|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 84 |
|
كلمات أعلام الشيعة وأهل السنة في التنـزيل
أولا : كلمات أعلام الشيعة رضوان الله تعالى عليهم
أجمعين :
قال الشيخ المفيد رضوان الله تعالى عليه في أوائل
المقالات : " ولكنّ حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير
المؤمنين عليه السّلام من تأويله وتفسير معانيه على
حقيقة تنـزيله ، وذلك كان ثابتاً منـزلاً ، وإن لم يكن
من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز ، وقد
يسمّى تأويل القرآن قرآناً ، قال الله تعالى {وَلاَ
تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى
إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي
عِلْمًا}(طه/114). فسمّى تأويل القرآن قرآناً ، وهذا
ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف ، وعندي أنّ هذا
القول أشبه ". أي أشبه من القول بتحريف النص القرآني .
وقال : " وأما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة
والكلمتان والحرف الحرفان ، وما أشبه ذلك مما لا يبلغ
حد الإعجاز ، ويكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم
القرآن غير أنه لابد متى وقع ذلك من أن يدل الله عليه
ويوضح لعباده الحق فيه ولست أقطع على كون ذلك ، بل
أميل إلى عدمه وسلامة القرآن منه " ( 1 ) .
وقال الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه في
الاعتقادات : " بل نقول أنه قد نزل الوحي الذي ليس
بقرآن ، ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع
عشرة ألف آية ، وذلك قول جبرئيل عليه السلام للنبي صلى
الله عليه وآله وسلم : إنّ الله تعالى يقول لك : يا
محمد دارِ خلقي ، و مثل قوله : عش ما شئت فإنّك ميت ،
وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه ، و اعمل ما شئت فإنّك
ملاقيه ، وشرف المؤمن صلاته بالليل و عزّه كفّ الأذى
عن الناس " ، وقال : " إن القرآن الذي جاء به جبرائيل
عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبعة
عشر ألف آية" ( 2 ) .
قال : " ومثل هذا كثير ، وكلّه وحي وليس بقرآن . ولو
كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول
عنه ، كما كان أمير المؤمنين جمعه فلما جاء به قال :
هذا كتاب ربكم كما أُنزل على نبيّكم لم يزد فيه حرف و
لا ينقص منه حرف ، فقالوا : لا حاجة لنا فيه ، عندنا
مثل الذي عندك ، فانصرف وهو يقول {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ
ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}(آل عمران/187)" ( 3 ) .
وقال السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه في
الطرائف : " روى الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتاب
المناقب بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنى –وذكر
حديثا طويلا إلى أن قال- : ثم أنزل {فَاسْتَمْسِكْ
بِالَّذِي أُوحِيَ (في أمر علي) إِلَيْكَ إِنَّكَ
عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (وإن عليا لعلم للساعة)
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ
تُسْأَلُونَ (عن علي
| |
( 1 ) أوائل المقالات في المذاهب المختارات ص91.
( 2 ) أصول الكافي ج 2ص295 كتاب فضل القرآن في النوادر
، أقول : هذه الرواية كانت ومازالت محل لغط الوهابية
وهرجهم ، وقد أشرنا إليها فيما سبق ، حيث بينا أن بعضا
من الوهابية توسل بـها لإثبات أن مصحف فاطمة عليها
السلام هو قرآن الشيعة باعتبار أن مصحف فاطمة عليها
السلام ثلاثة أضعاف الموجود وكذا هو حال القرآن الذي
نزل من السماء عند الشيعة ، فاتضح هنا القول الحق في
المسألة وهو أن القرآن مع تنـزيله حجمه ثلاثة أضعاف
الموجود أي أن التنـزيل يزيده إلى الضعفين ، ولكن
الوهابية كما عودونا يقومون بنسج الأفكار في مخيلتهم
ثم يكرون عليها !
( 3 ) الاعتقادات ص93 . |
|
|
بن أبي
طالب)}(الزخرف/43-44). هذا آخر الحديث ، وكان اللفظ
المذكور المنـزل في ذلك على النبي صلى الله عليه وآله
وسلم بعضه قرآناً وبعضه تأويلاً " ( 1 ) .
وقال المولى صالح المازندراني رضوان الله تعالى عليه
في شرحه لأصول الكافي : " قوله -عليه السلام- ( كذا
أنزلت ) لا يدل هذا على أن ما ذكره عليه السلام قرآن
لأن ما أنزل إليه عليه السلام عند الوحي يجوز أن يكون
بعضه قرآنا وبعضه تأويلاً وتفسيراً " ( 2 ) .
وقال : " وقوله عليه السلام ( هكذا والله نزل به
جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يدل على
أن قوله ( بولاية علي ) من القرآن لما عرفت سابقاً " (
3 ) .
وقال في موضع آخر :" قوله –عليه السلام- ( قلت : هذا
تنـزيل ؟ قال : نعم ) لعل هذا إشارة إلى ما ذكره في
تفسير قوله تعالى {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
كُلِّهِ}(الصف/9) وقد عرفت مما نقلناه سابقا عن صاحب الطرايف أن المراد بالتنـزيل ما جاء به جبرئيل عليه
السلام لتبليغ الوحي وأنه أعم من أن يكون قرآنا وجزءا
منه وأن لا يكون فكل قرآن تنـزيل دون العكس فعلى هذا
قوله عليه السلام ( وأما غيره فتأويل ) يراد به ما
ذكره في الآيات السابقة والله أعلم " ( 4 ) .
وقال المحدث الفيض الكاشاني رضوان الله تعالى عليه عند
شرحه لرواية البزنطي ، قال : دفع إليّ أبو الحسن عليه
السلام مصحفاً و قال : " لا تنظر فيه ، ففتحته و قرأت
فيه {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}(البينة/1).
فوجدت فيه اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم و أسماء
آبائهم " قال : فبعث إليّ : " ابعث إلي بالمصحف ! " (
5 ) ، فقال رضوان الله تعالى عليه :
" لعلّ المراد أنه وجد تلك الأسماء مكتوبة في ذلك
المصحف تفسيراً للذين كفروا والمشركين مأخوذة من الوحي
، لا أنـها كانت من أجزاء القرآن ، وعليه يحمل ما في
الخبرين السابقين أيضا من استماع الحروف من القرآن على
خلاف ما يقرأه الناس يعني استماع حروفٍ تفسّر ألفاظ
| |
( 1 ) مرآة العقول ج5ص58 ط دار الكتب الإسلامية ، شرح
أصول الكافي للمازندراني رضوان الله تعالى عليه ج7ص80
ط إحياء التراث العربي .
( 2 ) شرح أصول الكافي للمازندراني رضوان الله تعالى
عليه ج7ص80 ط إحياء التراث العربي . |
|
|
( 3 ) ن.م ص82 . |
( 4 ) ن.م ص119. |
( 5 ) الكافي ج2ص631 . |
|
القرآن
وتبين المراد منها عُلِمَت بالوحي ( 1 ) ، كذلك كلّ ما
ورد من هذا القبيل عنهم عليهم السلام وقد مضى في كتاب
الحجة نبذ منه فإنه كلّه محمول على ما قلناه ، لأنه لو
كان تطرّق التحريف و التغيير في ألفاظ القرآن لم يبق
لنا اعتماد على شيء منه ، إذ على هذا يحتمل كل آية منه
أن تكون محرّفة ومغيّرة ، وتكون على خلاف ما أنـزله
الله ، فلا يكون القرآن حجّة لنا ، وتنتفي فائدته
وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به ، وعرض الأخبار
المتعارضة عليه ، ثم استشهد بكلام الشيخ الصدوق
المتقدم ، وببعض الأخبار " ( 2 ) .
وقال في المحجة البيضاء : " وأما مصحف أبي الحسن عليه
السلام المدفوع إلى ابن أبي نصر ونـهيه عليه السلام عن
النظر فيه ، ونـهي أبي عبد الله عليه السلام الرجل عن
القراءة على غير ما يقرؤه الناس فيحتمل أن يكون ذلك
تفسيرا منهم عليهم السلام للقرآن على طبق مراد الله عز
وجل ووفق ما أنزل الله جل جلاله ، لا أن تكون تلك
الزيادات بعينـها أجزاء لألفاظه المنـزلة " ( 3 ) .
| |
( 1 ) يقصد رضوان الله تعالى عليه بالخبرين ما جاء في
الكافي ج2 ص619 : ( عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ،
عن محمد بن سليمان ، عن بعض أصحابه ، عن أبي الحسن
عليه السلام قال : قلت له : جعلت فداك إنا نسمع الآيات
في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها
كما بلغنا عنكم ، فهل نأثم ؟ فقال : لا ، اقرؤوا كما
تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم ) ، وفيه ص633 : ( بسنده عن
محمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن
أبي هاشم ، عن سالم بن سلمة قال : قرأ رجل على أبي عبد
الله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على
ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : كف
عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم
فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عز وجل على
حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام وقال :
أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه
فقال لهم : هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله ـ الله ـ
على محمد صلى الله عليه وآله وقد جمعته من اللوحين
فقالوا : هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة
لنا فيه ، فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا
، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه ). ( 2 )
الوافي ج1 ص 273-274 ، أقول : ولا يخفى عليك أن
القول بقرآنية تلك الأسماء يوجب الخروج عن الفصاحة
والبلاغة ، فكون القرآن بـهذا الشكل {لَمْ يَكُنِ
الَّذِينَ كَفَرُوا فلان بن فلان وفلان بن فلان
وفلان بن فلان وفلان بن فلان } إلى سبعين اسما أمرا
بعيدا عن أسلوب القرآن كل البعد ، وهذا دليل آخر يضاف
للموارد السابقة الدالة على أن هذه الزيادات كانت من
باب التنـزيل شرحا للقرآن لا أنـها عين القرآن .
وقد ذكر
ذلك الوهابي صاحب أصول مذهب الشيعة حيث قال في ج1ص243
: ( وهذه الإضافات التي تزعم الشيعة نقصها من كتاب
الله –ابتدأ الكذب !- ألا يلاحظ القارئ العربي أن
السياق لا يتقبلها ، وأنـها مقحمة إقحاما بلا أدنى
مناسبة ولذلك يكاد النص يلفظها ، وأنها من وضع أعجمي
لا صلة له بلغة العرب ، ولا معرفة له بأساليب العربية
، ولا ذوق له في اختيار الألفاظ وإدراك المعاني ) .
أقول هذا الكلام صحيح ، فلأجل أنـها تفسير للقرآن صارت
على هذا الأسلوب ، ولكن الوهابي يريد إثبات أن الشيعة
تقول أنـها من القرآن ! شاءت الشيعة أم أبت ! ،
ولو
كان الوهابي منصفا لتعامل بنفس الميزان مع الآيات التي
ألصقها أهل السنة بالقرآن وهي في غاية الهبوط والضعف
البلاغي نحو آية عمر بن الخطاب التي أخرجها البخاري
ومسلم ( الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بـما قضيا من
اللذة ) أو ما أخرجه مسلم في صحيحه ( لو كان لابن آدم
واد من ذهب أحب أن له واديا آخر ولن يملأ فاه إلا
التراب والله يتوب على من تاب ) !!
( 3 ) المحجة البيضاء في تـهذيب الإحياء ج2ص264 ط الأعلمي. |
|
|
وقال العلامة المجلسي رضوان الله تعالى عليه في مرآة
العقول :" قوله –عليه السلام- ( أما هذا الحرف) أي
قوله ( بولاية علي ) في آخر الآية ، أو من قوله :
{ والله
} إلى قوله ( عليّ ) ، ربما يأوّل التنـزيل
بالتفسير حين التنـزيل كما مرّ مرارا " ( 1 ) .
وقال الشيخ المظفر رضوان الله تعالى عليه تعليقا على
رواية البزنطي السابقة : " ولعل المراد أنه وجد تلك
الأسماء مكتوبة في ذلك المصحف تفسيرا لقوله تعالى
{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}(البينة/1). مأخوذة
من الوحي لا أنـها كانت من أجزاء القرآن وعليه يحمل
الخبر السابق أيضا – الذي فيه ( اقرأ كما يقرأ الناس )
المذكور بالهامش – من استماع الحروف من القرآن على
خلاف ما يقرأه الناس يعني استماع حروف تفسر ألفاظ
القرآن وتبين المراد منها علمت بالوحي وكذلك كل ما ورد
من هذا القبيل عنهم عليهم السلام وقد مضى في كتاب
الحجة نبذ منه فإنه كله محمول على ما قلناه ، ثم سرد
أدلة بطلان التحريف" ( 2 ) .
وقال الميرزا أبو الحسن الشعراني رضوان الله تعالى
عليه في تعليقته على شرح أصول الكافي : " قوله –المازندراني-
( وهو على التقديرين تنـزيل لا تأويل ) كلام دقيق يليق
بالتأمل الصادق لدفع أوهام جماعة يزعمون أن كل ما ورد
في الأحاديث أن القرآن نزل هكذا على خلاف ما في المصحف
المعروف لا يدل على التنـزيل اللفظي بل يمكن أن يراد
تنـزيل المعنى وهو حسن جدا " ( 3 ) .
وقال السيد الخوئـي رضوان الله تعالى عليه : " أنّا قد
أوضحنا فيما تقدم أن بعض التنـزيل كان من قبيل التفسير
للقرآن وليس من القرآن نفسه ، فلا بد من حمل هذه
الروايات على أن ذكر أسماء الأئمة -عليهم السلام- في
التنـزيل من هذا القبيل ، وإذا لم يتم هذا الحمل فلا
بد من طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب ، والسنّة ،
والأدلة المتقدمة على نفي التحريف ، وقد دلّت الأخبار
المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنّة
وأن ما خالف الكتاب منها يجب طرحه ، وضربه على الجدار
" ( 4 ) .
| |
( 1 ) مرآة العقول ج5ص134 ط دار الكتب الإسلامية .
( 2 ) الشافي في شرح أصول الكافي ج7ص223-224 شرح ح3585
.
( 3 ) من تعليقة الشعراني على شرح أصول الكافي للمازندراني ج7ص65 ط إحياء التراث العربي .
( 4 ) البيان في تفسير القرآن 230و231 . |
|
|
ثم ذكر رضوان الله تعالى عليه سبب الخلط الذي وقع فيه
البعض واغتراره بلفظ التنـزيل حتى دمج القرآن مع غيره
وأدخل فيه ما ليس منه ، وملخص الكلام أن المقصود من (
التنـزيل ) في زمن صدور الرواية مختلف عما يقصد منه في
زماننا ، إذ اشتهر بين الناس اليوم أن معنى التنـزيل
هو القرآن على وجه الخصوص مع أن التنـزيل كان معناه
أوسع في زمن الصدور فيشمل التفسير النازل من السماء ،
قال رضوان الله تعالى عليه :
"وأن هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل
والتنـزيل ما اصطلح عليه المتأخرون من إطلاق لفظ
التنـزيل على ما نزل قرآناً ، و إطلاق لفظ التأويل على
بيان المراد من اللفظ ، حملاً له على خلاف ظاهره ، إلا
أن هذين الإطلاقين من الاصطلاحات المحدثة ، وليس لهما
في اللغة عين ولا أثر ليحمل عليهما هذان اللفظان (
التنـزيل والتأويل ) متى وردا في الروايات المأثورة عن
أهل البيت عليهم السلام ".
"وأما التنـزيل فهو أيضا مصدر مزيد فيه وأصله النـزول
وقد يستعمل ويراد به ما نزل ومن هذا القبيل إطلاقه على
القرآن في آيات كثيرة ".
" وعلى ما ذكرناه فليس كل ما نزل من الله وحياً يلزم
أن يكون من القرآن ، فالذي يستفاد من الروايات في هذا
المقام أن مصحف علي عليه السلام كان مشتملاً على
زيادات تنـزيلاً وتأويلاً . ولا دلالة في شيء من هذه
الروايات على أن تلك الزيادات هي من القرآن " ( 1 ) ،
فكان التغاير المفهومي سبب هذا الخلط .
وقال السيد الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه بعد أن
بين وجوه ضعف التمسك بروايات التحريف : " أما ما ذكرنا
أن منها ما هو قاصر في دلالتها فإن كثيرا مما وقع فيها
من الآيات المحكيّة من قبيل التفسير وذكر معنى الآيات
لا حكاية متن الآية المحرفة وذلك كما في روضة الكافي
عن أبي الحسن الأول –عليه السلام- في قول الله
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي
قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ( فقد سبقت عليهم
كلمة الشقاء وسبق لهم العذاب ) وَقُلْ لَهُمْ فِي
أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا}(النساء/63).
وما في
الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى {وَإِنْ
تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا}(النساء/135). قال : {وَإِنْ
تَلْوُوا ( الأمر ) أَوْ تُعْرِضُوا ( عما أمرتم به )
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
إلى غير ذلك من روايات التفسير المعدودة من أخبار
التحريف .
| |
( 1 ) البيان في تفسير القرآن ص223و224و225 . |
|
|
ويلحق بـهذا الباب ما لا يحصى من الروايات المشيرة إلى
سبب النـزول المعدودة من أخبار التحريف كالروايات التي
تذكر هذه الآية هكذا {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ( في علي ) }(المائدة/67).
والآية نازلة في حقه عليه السلام ، وما روي أن وفد بني
تميم كانوا إذا قدموا رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وقفوا على باب الحجرة ونادوا أن اخرج إلينا فذكرت
الآية فيها هكذا {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ
وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ( بنو تميم )
أَكْثَرُهُمْ لاَ
يَعْقِلُونَ}(الحجرات/4). فظن أن في الآية سقطا .
ويلحق بـهذا الباب أيضا ما لا يحصى من الأخبار الواردة
في جري القرآن وانطباقه كما ورد في قوله {وَسَيَعْلَمُ
الَّذِينَ ظَلَمُوا ( آل محمد حقهم ) }(الشعراء/227).
وما ورد من قوله {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (
في ولاية علي والأئمة من بعده ) فَقَدْ فَازَ فَوْزًا
عَظِيمًا}(الأحزاب/71). وهي كثيرة جدا " ( 1 ) . ثم
ذكر وجوه تعارض روايات التحريف ، وكلامه رضوان الله
تعالى عليه جدير بالمراجعة .
وقال المحقق الشيخ علي أكبر الغفاري في تعليقه على
أصول الكافي : " لعل المراد أنه وجد تلك الأسماء
مكتوبة في ذلك المصحف تفسيرا لقوله تعالى {لَمْ يَكُنِ
الَّذِينَ كَفَرُوا }(البينة/1). مأخوذة من الوحي لا
أنـها كانت من أجزاء القرآن ، وعليه يحمل ما في الخبر
السابق والآتي ( 2 ) أيضا من استماع الحروف من القرآن
على خلاف ما يقرأه الناس يعنى استماع حروف تفسر ألفاظ
القرآن وتبين المراد منها علمت بالوحي وكذلك كل ما ورد
من هذا القبيل عنهم عليهم السلام وقد مضى في كتاب
الحجة نبذ منه فانه كله محمول على ما قلناه ، وذلك
لأنه لو كان تطرق التحريف والتغيير في ألفاظ القرآن لم
يبق لنا اعتماد على شئ منه إذ على هذا يحتمل كل آية
منه أن تكون محرفة ومغيرة وتكون على خلاف ما أنزله
الله فلا يكون القرآن حجة لنا وتنتفي فائدته وفائدة
الأمر باتباعه والوصية به وعرض الأخبار المتعارضة عليه
إلى غير ذلك وأيضا قال الله عز وجل {لاَ يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ
تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت/42). فكيف تطرق
إليه التحريف والنقصان والتغيير وأيضا قال الله عز وجل
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ}(الحجر/9).
وقد استفاض عن النبي صلى الله
عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروى
عنهم عليهم السلام على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته
له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا
محرفا مغيرا فما فائدة العرض مع أن خبر التحريف مخالف
لكتاب الله مكذب له ؟! فيجب رده والحكم بفساده أو
تأويله وأحسن الوجوه في التأويل أن
| |
( 1 ) تفسير الميزان ج14ص112-113 ط الأعلمي. |
( 2 ) وهما في ص621 وص633 من نفس المصدر . |
|
|
مرادهم
عليهم السلام بالتحريف والتغيير والحذف إنما هو من حيث
المعنى دون اللفظ ومما يدل على ذلك ما يأتي في كتاب
الروضة ما رواه الكليني بإسناده إلى الباقر عليه
السلام أنه كتب إلى سعد الخير كتابا أوصاه بتقوى الله
إلى أن قال : وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه
وحرفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه الحديث " ( 1 ) .
وقال الشيخ الفاضل اللنكراني حفظه الله تعالى :" ولكن
بعد قيام الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على عدم
وقوع التحريف في الكتاب وإن ما بأيدينا مطابق لما
أنـزل إلى الرسول بعنوان القرآنية لا يبقى مجال لمثل
هذه الروايات بل لا بد من حملها على التقية أو على أن
المراد بالقرآن هو القرآن المشتمل على الخصوصيات
الأخرى أيضا من الشرح والتفسير والتأويل وشأن النـزول
وأمثالـها كقرآن أمير المؤمنين عليه السلام مع أنه يرد
على تعبير الروايتين الإشكالات المتقدمة كلاًّ أو
جُلاًّ كما لا يخفى وقد انقدح من جميع ما ذكرنا عدم
ثبوت الرجم في القرآن بل الدليل عليه هي السنة
المستفيضة بل المتواترة " ( 2 ) .
وقال السيد هاشم معروف الحسني :" ومن خصوص الزيادة
الموجودة في مصحف علي عليه السلام كما جاء في بعض
المرويات ، لو تغاضينا عن العيوب الموجودة في أسانيدها
والتزمنا بصحتها من ناحية السند ، فلا بد وان تكون
الزيادات المزعومة من قبيل التفسير والتوضيح للمراد من
تلك الآيات عن طريق الوحي أو النبي صلى الله عليه وآله
وسلم كما نص على ذلك جماعة من علماء الإمامية .
ويدل
على ذلك ما جاء في الكافي عن أبي بصير قال : سألت أبا
عبد الله الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ
}(النساء/59). فقال : نزلت في علي والحسن والحسين
عليهم السلام . فقلت له : إن الناس يقولون : فما له لم
يسم عليا والحسن والحسين في كتاب الله ؟ قال : قولوا
لهم : إن رسول –الله صلى الله عليه وآله- نزلت عليه
الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا ، حتى كان
رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسر ذلك لهم .
هذا بالإضافة إلى أن عليا والمتخلفين معه عن بيعة أبي
بكر لم يحتجوا على أحد بورود هذه الأسماء في القرآن
الكريم ولو كان له
| |
( 1 ) أصول الكافي ج2ص631ح16 ، من تعليق علي أكبر
غفاري .
( 2 ) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة - كتاب
الحدود - ص129 . |
|
|
ولأبنائه
ذكر صريح في كتاب الله ، لكان احتجاجهم بذلك أجدى
وأنفع من جميع الحجج التي استدلوا بـها على استخلافه
بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكرنا سابقا "
( 1 ) .
قال السيد هاشم الرسولي المحلاتي : " ولا يخفى أن معنى
النـزول في تلك الروايات ليس هو التحريف المدعى في بعض
الكلمات بل المراد من النـزول هو التفسير والتأويل من
حيث المعنى كما صرح به معظم العلماء المنتمين إلى ذلك
القول كالمحدث الحر العاملي (ره) في كتاب إثبات الهداة
والمولى محسن الفيض في الوافي وغيرهم ، وإلا فهي أخبار
آحاد لا تعارض ما ثبت بالتواتر بين المسلمين " ( 2 ) .
وإلى هنا يتضح ان القول بأن تلك الروايات التي تذكر
التنـزيل تطعن في صيانة القرآن من التحريف فرية لا أصل
لها سوى مخيلة الوهابية ، ونحن – ولله الحمد - في غنى عن
كلمات أهل السنة لنفي تلك الفرية ، فكلمات علمائنا
واضحة فيها ، ناهيك عن أن مجرد احتمال كون التنـزيل
بمعنى التفسير النازل يكفي لرفع هذه التهمة النكراء ،
ولكنا آثرنا الإطناب منذ البداية حتى نرفع تذبذب بعض
النفوس ونسكن حشرجة صدورهم لتجلو الحقيقة أمام أعين
الوهابية ومن هم على شاكلتهم بذكر بعض أقوال علمائهم
التي تؤيد كلمات علماء الشيعة في وجود التنـزيل ، وإن
لم يسمه أهل السنة بـهذا الاسم ، والتسمية ليست بمشكلة
.
ثانيا :
كلمات أعلام أهل السنة =>
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
| |
( 1 ) دراسات في الحديث والمحدثين ص352-353 للسيد هاشم
معروف الحسيني .
( 2 ) من هامش تفسير العياشي ص39 ط الأعلمي . |
|
|
|