إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 68

دلالة أغلب تلك الروايات


تضمنت بعض الروايات التي نسبت إلى أهل البيت عليهم السلام آيات قرآنية زيد فيها كلمات وجمل ليست في مصحفنا ، وعُلق في تلك الروايات على هذا المزيج من الآية والكلمة الأجنبية بجملة ( هكذا نزلت ) أي أن الآية نزلت بـهذا الشكل بما فيها من الكلمات الأجنبية ، وهذه أمثلة لتلك الروايات :

* " الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن علي بن أسباط عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل : {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده {فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}(الأحزاب/71). هكذا نزلت " ( 1 ) .

* " الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن جعفر بن محمد بن عبيد الله عن محمد بن عيسى القمي عن محمد بن سليمان عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ } كلمات في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام من ذريتهم { فَنَسِيَ }(طه/115). هكذا والله نزلت على محمد صلى الله عليه وآله ".

* " علي بن إبراهيم عن أحمد بن محمد البرقي عن أبيه عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن منخل عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : نزل جبرئيل عليه السلام بـهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا {بِئْسَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } في علي { بَغْيًا } (البقرة/90)" .

* " وبـهذا الإسناد عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن منخل عن جابر قال : نزل جبرئيل عليه السلام بـهذه الآية على محمد هكذا {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ( في علي ) فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }(البقرة/23) " .

  ( 1 ) أصول الكافي ج1ص414ح8 ، تعليق علي أكبر غفاري .  
 

- ص 69 -

* " وبـهذا الإسناد عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن منخل عن أبي عبد الله عليه السلام قال : نزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله بـهذه الآية هكذا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا ( في علي نورا مبينا ) مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}(النساء/47) ".

* " أحمد بن مهران عن عبد العظيم بن عبد الله عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال : نزل جبرئيل عليه السلام بـهذه الآية على محمد صلى الله عليه وآله هكذا {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ( آل محمد حقهم ) قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ( آل محمد حقهم ) رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}(البقرة/59) ".

* " وبـهذا الإسناد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال : نزل جبرئيل عليه السلام بـهذه الآية هكذا {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا ( آل محمد حقهم ) لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}(النساء/168-169).

ثم قال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ( في ولاية علي ) فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا ( بولاية علي ) فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }(النساء/170)" ( 1 ) .

* " أحمد بن مهران - رحمه الله - عن عبد العظيم عن بكار عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال هكذا نزلت هذه الآية {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ( في علي ) لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}(النساء/66) " ( 2 ) .

فألصق الوهابيون تحريف القرآن بالشيعة ! بدعوى أن بعض رواياتـهم تحكي نزول الآيات من السماء بأشكال أخرى غير التي نعرفها ، وواضح أن تلك الكلمات قد نقصت وذهبت إذ لا وجود لها اليوم في مصحفنا ، فالشيعة تعتقد نقص القرآن ، والحمد لله رب العالمين !

  ( 1 ) أصول الكافي ج1 ص416-417 ح 23 إلى28 عدا 24 . ( 2 ) أصول الكافي ج1 ص423-424 ح58،59،60 .  
 

- ص 70 -

هذا ملخص كلامهم بعد تخليصه من الشوائب والحشف ، وهذا -على ما فيه من خلط بين الرواية والاعتقاد بمضمونـها الذي طالما يقعون فيه ، إذ لا ملازمة بينهما ! ، وبعد التسليم بصحة أسانيد كل الروايات السابقة - كلامٌ ساقط من رأس ، لأن عبارة ( هكذا نزلت ) لا يفهم الشيعة منها أن هذا الـمُنـزل قرآن كله ، أي أن تلك الكلمات الدخيلة لا يرون أنـها من نفس جنس القرآن حتى يقال إن القرآن في نظرهم حُرف ونقص بسقوطها ! ، نعم الباقي هو من القرآن أما ما دمج فيه فليس منه ، ( 2 )

  ( 1 ) يحاول بعض الوهابية إلزام الشيعة بصحة كل روايات الكافي !! ، وهذا مضحك للغاية ! إذ الكافي ( كتابـنا ) لا كتاب الوهابية ! ونحن أدرى بكتبنا منهم ! ، ولكن كما قيل ( لأمر ما جذع قصير أنفه ) فهم يذكرون هذا في مقدمة كتبهم استغفالا منهم لعوامهم ولإقناعهم بأن الكافي عند الشيعة مثل البخاري ومسلم عند أهل السنة ، كل ما فيه صحيح ! ، وهذا – كالعادة - كذب على جمهور الشيعة بل على كل الشيعة في زماننا ، والأغرب أنـهم يقومون بذكر مدح علماء الشيعة لكتاب الكافي كدليل على صحة كل ما فيه !! ، فهل القول بأنه من أفضل الكتب ، أو أنه جليل القدر ، أو أنه لم يصنف مثله ، أو أنه أصح الكتب وأتقنا يعني أنه لا يوجد فيه روايات ضعيفة وغير مقبولة عند الشيعة ؟! ، نعم هذا الكلام يدل على أنه جليل القدر وعظيم المنـزلة ولم يصنف مثله وأصح الكتب وأتقنها بالقياس إلى غيره من الكتب ، وهذا غير الحكم بصحة كل ما فيه من الروايات ، فهذا لا يقول به الشيعة .

وقد حاول أحد الوهابية ( ناصر.ق ) في كتابه أصول مذهب الشيعة - وهي رسالة دكتوراه - إقناع بني جلدته المساكين بـهذه الفكرة بالإحالة على المصادر التي مدحت كتاب الكافي – مع أن كل المصادر التي أحال عليها هي للإخبارية ومع ذلك يعمم الحكم على كل الشيعة !! - ، ثم يستغرب الوهابي من الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه كيف حكم بالوضع على ما روي في تحريف القرآن مع أنـها موجودة في الكافي ، ومع ذلك يبقى المتخلف مصرا على أن كل ما في الكافي صحيح عند الشيعة لأنـهم مدحوه !! ، مع أن نفس الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه هو ممن مدح الكافي ! ، وهذا كلام الوهابي في كتابه السابق في ج1ص227 عن الكليني رضوان الله تعالى عليه : ( الملقب عند الشيعة ب‍ ثقة الإسلام ومؤلف أصح كتاب من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرواية عندهم ) .

وقال ( والكافي للكليني – رضوان الله تعالى عليه - عند شيوخ الرافضة في أعلى درجات الصحة ، لأن الكليني كان معاصرا للسفراء الأربعة – رضوان الله تعالى عليهم - الذين يدعون الصلة بالمهدي الغائب المنتظر – عليه السلام - ، ولهذا كان التحقق من صحة مدوناته أمرا ميسورا له لأنه يعيش معهم في بلد واحد وهو بغداد –أقول : هذا الكلام لا يقبله محققو الشيعة لأدلة ذكروها في كتبهم ، فليحتفظ بـهذا الكلام لنفسه - . ولكن يلاحظ أن ابن بابويه القمي – الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه- حكم بوضع ما روي في تحريف القرآن مع وجودها في الكافي الذي يصفونه بـهذا الوصف ويوثقونه هذا التوثيق )

أقول : فمع اعترافه بأن الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه حكم بالوضع على بعض الروايات التي في الكافي وهو رأس الشيعة وشيخهم في زمانه ، ألا يكون هذا سببا كافيا لإيقاظه وتبديد أحلامه السابقة ! ، اللهم بلى ، إلا من طمس على عقله .

ملاحظة : هذا الوهابي اعتاد في كثير من مواضع كتابه السابق على نقل فكرة معينة ونقضها بعد عدة أسطر أو بعد صفحة ، فلا أدري هل هو أسلوب جديد في الكتابة ؟ ، أم هي خواطر تدور في رأسه لا رابط بينها ؟ ، أم ماذا ؟ ، فأدعو كل من كانت هوايته حل الألغاز والأحاجي اقتناء هذا الكتاب .

( 2 ) وهذا ما يعتقده الشيعة ، والذي تعمد الأعراب تجاهله كما تعمدوا تجاهل كثير غيره ، وسببه واضح فتأليب الرعاع وإثارة الغوغاء على الشيعة هو غاية المنى وسدرة المنتهى عند الوهابية ، حتى إن بعضا منهم يعكف في لياليه قارئا كتب الروايات عند الشيعة يتصيد ما يحلو له من الروايات ويخترع التهم وينسج العقائد ويحيك الآراء التي لم ينـزل الله بـها من سلطان وما أن يبزغ الفجر حتى يرمي الشيعة بكل تخيلاته وسماديره ، وكل دليله هو : ( رُوي ) ، وهل هذا يكفي ؟! والوهابية بعملهم هذا يخترعون المذاهب والآراء للشيعة ثم يكرون عليها مشنعين مبدعين وفي الحقيقة لا يبدعون إلا مخيلتـهم وتصوراتـهم السقيمة ، وكل هذا استدرار لغضب الهمج والطغمة منهم ، وعلى هذا تمر الأيام !

 
 

- ص 71 -

لأن كلمة التنـزيل الواردة في الروايات معناها يختلف عما هو معروف بيننا اليوم الذي خُصّ بنـزول عين آيات القرآن ، والمقصود من التنـزيل في الروايات هو التفسير النازل عن طريق الوحي توضيحا وتبيانا للمراد وشرحا للآيات القرآنية ، فليس التنـزيل قرآنا منـزلا وإنما تفسيرٌ منـزل من قِبل الله تعالى ورثه أهل البيت عليهم السلام عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا هو اعتقاد محققي ومراجع الشيعة في تلك الزيادات ، وسيتضح بإذنه تعالى أن من المعلوم عند علماء الشيعة أن جبريل عليه السلام لم ينـزل بالقرآن فقط وإنما أنزل تفسيره أيضا وهو المسمى في بعض الروايات بالتنـزيل ( 1 )

فلا يصح الافتراء على الشيعة أن من عقائدهم تحريف القرآن فقط لوجود روايات في كتبهم تذكر آيات القرآن مع كلمات غيرها وتعقبها بعبارة ( هكذا نزلت ) ! إذ النـزول من السماء في روايات الشيعة أعم من نزول القرآن ، وهذا نفس قول علماء أهل السنة بأن القرآن قد نزل ونزل مثله معه ، وستأتي كلماتـهم فيه بإذنه تعالى ، وإلى هنا يتضح الوجه الصحيح لعشرات -إن لم نقل مئات- من الروايات التي أبـهمت على الوهابية الذين لا خبرة له بروايات أهل البيت عليهم السلام فاستفادوا منها تحريف القرآن .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) وهناك رأي يقول إن قول الإمام عليه السلام في الرواية (هكذا نزلت) يقصد به أن نزول هذه الآية من السماء كان على هذا المعنى لا على المعنى الذي يدعيه الناس ، أي أن هذا قصد الله عز وجل من الآية ، وقد يتبادر أن هذا الرأي يخالف الرأي الأول حيث يفيد هذا أن الوحي ليس له دور في إضافة تلك الكلمات كتفسير للآية بل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أضافها من عند نفسه ، وبعبارة أخرى عندما يقال هذا تنـزيلها أي هذا معناها التي نزلت عليه الآية وكلمات التنـزيل إنما جاءت من قِبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنه إلى أهل بيته عليهم الصلاة والسلام لا عن طريق الوحي ، وبقليل تأمل يتضح أنـهما قول واحد أحدهما مجمل وآخر مفصل لأن ما ينطق به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويأخذه عنه أهل بيته عليهم السلام إنما هو وحي يوحى ، وكله من عند الله عز وجل فلا يقال هذا من السماء وهذا من عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فتفسير القرآن والسنن والعلم بالمغيبات وكلمات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها تنسب حقيقة إلى الله عز وجل ، فلا فرق بين النظرتين بل هي نظرة واحدة وهي نزول هذه الكلمات من السماء تفسيرا وشرحا للمراد ، وعلى أي حال فالكل يتفق على أن تلك الكلمات تفسيرا للقرآن لا عين القرآن ، وهذا محل الكلام .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب