إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 98

ما فَعل التنـزيل وما فُعل به !


في مبحث جمع القرآن سيتضح بإذنه تعالى أن الإمام علي عليه السلام كتب كل ما نزل من السماء قرآنا وتفسيرا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفترة قصيرة ، أي أنه كتب النص القرآني بسوره وآياته وتنـزيلها وتفسيرها الموحى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجاء به إلى القوم في المسجد حتى نظر فيه عمر فلم يرق له ذكر أسماء المشركين والمنافقين من رجال ونساء قريش وفضحهم وهم آنذاك وجوه الصحابة من الطلقاء وغيرهم ، لذا كان هذا التنـزيل أشد وطأ على النفوس من النص القرآني لأنه كان يبين مبهمه ويفصل مجمله بذكر أسماء المنافقين ونواياهم ، ويتضح هنا معنى ادعاه الصحابة - كما تنص صحاح روايات أهل السنة - أن كلا من سورة الأحزاب وسورة براءة كانت تعدل سورة البقرة في الطول ولكن سقط وضاع القسم الأكبر منهما ، ونذكر هنا بعض رواياتـهم ونحيل البعض الآخر إلى محله :

- ص 99 -

" أخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه قال : التي تسمّونـها سورة التوبة هي سورة العذاب والله ما تركت أحداً إلا نالت منه ولا تقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها " ( 1 ) .
وكذا الحال في سورة الأحزاب : " عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن " ( 2 ) .

وسيأتي ذكر قدر آخر من رواياتـهم الدالة على سقوط أكثر سورة الأحزاب ، وقد جاءت بنفس مضمون رواياتـهم رواية عند الشيعة في ثواب الأعمال للشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه :
" عن أبي عبد الله عليه السلام : سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم ، يا ابن سنان ! إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة لكن نقصوها وحرفوها " ( 3 ) .

وهذه الرواية على ما فيها من ضعف سند فصلت مجمل ما في روايات أهل السنة الصحيحة في نظرهم من أنـهم حذفوا حال جمع القرآن أسماء هؤلاء الرجال والنساء وصفاتـهم إلى غير ذلك مما كان في جملة المنـزل تفسيرا على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا كقرآن وإنما كتنـزيل مفسر مقترن بآيات القرآن ، وهو ما كان موجودا في مصحف الإمام علي عليه السلام فرفض مصحفه لأجل ذلك .

وكذا هو الحال بالنسبة لسورة البينة التي أوردناها فيما سبق من كتاب الكافي : " عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : دفع إلي أبو الحسن عليه السلام مصحفا وقال : لا تنظر فيه ، ففتحته وقرأت فيه : {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا }(البينة/1). فوجدت فيها اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال : فبعث إلي : ابعث إلي بالمصحف " ( 4 ) .

  ( 1 ) الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 208 ، المستدرك على الصحيحين ج3ص208 وعلق عليه ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) وبلفظ آخر في ج2ص330 علق عليه ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ، وعن المصنّف لابن أبي شيبة ج10ص509 ح10143 ، ومجمع الزوائد ج7 ص 28 ( سورة براءة ) علق عليه ( رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات ).
( 2 ) الإتقان في علوم القرآن ج2ص25.
( 3 ) ثواب الأعمال ص110.
( 4 ) الكافي ج2ص631.
 
 

- ص 100 -

وكذا الحال في مضمرة بصائر الدرجات : عن إبراهيم بن عمر عنه قال : " إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن وكانت فيه أسماء الرجال فألقيت وإنما الاسم الواحد في وجوه لا تحصى تعرف ذلك الوصاة " ( 1 ) .

ونشعر هنا أن السور التي يدعي سلفهم الصالح احتواء أصلها على أضعاف ما هو موجود وقد نقصت وحرفت وفقد منها ما فقد ، كانت في الغالب سورا ذات طابع خاص من الشدة والتنكيل بالمشركين والمنافقين من الصحابة ، نيلا من نواياهم وإخمادا لإرجافهم بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما تزوج زينب بنت جحش كما في سورة الأحزاب ، وفضحا لنفاقهم وتلكئهم عن الجهاد كما في سورة براءة ، ووعيدا بنار جهنم للمشركين والكفار كما في سورة البينة ، فتتفق كلمات الصحابة مع الروايات التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام من أن تلك الفضائح والأسماء كانت على نحو التنـزيل ، وأن هذا التنـزيل هو الذي حُرف وأُبعد عن ساحة المصحف المجموع ، وهذا ما قصدته روايات أهل البيت عليهم السلام ، فلو وردت رواية فيها أن القرآن قد حُرّف يكون المقصود من القرآن فيها ما يشمل النص القرآني المعجز مع الوحي الآخر الذي رادفه وهو التنـزيل ، فصار حذف التنـزيل والتفسير هو تحريفا للقرآن في الحقيقة ، وهو ما كان موجودا في المصحف الذي جمعه أمير المؤمنين عليه السلام .

  ( 1 ) بصائر الدرجات ج1ص195-196ح6.  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب