إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 82

2- من روايات أهل السنة


وأما روايات أهل السنة التي تدل على التنـزيل فهي كثيرة وسيأتي ذكرها في ضمن الروايات التي تحكي القراءات الشاذة للصحابة والتابعين ، ولا نقول أن كل القراءات الشاذة هي نتاج الخلط بين التنـزيل والقرآن بل البعض منها ، والأغلب كان اجتهادا منهم ، وما يدل أيضا على التنـزيل ما رووه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :" ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معـه " ( 1 ) .

وكذا تدل عليه هذه الرواية : " عن العرباض بن سارية قال : نزل النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ومعه من معه من أصحابه فقال : يا عبد الرحمن اركب فرسا فناد إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن ، وإن اجتمعوا إلى الصلاة فاجتمعوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قام فقال : أيحسب امرؤ قد شبع حتى بطن وهو متكئ على أريكته أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ، ألا وإني والله لقد حدثت وأمرت ووعظت بأشياء إنـها لمثل القرآن أو أكثر ، وإنه لا يحل لكم من السباع كل ذي ناب ولا الحمر الأهلية وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت المعاهدين إلا بإذن ولا أكل أموالهم ولا ضرب نسائهم إذا أعطوكم الذي عليهم إلا ما طابوا به نفسا " ( 2 ) .

وهذا المعنى من نزول جبرئيل عليه السلام بالسنة كما كان ينـزل بالقرآن في سنن الدارمي : " أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن حسان قال : كان جبريل ينـزل على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بالسنة كما ينـزل عليه بالقرآن " ( 3 ) .

وفي التمهيد لابن عبد البر : " أما الخيل فقد جاء فيها ما جاء ، وفي هذا الحديث والله أعلم دليل على أن كلامه ذلك في الخيل كان بوحي من الله لأنه قال في الـحُمر لم ينـزل على فيها شيء إلا الآية الجامعة الفاذة فكان قوله في الخيل نزل عليه والله أعلم ألا ترى إلى قوله : لقد عوتبت الليلة في الخيل . وهذا يعضد قول من قال : إنه كان لا يتكلم في شيء إلا بوحي وتلا {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(النجم/3-4). واحتج بقوله – صلى الله عليه وآله وسلم- : أوتيت الكتاب ومثله معه .

  ( 1 ) سنن أبي داود ج4ص199 باب في لزوم السنة ط دار الجيل ، وأخرجه أحمد في مسنده ج4ص130 ط الميمنية ، بلفظ ( قال رسول الله صلى عليه (وآله) وسلم : ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله ومعه …الخ ) ، كما جاء في المسند الجامع ج15ص455ح11817 مسند المقدام بن معدي كرب ،جاء بعضه في سنن ابن ماجة ج1ص6 باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم و التغليظ على من عارضه ، وجاء بعضه أيضا في سنن الدارمي ج1ص144 باب السنة قاضية على كتاب الله .
( 2 ) السنة للمروزي ج1ص111-112ح405.
( 3 ) سنن الدارمي ج1ص145 ، السنة للمروزي ج1ص111ح402 ، وفي تفسير القرطبي ج1ص39 : ( وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان الوحي ينـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك ).
 
 

- ص 83 -

وبقول عبد الله بن عمرو : يا رسول الله ! أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال : نعم . قال : في الرضا والغضب ؟ قال : نعم فأني لا أقول إلا حقا " ( 1 ) .

وقد تسالم أهل لا إله إلا الله على عدم اختصاص جبريل عليه السلام بتبليغ القرآن ، حيث جاء بالأحاديث القدسية وكان مبلغا للسنة ولتفسير القرآن وكذا كان يخبر عن أحوال المنافقين والمشركين وغير ذلك مما كان يُنـزّله ، وستأتي أقوال علماء أهل السنة الناصة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أوتي وأنزل عليه مع القرآن غيره كالسنة والمغيبات وغيرهما التي تدخل كلها في إطار تفسير القرآن وتأويله بقوله عز وجل {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}(يس/12).

وكمثال على القراءة الشاذة التي خلطت القرآن بالتنـزيل هذه الرواية التي أخرجها ابن مردويه : "عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال قرأ علي رضى الله عنه الواقعات في الفجر فقال : ( وتجعلون شكركم إنكم تكذبون ) ( 2 ) فلما انصرف قال : إني قد عرفت أنه سيقول قائل : لم قرأها هكذا ؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقرؤها كذلك ، كانوا إذا مطروا قالوا : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فـأنـزل الله ( وتجعلون شكركم إنكم إذا مطرتم تكذبون ) " ( 3 ) .
وهذه الرواية تفيد أن الإمام علي عليه السلام قرأ الآية القرآنية مع اعترافه أن ما أنزله الله عز وجل هو شكل آخر حيث كان مما أنزله عز وجل هو ( إذا مطرتم ) فيتضح أنـه من التنـزيل وهو أعم من القرآن ، ولكن للأسف قد أشكل كثير من التنـزيل على بعض الصحابة حتى اعتبره من القرآن يقرأ به آناء الليل وأطراف النـهار ، بدعوى أنه لا يترك شيئا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! مع أن ما سمعه ليس بقرآن كله بل دمج القرآن مع تفسيره !

وما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما يدل على التنـزيل أيضا :

  ( 1 ) التمهيد لابن عبد البر ج4ص221.
( 2 ) هكذا في الأصل وهي في القرآن {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}(الواقعة/82).
( 3 ) الدر المنثور ج6ص163 ط دار المعرفة .
 
 

- ص 84 -

" حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ورهطك منهم المخلصين }(الشعراء/214) ، خرج رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الخ " ( 1 ) .
والآية نزلت من السماء بالزيادة وليست إلا تفسيرا للآية الكريمة .

وسيأتي ذكر بعض الموارد التي اشتبه بـها الصحابة وحار فيها علماء أهل السنة ، فاخترعوا لها الوجوه والتأويلات ، وقالوا إنـها من القراءات الشاذة التي قرأ بـها الصحابة ولم تتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل لم ترد عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، كما سيأتي بإذنه تعالى في مبحث القراءات الشاذة ، ولكن نصوص أهل البيت عليهم السلام تبين أنـها كانت من التنـزيل ، وأهل البيت أعلم بما فيه .

والأهم من كل روايات الشيعة وأهل السنة هذه الآية الكريمة التي تحكي حقيقة تفسير الله عز وجل لقرآنه حيث قال { إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}(القيامة/17-19) ، حيث تكفل الله عز وجل ببيان معاني القرآن ، وهذه المعاني ستصل إلينا بلا ريب كسنة نبوية ، وهو من التنـزيل المقصود .

  ( 1 ) صحيح البخاري ج4ص1902 ح4687 باب تفسير سورة ( تبت يدا أبي لهب ) ، صحيح مسلم ج1ص193ح208 ، السنن الكبرى للبيهقي ج9ص7 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب