إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 513

آية الولد للفراش وللعاهر الحجر !


قبل الكلام عن هذه الآية المزعومة نقدم مقدّمة لعل فيها توضيحا لشيء من الحقيقة ، استقرأنا بعض مصادر أهل السنة فوجدنا تصريح عدد كبير من الصحابة في عشرات الموارد أن الآية المزعومة هي في الحقيقة حديث نبوي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا موضع اتفاق مع مصادر الشيعة ، ونذكر هنا بعض الروايات من مصادرهم لنرى من هم هؤلاء الصحابة :

- ص 514 -

عبد الله بن مسعود : " عن ابن مسعود قال : إني لبين يدي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يوم الحج ، وأن زبد ناقته ليقع على ظهري ، فسمعته يقول : أدوا إلي كل ذي حق حقه ، والولد للفراش وللعاهر الحجر ، ومن تولى غير مواليه أو ادعى إلى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل " ( 1 ) .

عبد الله بن عباس : " وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أمر صارخا يصرخ في بطن مكة يأمر بصدقة الفطر ويقول : هي حق واجب على كل مسلم ذكر أو أنثى صغير أو كبير حر أو عبد حاضر أو باد مدان من قمح أو صاع مما سوى ذلك من الطعام ألا وإن الولد للفراش وللعاهر الحجر " ( 2 ) .

كتب ابن عباس رسالة وجّهها إلى لعيـن السماوات والأرض يزيد بن معاوية حينما أراد الأخير أن يشكره على خذلانه لعبد الله بن الزبير وهو أحد أعداء يزيد فأرسل ابن عباس رسالة طويلة وهذا مقطع منها : " أتراني أنسى قتلك فتيان بني عبد المطلب مصابيح الدجى ونجوم الأعلام وغادرتـهم خيولك بأمرك فأصبحوا مصرعين في صعيد واحد مزملين بالدماء مسلوبين بالعراء لا مكفنين ولا موسدين ، تسفيهم الرياح ، تغزوهم الذئاب ، وتنتابـهم عوج الضبع ، حتى أتاح الله لهم قوما لم يشركوا في دمائهم فكفنوهم وأجنوهم ، وبـهم والله وبي من الله عليك فجلست في مجلسك الذي أنت فيه ، ومهما أنس من الأشياء فلست أنسى تسليطك عليهم الدعي ابن الدعي الذي كان للعاهرة الفاجرة ، البعيد رحما اللئيم أبا وأماً الذي اكتسب أبوك - معاوية - في ادعائه له العار والمأثم والمذلة والخزي في الدنيا والآخرة لأن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر .

وإن أباك يزعم أن الولد لغير الفراش ولا يضير العاهر ويلحق به ولده كما يحلق ولد البغي الرشيد ، ولقد أمات أبوك السنة جهلا وأحيا الأحداث المضلة عمدا ومهما أنس من

  ( 1 ) المعجم الكبير للطبراني ج17ص261ح719 ، أقول : والظاهر أن هناك خلطا في نقل الحادثة إذ رويت عن عمرو بن خارجة الآتي ذكره وهنا عن ابن مسعود ومن المستبعد التطابق التام .
( 2 ) مجمع الزوائد ج3ص80 -81 وعلق عليه : ( رواه كله البزار وفيه يحيى بن عباد السعدي فيه كلام).
( 3 ) يقصد زياد بن أبيه الذي ألـحقه معاوية بأبيه فصار يسمى زياد بن أبي سفيان عنادا ومخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
( 4 ) قد اعترف بذلك معاوية في ما ذكره في مجمع الزوائد ج5ص14 ( وعن محمد بن إسحاق قال ادعى نصر بن الحجاج بن علاط السلمي عبد الله بن رياح مولى خالد بن الوليد فقام خالد بن خالد بن الوليد فقال : مولاي ولد على فراش مولاي ، وقال نصر أخي أوصاني بمنزله قال فطالت خصومتهم فدخلوا معه على معاوية وفهر تحت رأسه فدعيا فقال معاوية : سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول : الولد للفراش وللعاهر الحجر . قال نصر : فأين قضاؤك هذا يا معاوية في زياد فقال معاوية : قضاء رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم خير من قضاء معاوية ). رواه أبو يعلى وإسناده منقطع ورجاله ثقات .
أقول : وذكره ابن حجر في فتح الباري ج12ص39 شرح حديث رقم 6369.
 
 

- ص 515 -

الأشياء فلست أنسى تسييرك حسينا –عليه السلام- من حرم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى حرم الله وتسيرك إليه الرجال وادساسك إليهم إن هو نذر بكم فعاجلوه فما زلت بذلك وكذلك حتى أخرجته من مكة إلى أرض الكوفة تزأر إليه خيلك وجنودك زئير الأسد عداوة مثلك لله ولرسوله ولأهل بيته ثم كتبت إلى ابن مرجانة يستقبله بالخيل والرجال والأسنة والسيوف …الخ " ( 1 ) .

أقول : لاحظ كيف استدل ابن عباس على ضلال معاوية لرده أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو كانت هذه الجملة من قول الله عز وجل كما يزعم أهل السنة لكان الأبلغ في الحجة أن يذكرها ابن عباس على أنـها قرآن .

وكذا قال البراء بن عازب وزيد بن أرقم ( 2 ) ، وأبو أمامة الباهلي ( 3 ) ، وعمرو بن خارجة ( 4 ) ، وعبد الله بن حذافة بن قيس ( 5 ) ، وعائشة ( 6 ) ، وأبو هريرة ( 7 ) ، وأنس بن مالك ( 8 ) ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ( 9 ) ، وعروة بن الزبير ( 10 ) .

كل هؤلاء قالوا بأن تلك الجملة نص نبوي قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،

  ( 1 ) المعجم الكبير للطبراني ج 10ص241ح 10590 .
( 2 ) المعجم الكبير للطبراني ج5ص191 ح5057 في مسند زيد بن أرقم رضوان الله عليه .
( 3 ) سنن ابن ماجة ج1ص647ح2007 علق عليه في الزوائد (إسناده صحيح ورجاله ثقات ) ، سنن الترمذي ج3ص293ح2203 ، مسند أحمد ج5ص267 .
( 4 ) سنن ابن ماجة ج2ص905ح2712 ، سنن الترمذى ج3ص294ح2204 علق عليه (هذا حديث حسن صحيح ) ، مسند أحمد ج4ص184و186و238و239 من عدة طرق .
( 5 ) مستدرك الحاكم ج3ص631 .
( 6 ) صحيح البخاري ج3ص 4-5 و39 و91 و187 وج5ص96 وج8ص116 ، صحيح مسلم ج4 ص171 من طريقين ، سنن ابن ماجة ج1ص646ح2004 (باب الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، سنن أبي داود ج1ص507ح2273 (باب الولد للفراش ) ، سنن الدارمى ج2ص152 (باب الولد للفراش) ، السنن الكبرى ج6ص86 وج7ص412 من طريقين وج10ص150و266 ، مسند احمد ج6ص37و129و200و226 و237 و246 –247 ، سنن النسائى ج 6 ص180 (باب الحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش ).
( 7 ) صحيح مسلم ج 4 ص 171 ، سنن ابن ماجة ج1ص647 ح2006 ، سنن الترمذى ج2 ص313 ح1167 (باب ما جاء أن الولد للفراش ) ، السنن الكبرى ج7ص402 ، ج7ص412 ، مسند أحمد ج2ص239 و280 و386 و475 ، سنن النسائى ج6ص180 (باب الحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش ) بطريقين .
( 8 ) مسند الشاميين ج1ص360 ح620 .
( 9 ) سنن أبي داود ج1ص507–508ح2274(باب الولد للفراش) ، مجمع الزوائد ج6ص177-178(رواه الطبرانى ورجاله ثقات ) ، مسند احمد ج2ص179و207.
( 10 ) سنن الدارمى ج 2ص389 بـهذا اللفظ ( قال عروة بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ، لاحظ أن صيغة ( بلغنا ) لا تدل على التمريض أو عدم الوثوق عندهم كما هو سائد بيننا اليوم ، وكشاهد يحضرني هو اعتماد الإمام الشافعي في كتابه الأم على ما يقول في أوله ( بلغنا ) .
 
 

- ص 516 -

وما جاء عن التابعين لا أكاد أحصيه ومنه : " عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أرأيت إن نفاه بعد ما تضعه ؟ قال يلاعنها والولد لها ، قلت : أو لم يقل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر ؟ قال : نعم ، إنما ذلك لأن الناس في الإسلام ادعوا أولادا ولدوا على فراش رجال ، فقالوا : هم لنا ، فقال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر " ( 1 ) .

وكذا أقوال العلماء في الفقه واستدلالاتـهم على حكم المسألة لا يكاد يخلو كتاب منه ، وهذا ما ذكره البيهقي في سننه : " استدلالا بما روينا في الحديث الثابت عن عائشة وأبى هريرة رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فلم يجعل لماء العاهر حرمة " ( 2 ) .

وما ذكره ابن حجر العسقلاني : " قال ابن عبد البر : هو من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة (وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وأبي أمامة عمرو وابن عمر ).وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته ( معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة ) " ( 3 ) .

فكون هذه العبارة قولا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يشك فيها إلا معتوه ولم يقتصر الأمر على مصادر أهل السنة فحتى مصادر الشيعة مشحونة بذلك ، وكمثال نذكر رواية الكافي :
" عن سعيد الأعرج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الولد ؟ قال : للذي عنده لقول رسول الله صلى الله عليه وآله الولد للفراش وللعاهر الحجر " ( 4 ) .

  ( 1 ) كنز العمال ج15ص210ح40607 (عب).
( 2 ) السنن الكبرى للبيهقي ج7 ص157 (باب لا عدة على الزانية ، ومن تزوج امرأة حبلى من زنا لم يفسخ النكاح ) .
( 3 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري للعسقلاني ج12ص 39 شرح حديث رقم 6369 .
( 4 ) الكافي ج5 ص 491-492 ح10130 ( الرجل يبيع الجارية من غير أن يستبرئها فيظهر بها حبل بعد ما مسها الآخر ) وقريب منه في من لا يحضره الفقيه ج3ص457 وج4ص380 ، تـهذيب الأحكام ج8ص168 و183و208 و343و344 وج9ص346 ، الاستبصار ج3ص368 وج4ص183 و185 .
 
 

-  ص 517 -

فالصحابة بأكابرهم كابن مسعود وحبر الأمة ابن عباس وغيرهم من حملة القرآن لا تجد أحدا منهم إلا يصرح بأن الجملة السابقة هي قول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أنـها قرآن منـزل ! خاصة وأن فيهم من كان مغرما بقراءة الزيادات مع القرآن وخلطه بـها كابن مسعود ، ومن البعيد جدا أن يهمل هذا المورد ، وكذا التابعون لم نر فيهم من صرّح أنـها قرآن وكذا تابعوهم والفقهاء في مصنفاتـهم من السنة والشيعة .

* وأما عمر !
ومع كل ما مرّ من أقوال جمهرة الصحابة واتفاق فقهاء المسلمين قاطبة وتصافق الأيدي على كون الجملة السابقة قولا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومع كل هذا يأتينا ابن الخطاب ليفرغ لنا ما في جعبته فيقول هي قرآن فقدناه ! ، وأبي بن كعب أيده على ذلك !!

" عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب قال لأبي : أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله ( أن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ) ؟ فقال : بلى ( 1 ) ، ثم قال : أو ليس كنا نقرأ ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) فُـقِد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال : بلى " ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأَوْلِي الأَبْصَارِ}(آل عمران/13).

  ( 1 ) كنز العمال ج6ص208 ح 15372 ( ابن عبد البر في التمهيد ).  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب