إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 112

الشريـف المرتـضـى : " إن العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار ، والوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، وأشعار العرب المسطورة ، فإن العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه في ما ذكرناه ، لأنّ القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينيّة ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟! ".

" إن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورةً ككتابي سيبويه والمزني ، فإن أهل العناية بـهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جلمتها ، حتى لو أنّ مُدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعُرف ومُـيّز ، وعلم أنه ملحق و ليس في أصل الكتاب ، وكذلك القول في كتاب المزني ، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء ".

" المحكي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له وأنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه وآله و يتلى عليه … وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منثور ولا مبثوث " .

" وذكر أنّ من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا تعتدّ بخلافهم ، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث ، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا بصحّتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته " ( 1 ) .

الشـيخ الطـوسـي : " و أما الكلام في زيادته و نقصانه فمما لا يليق به أيضا ، ولأن الزيادة فيه مجمع على بطلانـها ، والنقصان منه ، فالظاهر من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق الصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره السيد المرتضى (قده) وهو الظاهر في الروايات ، غير أنه رويت

  ( 1 ) مجمع البيان ج1ص15.  
 

- ص 113 -

روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بـها ، لأنه يمكن تأويلها ، ولو صحّت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين ، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه " ( 1 ) .

الشيخ الطـبـرسـي :" فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟ " .

" ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه ، فإنه لا يليق بالتفسير ، فأما الزيادة فمجمع على بطلانـها ، و أمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة : أن في القرآن تغييراً و نقصاناً … والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه ، وهو الذي نصره المرتضى – قدّس الله روحه – و استوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات " ( 2 ) .

السيد ابن طاووس في رده على أبي علي الجبائي : " فمن يا ترى ادّعى اختلاف القرآن وتغيّره ؟ أنتم وسلفكم لا الرافضة على حدّ تعبيركم ! ، ومن المعلوم من مذهبنا أنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد ، كما صرّح بذلك إمامنا جعفر بن محمد الصادق عليه السلام " ( 3 ) .

  ( 1 ) التبيان في تفسير القرآن ج1ص3.
( 2 ) مجمع البيان ج1ص15.
( 3 ) سعد السعود ص144

أقول : ما قاله السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه في رده على الجبائي استغله أحد الوهابية (عثمان.خ) فاتـهمه باعتقاد تحريف القرآن في شريطه ( الشيعة والقرآن ) مقتصرا على نقل هذا المقطع فقط : ( كلّما ذكرته من طعن وقدح على من يذكر أن القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجه إلى سيّدك عثمان لأن المسلمين أطبقوا على أنه جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرّف وأحرق ما عداه من المصاحف ، فلولا اعتراف عثمان بأنه وقع تبديل وتغيير من الصحابة ما كان هناك مصحف يحرق وكانت تكون متساوية ) بدون نقل باقي العبارة وشطرها الأخير الذي فيه نفي التحريف عن الشيعة أو الرافضة على حد تعبيرهم ، ثم من قال إن هذا القول الذي اقتصر عليه الوهابي الجاهل يدل على أنه يقول بتحريف القرآن ؟! ، فكلام السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه كان في مقام إلزام الخصم بما عنده !! ، وقد قال الوهابي الكذاب مسبقا ( وهذا ابن طاووس – رضوان الله تعالى عليه- في القرن السابع قال : إن برأي الإمامية هو عدم التحريف . وهذا في كتاب القرآن ودعاوى التحريف ص101 ، وهذا الله أعلم بنقله ، لأن المشهور عن ابن طاووس أنه يقول بالتحريف كما سيأتي ) ، فأين هذا المشهور الذي ادعاه الوهابي ؟! لماذا لم تأت الإشارة إليه كما زعم الكاذب عند كلامه عن السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه ؟! ،قال تعالى {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}(يونس/69).

 
 

- ص 114 -

العـلاّمة الـحلّي : في جوابه على سؤال هذا نصه: " ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز هل يصح عند أصحابنا أنه نقص منه شيء أو زيد فيه أو غيّر ترتيبه أم لم يصح عندهم شيء من ذلك ؟ أفدنا أفادك الله من فضله ، وعاملك بما هو أهله ".
فأجاب رضوان الله تعالى عليه : " الـحق أنه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه ، وأنه لم يزد ولم ينقص ، ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك ، فإنه يوجب التطرق إلى معجزة الرسول عليه وآله السلام المنقولة بالتواتر " ( 1 ) .

السيد نـور الله التسـتري : " ما نسب إلى الشيعة الإمامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس مـمّا قال به جمهور الإمامية ، وإنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بـهم فيما بينهم " ( 2 ) .

الشـيخ البهـائي : " الصحيح أن القرآن العظيم محفوظ عن ذلك ، زيادة كان أو نقصاً ، ويدل عليه قوله تعالى {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ( في علي ) }(المائدة/67) وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء " ( 3 ) .

الشيخ جعفر الكبير : " لا زيادة فيه من سورة ولا آية من بسملة وغيرها ، لا كلمة ولا حرف . وجميع ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب بل من الدين ( 4 ) ، وإجماع المسلمين وأخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام وإن خالف بعض من لا يعتد به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن " ( 5 )

" ولا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في كل زمان ولا عبرة بالنادر و ما ورد من أخبار النقص تمنع البديهة من العمل

  ( 1 ) أجوبة المسائل المهناوية ص121 .
( 2 ) مصائب النواصب ، في مبحث الإمامة .
( 3 ) آلاء الرحمن ص 26 .
( 4 ) سلامة المصحف من الزيادة من ضروريات الدين ولا مرية في ذلك ، ولكن ليس من ضرورياته وجوب شموله لكل ما أنزله الله عز وجل من القرآن ، وإن كان وجوبه هو الحق الذي لا نشك فيه ، وقد أوضحناه سابقا ، وهذا التفصيل مفاد جواب لاستفتاء وجهناه إلى مكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني حفظه الله تعالى .
( 5 ) لعله قصد طائفة من الخوارج الذين أنكروا قرآنية سورة يوسف عليه السلام بدعوى أنـها قصة عشق !!
 
 

- ص 115 -

بظاهرها ، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن أو أكثر منه ، فإنه لو كان كذلك لتواتر نقله ، لتوفّر الدواعي عليه ، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام و أهله ، ثم كيف يكون ذلك و كانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته و حروفه ؟ -ثم قال – فلا بد من تأويلها بأحد الوجوه " ( 1 ) .

العلامة الفاضل التونـي : " والمشهور أنّه محفوظ ومضبوط كما أنزل ، لم يتبدّل ولم يتغيّر ، حفظه الحكيم الخبير ، قال تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9)" ( 2 ) .

المحدث الفـيـض الكـاشـانـي : وقع المحدث رضوان الله تعالى عليه موضع لغط وتهريج تلك الشرذمة الذين افتروا الكذب عليه كما افتروا على غيره بأنه يرى تحريف القرآن فأحببنا أن نبين حقيقة الأمر بما يلي :
قال في الصافي في تفسير القرآن :" المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم " ( 3 ) .

وجد الوهابيون بـهذه الكلمة ضالتهم المنشودة مع أنه عليه الرحمة قال إن هذا هو المستفاد لا أن هذا هو رأيه في القضية ، ويدل عليه ما قاله في كتابه الوافي عند تعرّضه لموضوع روايات التحريف :

" وقد استوفينا الكلام في هذا المعنى وفيما يتعلق بالقرآن في كتابنا الموسوم ب‍ ( علم اليقين ) فمن أراده فليرجع إليه " ( 4 ) ، وإن رجعنا لكتابه علم اليقين نجده يقول بعد ذكره لكلام القمي وروايتي الكليني عن ابن أبي نصر وسالم بن سلمة ما يلي :
" أقول : يرد على هذا كلّه إشكال وهو أنه على ذلك التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن ، إذا على هذا يحتمل كلّ آية منه أن تكون محرّفة ومغيّرة ، ويكون على خلاف ما أنزله الله ، فلم يبق في القرآن لنا حجّة أصلاً ، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به ، وأيضاً قال الله عز وجل {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}(فصلت/41). وأيضاً قال الله عز وجل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}(الحجر/9). وأيضا قد استفاض عن النبي و الأئمة حديث عرض الخبر المروي عنهم على كتاب الله ".

  ( 1 ) كشف الغطاء في الفقه ، كتاب القرآن ص 299 .
( 2 ) الوافية في الأصول ص148 .
( 3 ) الصافي في تفسير القرآن ج1ص44.
( 4 ) الوافي ج2ص478.
 
 

- ص 116 -

ثم قال : " و يخطر بالبال في دفع هذا الإشكال – والعلم عند الله – أن مرادهم بالتحريف والتغيير والحذف إنما هو من حيث المعنى دون اللفظ أي : حرّفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله ، أي : حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر ، فمعنى قولهم ، كذا أنزلت ، أنّ المراد به ذلك لا ما يفهم الناس من ظاهره ، وليس مرادهم أنـها نزلت كذلك في اللفظ ، فحذف ذلك إخفاءً للحق ، وإطفاءً لنور الله . ومما يدل على هذا ما رواه في الكافي بإسناده عن أبي جعفر أنه كتب في رسالته إلى سعد الخير : وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه و حرّفوا حدوده " ( 1 ) .

" قال الله عز وجل {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}(فصلت/41-42). وقال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ؟! وأيضا قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفاً فما فائدة العرض ، مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله ، مكذب له ، فيجب رده و الحكم بفساده " ( 2 ) .

وبـهذا يحترق زخرف الوهابية ويبِين كذبـهم في نقلهم المتواصل لكلام الفيض رحمه الله ، ويؤكد الفيض الكاشاني عليه الرحمة موقفه من التحريف في تفسيره الأصفى عند تفسير قوله تعالى {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فقال مفسرا : " من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان " ( 3 ) .

ولا يخفى أن تسمية تفسيره بالأصفى يشير إلى أنه أدق وأكثر خلوصا من الصافي الذي نقلوا منه كلمة دلت بجهلهم على التحريف ، وأحد الوهابية صرح بأن كلام الفيض واضح في أنه يرى تحريف القرآن لأن اسم تفسيره هو الصافي ! ، وجهل الوهابي أن كلامه في الصافي لا يدل على اعتقاده التحريف هذا أولا ، وثانيا ان الفيض رضوان الله تعالى عليه عنده الأصفى وذكر فيه صيانة القرآن من التحريف .

السيد بحر العلوم الطباطبائي : " الكتاب هو القرآن الكريم والفرقان العظيم والضياء والنور والمعجز الباقي على مرّ الدهور ، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من لدن حكيم حميد ، أنزله بلسان عربيّ مبين هدىً للمتقين وبياناً للعالمين " .

وثم ذكر تأويل الروايات التي تذكر أن القرآن ربعه أو ثلثه نزل في أهل البيت عليهم السلام ، وذكر تأويلها بما لا يتنافى مع حفظ القرآن من النقصان .

  ( 1 ) علم اليقين ج1ص562 وما بعدها .
( 2 ) الوافي ج1 ص 273، وقال مثله في المحجة البيضاء ج2ص264 ط الأعلمي .
( 3 ) الأصفى في تفسير القرآن ص 348 .
( 4 ) الفوائد في علم الأصول ، مبحث حجية الكتاب .
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب