إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 527

الوهابية تتكلم من جديد !


حينما فرغ الوهابي ( عثمان الخميس ) من افتراءاته على الشيعة بتحريف القرآن ، حاول الدفاع عن أهل السنة بقوله إن الشيعة افتروا على أهل السنة تحريف القرآن - بزعمه - لأن أهل السنة حذفوا البسملة في الصلاة ، فقال مستغلا جهل من حوله :
" والشيعة طبعا ينكرون على السنة ، لماذا لا تقولون {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ؟ ، جبتم -كذا- آمين ليست من القرآن ، قلتوها جهرا و {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} التي من القرآن شلتوها –كذا- من المصحف ؟! " ( 2 ) .

أقول : سبحان الله ! مَن مِن الشيعة استدل بـهذا الدليل الفاسد ؟! ، لماذا لم يذكر الوهابي المصدر ؟! أم هو الكذب الذي عودنا عليه ؟

الشيعة إنما ألزموا أهل السنة تحريف القرآن عندما أنكروا البسملة في مائة وثلاثة عشر موضعا من القرآن وهي أوائل السور ، ولا دخل لهذا بقراءتـها في الصلاة لأن قراءة البسملة في الصلاة قد لا تكون واجبة في حين أنـها جزء من كل سورة عدا براءة في نظر المصلي ، فلا يقرؤها في الصلاة

  ( 2 ) من شريط الشيعة والقرآن ، بداية الربع الأخير من الوجه الثاني .  
 

- ص 528 -

للجواز ، هكذا يدس الوهابي ( عثمان الخميس ) لتغيير موضع النقاش ، كان عليه بيان حقيقة الإشكال ومحله لا أن يضحك على صغار الوهابية من حوله ! ، وهذا أول غيث الدجل ، وسيأتيك غيث الجهل تباعا كالعادة .

ثم أكمل الوهابي ( عثمان الخميس ) كلامه : " نقول : أولا أنتم أيضا حذفتوها ! فهذا محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون إماما فيستفتح بالحمد ولا يقرأ {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} فقال عليه السلام : لا يضره ولا بأس .
وعن مسمع البصري قال : صليت مع أبي عبد الله عليه السلام فقرأ {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ثم قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ثم قرأ بسورة أخرى .

عن الحلبيين عن أبي عبد الله عليه السلام : أنـهما سألاه عمن يقرأ {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} حين يقرأ فاتحة الكتاب قال : نعم إن شاء سرا وإن شاء جهرا ، فقالا : فيقرؤها مع السورة الأخرى ؟ قال : لا ".

وهذا كما ترى أول غيث الجهل ، لأسباب واضحة وهي :

1- للمرة الألف نعيد ونكرر : إن وجود رواية في كتب الشيعة لا يعني : قال الشيعة ، فلا معنى لقول الوهابي ( وأنتم أيضا حذفتوها ) !

2- هذه روايات تتكلم عن حكم قراءة البسملة في الصلاة ولا تتكلم عن جزئيتها من السور ! ، وادعاء الملازمة بينهما من الجهل السحيق .

3- الشيعة تحمل الراوية الأولى والثانية على أن صدورهما كان تقية ، والثالثة أن المقصود منها صلاة النافلة لأن فيـها يجوز التبعيض في السورة الثانية ، أي يجوز قراءة بعض آيات من السورة القصيرة في صلاة النافلة ، فلا مانع من حذف البسملة مع حذف أول السورة ، وعليه كيف تدل الرواية على نفي قرآنية البسملة ؟!!

- ص 529 -

وقد عنون صاحب الوسائل الحر العاملي رضوان الله تعالى عليه الباب الذي سرق الوهابي منه الروايات بـهذا العنوان : ( باب جاز ترك البسملة للتـقـية وجواز ترك الجهر بـها في محل الإخفات ) ، ثم ختم الحر العاملي رضوان الله تعالى عليه هذا الباب بقوله :
" أقول ذكر الشيخ وغيره أن هذه الأحاديث محمولة على التقية والقرائن في بعضها ظاهرة ، أو على عدم الجهر بـها في محل الإخفات ، أو على عدم سماع الراوي لها لبعده ، أو على النافلة لجواز تبعيض السورة فيها بل تركها ، وسيأتي ما يدل على الجهر بالبسملة وبعض ما تقدم يحتمل الحمل على الإنكار ".

وهذا كلام أحد أعلام الشيعة وحكاه أيضا عن شيخ الطائفة عليهما رضوان الله تعالى ، ولكن الوهابي أخذ الروايات وطرح كلمات أعلام الشيعة الموجودة أمام عينيه ، وذكر الروايات على أنـها ( قال الشيعة ) ، وترك كلام الشيعة أنفسهم !!

4- هذه الروايات معارضة بما هو أصرح منها وأقوى دلالة ولذلك حملت الأولى والثانية على التقية والصلاة في الثالثة على النافلة ، لننقل بعض ما جاء في كتب مراجعنا العظام عليهم تمام الرحمة والرضوان .

قال صاحب الجواهر رضوان الله تعالى عليه : " على أن جميعها لا تأبى الحمل على النافلة أو الضرورة أو التقية أو نحو ذلك ، بل ربما كان صراحتها خصوصا نصوص البعض أكبر شاهد على بعض ما ذكرنا ضرورة معروفية كونه شعار العامة ، كما أن الإكمال من شعار الخاصة ، وربما كان في خبر إسماعيل بن الفضل إشارة إليه ، قال : ( صلى بنا أبو عبد الله عليه السلام أو أبو جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب وآخر سورة المائدة ، فلما سلم التفت إلينا ، فقال : أما إني أردت أن أعلمكم ) .

وكذا خبر سليمان بن أبي عبد الله قال : ( صليت خلف أبي جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب وآي من البقرة فجاء أبي فسئل ، فقال : يا بني إنما صنع ذا ليفقهكم وليعلمكم ). بل اعتذاره عليه السلام مع سؤاله في الخبر الثاني كالصريح في ذلك " ( 1 ) .

وقال السيد الخونساري رضوان الله تعالى عليه : " وفي قبالها أخبار تدل على عدم الوجوب مثل ما عن الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن على الحلبي ومحمد بن علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام ( أنـهما سألاه عمن يقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} حين يقرأ فاتحة الكتاب قال : نعم ، إن

  ( 1 ) جواهر الكلام للمحقق النجفي رضوان الله تعالى عليه ج9ص336 ط دار إحياء التراث العربي .  
 

- ص 530 -

شاء سرا وان شاء جهرا . فقالا : فيقرؤها مع السورة الأخرى ؟ قال : لا ) ، لكنها محمولة على التقية ويشهد لـها بعض الأخبار السابقة مضافا إلى إعراض الأصحاب مع صحة السند في كثير منها " ( 1 ) .

وقال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه : " وربما يستدل على عدم الوجوب بصحيحة الحلبيين ( عن أبي عبد الله عليه السلام أنـهما سألاه عمن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين يريد قراءة فاتحة الكتاب ، قال : نعم إن شاء سرا وإن شاء جهرا ، فقالا : أفيقرؤها مع السورة الأخرى ؟ فقال : لا ) وهي صريحة في عدم الوجوب لولا الاقتران بالذيل المشتمل على النهي عن البسملة في السورة الأخرى فانه يقرب ورودها مورد التقية فيمنع عن الاستدلال بـها ، والتفكيك بين الصدر والذيل مشكل كما لا يخفى ، وكيف كان فيكفي في الدلالة على الاستحباب ما عرفت " ( 2 ) .

وهذه كلمات مراجع الشيعة العظام قدس الله أرواحهم ، ولكن الأعرابي ( عثمان الخميس ) حسب أن قراءة أصول الفقه لأبي زهرة في المعهد الديني كافية لفهم روايات أهل البيت عليهم السلام !

ثم نكص الوهابي على عقبيه ليهد بيده ما بناه ، وينقض ما نسج ! ، فقال :
" وقال الحر العاملي ذكر الشيخ يعني الطوسي وغيره أن هذه الأحاديث محمولة على التقية . انتهت المشكلة ، وهكذا كعادة إسناد ضعيف تقية – كذا - وهذا لا شك من أبطل الباطل ، لماذا ؟ لأن التقية لا تجوز بالبسملة عندهم ، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال : التقية ديني ودين آبائي إلا في ثلاث في شرب المسكر وفي المسح على الخفين وفي ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . وهذا في مستدرك الوسائل " ( 3 ) .

فقال بعد هذا قاصدا الشيعة : " ما لهم مخرج " !

  ( 1 ) جامع المدارك ج1ص336 .
( 2 ) فقه السيد الخوئي ج14ص416 أو مستند العروة الوثقى للسيد الخوئي رضوان الله عليه ج3ص416 ط العلمية قم ، وراجع للزيادة مدارك الأحكام للسيد محمد العاملي رضوان الله تعالى عليه ج3ص340 ط مؤسسة أهل البيت لأحياء التراث ، الحدائق الناضرة للمحدث البحراني رضوان الله تعالى عليه ج8ص107-108 ط دار الأضواء ، فقه الصادق في شرح التبصرة للسيد الروحاني حفظه الله تعالى ج4ص285-286 ط مهر استوار ، وغيرها من كتب استنباط الأحكام .
( 3 ) مستدرك الوسائل ج1ص334، نقلا عن كتاب دعائم الإسلام ، كثير من الكتب التي اعتمد عليها صاحب مستدرك الوسائل غير معتمدة عند محققي الشيعة لذا لا يصح أخذها من الكتاب بلا تدقيق ، ولكن الوهابي جاهل في كل شيء !
 
 

- ص 531 -

أقول : في بداية الأمر استدل المغفل ( عثمان الخميس ) بالروايات على أن الشيعة حذفت البسملة من القرآن (!!) بروايات تتحدث عن البسملة في الصلاة (!!) ، ثم رجع ونسخ كلامه بقوله : إن الشيعة لا تأخذ بمضامين هذه الروايات لأنـها صدرت على نحو التقية عندهم !! ، فهاهو يكشف عن كذبه بنفسه ! ، فقد أخبر فيما سبق أن الشيعة تقول كذا وكذا استنادا على ما نقله من الروايات ، مع علمه أن الشيعة لا يأخذون بمضامينها !

ولا بأس ببيان حقيقة الرواية التي فرح بـها الجاهل وحسب أنه ألزم الشيعة عدم اعتقاد صدور الروايتين الأوليين تقية مع اعتقادهم بذلك ! ، فنقول :

1- للمرة الحادية بعد الألف نكرر إن وجود الرواية لا يعني : قال الشيعة . فحتى لو كانت صحيحة السند فقد لا يأخذ الفقهاء بـها لكونـها معارضة بأصح منها أو غير ذلك .

2- لا مصدر لـهذه الرواية غير كتاب دعائم الإسلام الذي لم تحرز وثاقة مؤلفه .

3- ومؤلف الكتاب ليس من الشيعة الإمامية !!

4- والرواية التي ركن إليها الجاهل مرسلة ، فلا إسناد لها من مؤلف الكتاب إلى الإمام الصادق عليه السلام ، وبينهما مئات السنين !

5- هذه الرواية المرسلة جاءت صحيحة السند في الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة بدون الزيادة التي ركن إليها الوهابي ( 1 ) ، فلماذا قصر عينه على المرسلة ؟! أ للجهل أم للخداع ؟!

  ( 1 )  وصف الشيعة لكتبهم بالمعتمدة لا يقصد به أن كل ما فيها صحيح ، فهذا ما يحاول الوهابية به خداع عوامهم ، ولننقل بعض تلك الروايات من الكافي : ( عن أبي عمر الأعجمي قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له ، والتقية في كل شئ إلا في النبيذ ، والمسح على الخفين )

وكذا ( عن محمد بن الفضل الهاشمي قال : دخلت مع اخوتي على أبي عبد الله ( ع ) فقلنا : إنا نريد الحج وبعضنا صرورة ، فقال : عليكم بالتمتع فإنا لانتقي في التمتع بالعمرة إلى الحج سلطانا ، واجتناب المسكر ، والمسح على الخفين )

وكذا ( عن زرارة ، عن غير واحد قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : في المسح على الخفين تقية ؟ قال : لا يتقى في ثلاثة قلت : وما هن قال : شرب الخمر أو قال : شرب المسكر ، والمسح على الخفين ، ومتعة الحج ) .

( الروايات الثلاث في ضمن هذه المصادر : الكافي ج2ص217 ( باب التقية ) ، ج4ص293 ، الاستبصار ج2ص151، تـهذيب الأحكام ج5ص26 ، ج9ص114 ، ومن لا يحضره الفقيه ج2ص317ح2555. والمحاسن ج1ص259ح309 ، والخصال ص 22، وتحف العقول ص104 ، وراجع وسائل الشيعة ج1ص325 ، ج11ص468 ، ج8ص173) ، وكما ترى لا أثر للبسملة في هذه الروايات ولا في غيرها إلا في رواية الوهابي اليتيمة المرسلة ! ومع ذلك يريد الوهابي إلزام الشيعة بـها بأنـهم لا يعتقدون صدور الروايتين تقية !!

 
 

- ص 532 -

مع أنك لا تجد لهذه الرواية التي فرح بـها الوهابي أي موضع قدم بين كلمات فقهاء الشيعة حفظ الله الأحياء منهم ورحم الأموات .

نعم قد تذكر في كلماتـهم لبيان عوارها وخللها كما فعله صاحب الجواهر رضوان الله تعالى عليه :
" وكذا ينبغي أن يعلم أيضا أن الظاهر بقاء حكم التقية في المقام– أي في الجهر بالبسملة - كغيرها من الإحكام ، ودعوى التواتر بعد عدم ثبوتـها عندنا ، فهي بالنسبة إلينا آحاد لا تصلح لمعارضة أدلة التقية المعتضدة بالعقل وغيره ، مع أن المجلسي قد اعترف على ما حكي عنه بعدم وصول خبر يدل على ذلك إلا خبر الدعائم ( روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد ( ع ) أنـهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر فيه بالقراءة من الصلوات في أول فاتحة الكتاب وأول السورة في كل ركعة ، ويخافتون بـها فيما يخافت فيه من السورتين جميعا ، قال الحسن بن علي اجتمعنا ولد فاطمة على ذلك ، وقال جعفر بن محمد عليه السلام التقية ديني ودين آبائي ، ولا تقية في ثلاث : شرب المسكر والمسح على الخفين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) ، وأنت خبير بقصوره عن الحكومة على أدلة التقية من وجوه ، فيجب حمله على ما لا ينافيها أو طرحه كما هو واضح ، مع أنه كما ترى مشتمل على ما هو معلوم خلافه عنهم من الاخفات بـها في محل الاخفات ، وكفى به مسقطا للخبر المزبور عن الحجية ، فتأمل ، والله أعلم " ( 1 ) .


6- لو سلمنا بأن الرواية التي استند إليها الوهابي صحيحة السند ، ودلالتها غير معارضة ، وسلمنا باعتمادها من قبل علماء الشيعة فهذا لا يعني عدم جواز التقية في الجهر بالبسملة !

فحتى الروايات الصحيحة التي لم تذكر البسملة لا تدل على عدم جواز التقية في المسح على الخفين أو شرب النبيذ أو متعة الحج ، لأن هذه الروايات مسوقة لبيان أن موضوع التقية في هذه الأمور غير متحقق في واقع المسلمين في الغالب ، لأن المسح على الخفين في دين السلطان رخصة فقد

  ( 1 ) جواهر الكلام ج9ص391.  
 

- ص 533 -

يمسح عليهما المرء وقد يتركهما فلا مبرر للتقية إذن ، وكذا شرب النبيذ لأن جوازه اختص به الحنفية ولا يأخذ به كل أهل السنة فلا مبرر فيه للتقية والخمر أوضح لأنه حرام عند الجميع ، وكذا متعة الحج يعمل بـها أهل السنة فلا مبرر للتقية فيها ، وهذا لا يمنع من أن يتحقق موضوعها في شرب النبيذ مثلا كأن يُهدد من لا يشربـها بالقتل وكذا من لا يمسح على خفيه .

قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه : " ومنها ما رواه ابن أبي عمر الاعجمي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : ( إن التقية في كل شئ إلا في شرب المسكر والمسح على الخفين ) ، والوجه في ذلك أي في عدم تشريع التقية في الموردين على ما قدمناه مفصلا عدم تحقق موضوعها فيهما أما في شرب المسكر فلان حرمته من الضروريات في الإسلام وقد نطق بـها الكتاب الكريم ولم يختلف فيها سني ولا شيعي فلا معنى للتقية في شربه . وأما في المسح على الخفين فلانا لم نعثر فيما بأيدينا من الأقوال على من أوجبه من العامة وإنما ذهبوا إلى جواز كل من مسح الخفين وغسل الرجلين . نعم ذهبت جماعة منهم إلى أفضليته كما مر وعليه فلا يحتمل ضرر في ترك المسح على الخفين بحسب الغالب . نعم يمكن أن تتحقق التقية فيهما نادرا كما إذا أجبره جائر على شرب المسكر أو على مسح الخفين إلا أنه من الندرة بمكان ولا كلام حينئذ في مشروعية التقية فان الرواية المانعة ناظرة إلى ما هو الغالب " ( 1 ) .

حتى أن الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه عقد فصلا في الاستبصار عنونه بجواز التقية في المسح على الخفين ، ونقل رواية وهي : " عن أبي الورد قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : إن أبا ظبيان حدثني أنه رأى عليا عليه السلام أراق الماء ثم مسح على الخفين فقال : كذب أبو ظبيان أما بلغك قول علي عليه السلام فيكم ، سبق الكتاب الخفين ؟ فقلت : فهل فيهما رخصة ؟ فقال : لا ، إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك " ( 2 ) .

ثم ذكر خبر استثناء التقية في المسح على الخفين وبين أنه لا منافاة بينهما لوجوه منها :
" أن يكون أراد (لا أتقي فيه أحدا) إذا لم يبلغ الخوف على النفس أو المال وان لحقه أدنى مشقة احتمله ، وإنما يجوز التقية في ذلك عند الخوف الشديد على النفس أو المال ".

  ( 1 ) فقه السيد الخوئي ج5ص282. ( 2 ) الاستبصار ج1ص77 ح236.  
 

- ص 534 -

إلى هنا تم الكلام عما هرج به أحد الوهابية ، وقد أطلت الكلام في بيان تـهريجه لأمر مهم يكرره مثقفو الشيعة دائما فضلا عن علمائهم حينما يُعترض عليهم تركهم المجال للوهابية ليسرحوا ويمرحوا مفترين على مذهب أهل البيت عليهم السلام ، وهذا الأمر يتلخص في أن الرد على أولئك الوهابية يكلف المرء عناء كبيرا لأن كلماتـهم بعيدة الغور في الجهل ومخدوشة الجوانب ومتآكلة الأطراف كما مر عليك ، والتصدي لمثل هذه المتهالكات والهرطقات يعني الالتزام بشرح علوم أولية في ثنايا الردود ، وعرض قواعد هي من مقدمات البحث العلمي ، وهذا ليس إلا مضيعة للوقت وهدراً للجهد ، ناهيك عن السرد الطويل لما يعتقده الشيعة ! لأن الوهابية ترد على مخيلتها وتصوراتـها السقيمة من غير إطلاع على كلمات مراجع الشيعة والمحققين منهم ، وهذا المثال الذي ناقشناه سابقا دليل واضح على أن المقطع الصغير الذي يتكلم به الوهابي والذي لا يتجاوز الجملتين مليء بالتناقضات وعدم المنهجية والخروج عن البحث وعدم استيعاب الفكرة والنقل المقطّع من المصادر ، مع شيء من الخداع والتدليس بعدم ذكره لأقوال العلماء التي أمام عينيه ، ثم يعود فيذكرها مما يعني عدم وجود الإشكال من الأصل ! وغير ذلك من حشف الكلام وحشوه وأساليب الخطابة المموهة واللامنطقية في الطرح .

فيا لله ! من له هذه الهمة الجبارة ليتتبع كل ما تثرثر به الوهابية على كثرتـها وكثرتـهم ؟! ، مع جهلهم المركب الذي يصعب رفعه ، حتى شمخ الجاهل بأنفه وقصد الشيعة في آخر هرجه وتخبطه بقوله : " ما لهم مخرج " ، فاسمع واضحك !

* البسملة عند الشيعة :
أما البسملة عند الشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام فننقل قول أحد أعلامهم وهو السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه :
" هذه من المسائل الخلافية بين الخاصة والعامة ، فالمتسالم عليه بين الخاصة – أي الشيعة - أنـها جزء من كل سورة ، والمشهور بين العامة أنـها جزء لخصوص الفاتحة دون ساير السور وعلى هذا جرت المصاحف حتى اليوم فإنـهم يذكرون علامة الآية بعد بسملة الفاتحة دون غيرها من بقية السور ، وأما البراءة فليست جزءا منها باتفاق الجميع ، ثم ذكر ما يدل عليه" ( 1 ) .

  ( 1 )  فقه السيد الخوئي ج14ص352 مسألة8 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب