهم أضاعوا كتب الله باختلافهم فيها فهلكوا وأهلكوا .

  ( 1 ) المصنف ج6ص150-151ح30250 ط دار الكتب العلمية ، الطريق الآخر ( حدثنا عبيد الله بن إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ) .  
 

- ص 159 -

وقد جاء هذا المعنى في عدّة مصادر منها مسند أحمد عن ابن مسعود قال : " تمارينا في سورة من القرآن فقلنا خمس وثلاثون آية ، ست وثلاثون آية قال : فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فوجدنا عليا رضي الله تعالى عنه يناجيه ، فقلنا : إنا اختلفنا في القراءة . فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . فقال علي رضي الله تعالى عنه : إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم " ( 1 ) .

وقد زاد الطبري في تفسيره : " فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم و قال : إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم بينهم . قال : ثم أسر إلى علي شيئا فقال لنا علي : إن رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما عُـلّمتم " ( 2 ) .

وهذه الحادثة دالة على غضبه وعدم رضاه صلى الله عليه وآله وسلم على من يتجاوز حدود ما علمه لهم ، حيث أوجب عليهم التزام قراءته بنص قوله ( اقرؤوا القرآن كما علمتم ) لأنه معلم القرآن ومتلقي الوحي ، ولم يؤثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم قراءة آيةٍ ما بأشكال متعددة متغايرة وإلا لأوصلته لنا رسله ، ولصار حديث الأندية عند المشركين والمنافقين قبل المؤمنين ، وهذا الأمر يناقض معنى الأحرف السبعة الذي يسمح للجميع بقراءة القرآن كيفما أراد بتبديل كلمات الآيات .

ناهيك عن أن الروايتين السابقتين سكتتا عن مقطع مهم جاء في رواية صحيحة السند وهي :

" حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن عن همام عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال : سمعت رجلا يقرأ {حم } الثلاثين يعنى الأحقاف ، فقرأ حرفا وقرأ رجلا آخر حرفا لم يقرأه صاحبه وقرأت أحرفا فلم يقرأها صاحبي ، فانطلقنا إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فأخبرناه ، فقال : لا تختلفوا فإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم . ثم قال : انظروا أقرأكم رجلا فخذوا بقراءته " ( 3 ) .

  ( 1 ) مسند أحمد ج1ص105ح832 .
( 2 ) تفسير الطبري ج1ص15 ،وعنه في كنـز العمال ج1ص167ح890.
( 3 ) مسند أحمد ج1ص401ح3803 ، علق عليه أحمد محمد شاكر ( إسناده صحيح ) ، والمعلق حضي بإشادة وشهادة عالية من الألباني في مقدمة صحيح الترغيب والترهيب ص18-19 : ( والحق – والحق أقول - إن القليل من علماء الحديث –فضلا عن غيرهم- من له عناية تامة بالتمييز الأول كالحافظ المنذري على تساهله المتقدم بيانه والحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه وتلميذه السخاوي في كتابه المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة وغيرهم ، وفي عصرنا هذا الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تحقيقه وتعليقه على مسند الإمام أحمد وغيره ، ومثله اليوم أقل القليل ).
 
 

- ص 160 -

وهذه الرواية تقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم بعدم الاختلاف وأن يقتدوا برجل أتقن قراءة القرآن وهذا الإقتداء يعني الاتحاد على قراءة واحدة ، وأن هلاك الأمة بالاختلاف والفرقة في قراءة القرآن ، فأين الأحرف السبعة من هذه الرواية ؟!

الأمر الثالث : دعاء الله عز وجل يصح بأي لغة وبأي شكل كان ، وإن ورد مأثورا كان الالتزام بألفاظه أتم وأكمل من تغييرها لمرادفاتـها لما لنظم الدعاء من أسرار لا نعلمها ، حتى ورد أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم علّم البراء بن عازب دعاءً كان فيه ( ونبيك الذي أرسلت ) ولكن البراء أبدل كلمة ( ونبيك ) إلى ( وبرسولك ) فأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يغير ألفاظ الدعاء وأن يتقيد بما علمه .

وهذا ما ذكره ابن حزم في الإحكام وسيأتي الكلام عنه ، فإن كان للدعاء هذه الخصوصية ويلزم أن نتقيد بنصه فكيف يصح التبديل والتغيير في القرآن المعجز في نظمه ومضمونه حتى يكون عرضة لتلاعب القراء ؟

لمتابعة أدلة بطلان مقولة الأحرف السبعة اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب