إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 149

* أقوال بعض علماء أهل السنة في المعنى المشهور للأحرف السبعة


وقد أنصف بعض أكابر علمائهم من السلف إلى الخلف الأدلة الواردة في كتبهم ، فأخذوا بما أملته عليهم الروايات من جواز القراءة بالمعنى ، فقد قال ابن جرير الطبري في تفسيره تعليقا على عبارة ( كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بآية عذاب كقولك : هلم وتعال ) :

" فقد أوضح النص هذا الخبر : أن اختلاف الأحرف السبعة ، إنما هو اختلاف في ألفاظ كقولك : ( هلم و تعال ) باتفاق المعاني ، لا باختلاف معانٍ موجبة اختلف أحكام وبمثل الذي في ذلك صحت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف ".

وأخذ بسرد الأدلة إلى أن قال : " بل الأحرف السبعة التي أنزل الله بـها القرآن هن لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني كقول القائل : ( هلم ، وأقبل ، وتعال ، وإليّ ، وقصدي ، ونحوي ، وقربي ) ونحو ذلك مما تختلف فيه الألفاظ بضروب المنطق وتتفق فيه المعاني وإن اختلفت بالبيان به الألسن كالذي روينا آنفا عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة ، أن ذلك بمنـزلة قولك ( هلم ، وتعال ، وأقبل ) وقوله ( ما ينظرون إلا زقية ) و ( إلا صيحة ) " ( 1 )  .

وقال الطحاوي : " فوسع عليهم في ذلك أن يتلوه بمعانيه وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بـها ألفاظ نبيهم إلى قراءة بـها عليهم فوسع لهم في ذلك بما ذكرنا ، والدليل على ما وصفنا من ذلك أن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام وهما قرشيان ألسنتهما لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نزل به القرآن قد كان اختلفا فيما قرآ به سورة الفرقان حتى قرأها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ( 2 ) .

  ( 1 ) جامع البيان ج1ص من40-48. ( 2 ) مشكل الآثار ج4ص186 ط حيدر آباد .  
 

- ص 150 -

وقال القرطبي : " الذي عليه أكثر أهل العلم كسفيان بن عُيَيْنه وعبد بن وهب والطبري والطحاوي وغيرهم : أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو ، أَقْبَل وتَعَال وهَلُمّ . قال الطحاوي : و أبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : أقرأ على حرف فقال ميكائيل : استزده ، فقال : أقرأ على حرفين . فقال ميكائيل : استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال : اقرأ فكلُّ شافٍ كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب ، أو آية عذاب بآية رحمة ، على نحو هلمَّ وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجِّل . وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ {لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا}(الحديد/13) : للذين آمنوا أمهلونا ، للذين آمنوا أخّرونا ، للذين آمنوا ارقبونا . وبـهذا الإسناد عن أبي أنه كان يقرأ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ}(البقرة/20). : مرّو فيه ، سعَوْا فيه . وفي البخاري ومسلم قال الزهري : أما هذه الأحرف في الأمر الواحد ليس يختلف في حلال ولا حرام " ( 1 ) .

وقال البيهقي :" وأما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة غفور رحيم بدل عليم حكيم ، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي فإذا قرأ ذلك في غير موضعه ما لم يختم به آية عذاب بآية رحمة أو رحمة بعذاب فكأنه قرأ آية من سورة وآية من سورة أخرى فلا يأثم بقراءتـها كذلك " ( 2 ) .

وقال السيوطي : " وإلى هذا ذهب سفيان بن عُيينة وابن جرير وابن وهب وخلائق ، ونسبه ابن عبد البـرّ لأكثر العلماء ، ويدُلّ له ما أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي بَكْرة : إن جبريل قال : يا محمد اقرأ القرآن على حرف . قال ميكائيل : استزده …. حتى بلغ سبعة أحرف ، قال : كل شافٍ كافٍ ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب ، نحو قولك : تعالَ وأقبل وهلمّ واذْهب وأسرع وعجِّل ، وهذا اللفظ رواية أحمد ، وإسناده جيد .

وأخرج أحمد والطبراني أيضا عن ابن مسعود نحوه ، وعند أبي داود عن أُبيّ : قلت سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً ، ما لم تخلط آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب ، وعند أحمد من حديث أبي هريرة : أنزل القرآن على سبعة أحرف عليماً حكيماً غفوراً رحيماً . وعنده أيضا من حديث عمر : إن القرآن كله صواب ما لم تجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة ، وأسانيدها جياد " ( 3 ) .

  ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن ج1ص42 ط إحياء التراث العربي .
( 2 ) السنن الكبرى ج2ص385ح3808 .
( 3 ) الإتقان ج1ص148–149 ط دار ابن كثير .
 
 

- ص 151 -

وقال في لغة القرآن الكريم : " وهذا القول منسوب لجمهور أهل الفقه والحديث منهم سفيان بن عيينة وابن وهب وابن جرير الطبري وقد دافع عنه كثيرا في مقدمة تفسيره ، وقدّمه القرطبي وأيّده ابن عبد البر ونسبه إلى أكثر أهل العلم ( 1 ) ، ورجّحه الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه المعجزة الكبرى ( 2 ) ، والشيخ محمد أبو شهبة في كتابه المدخل لدراسة القرآن ( 3 ) و غيرهم ، واستدل هؤلاء بما أخرجه ابن جرير فذكر الأدلة " ( 4 ) .

قال ابن حجر العسقلاني : " قال أبو شامة وقد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بـها القرآن هل هي مجموعة في المصحف بأيدي الناس اليوم –يقصد مصحف عثمان- أو ليس فيه إلا حرف واحد منها مال ابن الباقلاني إلى الأول وصرح الطبري وجماعة بالثاني وهو المعتمد .

وقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي الطاهر بن أبي السرح قال : سألت ابن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين هل هي الأحرف السبعة قال : لا ، وإنما الأحرف السبعة مثل هلم وتعال وأقبل ، أي ذلك قلت أجزأك . قال : وقال لي ابن وهب مثله " ( 5 ) ، وفي مبحث جمع القرآن سيأتي مزيد من كلمات علمائهم بإذنه تعالى .
* علة تشريع الأحرف السبعة

الأمة لا تطيق القرآن إلا على سبعة أحرف !
بعد الفراغ من بيان ماهية تلك الأحرف ، نقول : ما هي علة نزول القرآن على سبعة أحرف ؟ ، قال علماء أهل السنة طبقا لما أملت الروايات عليهم أن التسهيل والتيسير على الأمة هو سبب نزول القرآن على سبعة أحرف ، لأن القرآن نزل على أُناس هم أقرب إلى عصر الجاهلية ولا يوجد فيهم كثير من القراء ، ومن باب التخفيف عن هذه الأمة المرحومة وتـمييزها عن غيرها أنزل القرآن على سبعة

  ( 1) فتح الباري ج10ص403 ، البرهان للزركشي ج2ص220 .
( 2 ) المعجزة الكبرى ص39-42.
( 3 ) المدخل لدراسة القرآن ج1ص138-146 .
( 4 ) لغة القرآن الكريم ص95-96 .
( 5 ) فتح الباري ج9ص29-30 فضائل القرآن باب أنزل القرآن على سبعة أحرف .
 
 

- ص 152 -

أحرف حتى لا تضيق عليهم قراءة القرآن ، فلا يلـزمون بقراءة واحدة تعسر على بعضهم ، وهذه بعض النماذج من أقوالهم ذكرت في تاريخ القرآن :

" قال الشمس بن الجزري : فأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بـها والتهوين عليها شرفا لـها و توسعة ورحمة وخصوصية لفضلها وإجابة لقصد نبيه أفضل الخلق و حبيب الخلق حيث أتاه جبريل فقال " إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف فقال صلى الله عليه (وآله) وسلم : سل الله معافاته ومعونته إن أمتي لا تطيق ذلك ، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف ".

" والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بعث إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم، وكان العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتـهم مخـتلفة وألسنتهم شتّى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغة إلى غيرها ومن حرف إلى آخر بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لاسيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابا كما أشار إليه صلى الله عليه (وآله) وسلم فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع وما عسى أن يتكلف المتكلف وتأبى الطباع . وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن قتيبة في كتاب الـمشكل : فكان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم بأن يقرئ كل أمته بلغتهم وما جرت به عادتـهم " ( 1 ) .

وهذا أيضا رأي المشهور بين علمائهم من أن الأمة لا تطيق قراءة القرآن على حرف واحد وأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله عز وجل التخفيف عن هذه الأمة فخفف عنها بإنزال القرآن على سبعة أحرف وكلها شاف كاف . وسيأتي تتمة كلام هذا المقام في جمع القرآن بإذن المولى سبحانه .


* الأحرف السبعة في الميزان ‍

اتضح بلا ريب ما لقبول أو رفض أصل الأحرف السبعة من انعكاس بالغ الأهمية في صيانة ألفاظ القرآن من أيدي المتلاعبين والمحرفين للكلم من بعد مواضعه ، فالمستفاد من الروايات -وهو ما

  ( 1 ) تاريخ القرآن للكردي الخطاط ص204-205 .  
 

- ص 153 -

ذهب إليه أساطين علمائهم من سلفهم إلى يومنا- هو إمكانية تبديل وتغيير ألفاظ القرآن بغيرها لأن الرخصة في ذلك جاءت من الله عز وجل الذي {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}(الأنبياء/23).

فإن ثبتت الرخصة فلا يبقى مجال لأحد أن يمنع أو يدّعي عدم جواز ذلك .

أما إذا لم تثبت تلك الرخصة أو ثبت العكس ! فلعمر الحق ، للأحرف السبعة طامة من الطامات وزلزلة عظيمة لركن من أركان الإسلام ، ودعوة صريحة لجواز تبديل آيات القرآن وتبديلها على ما يحلو للقارئ ويراه ثم يقول هو من عند الله افتراءً عليه {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(هود/18).

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب