بعض جزئيات طرح فكرة الشورى

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 35

بعض جزئيات طرح فكرة الشورى

فلنراجع إلى المصادر - كما هو دأبنا - ونحاول أن نعثر على جزئيات القضايا وخصوصياتها ، من الشروح والحواشي ، وإلا فهم لا يذكرون ، فبعد قرون يأتي محدث ، يأتي مؤرخ ، ويفتح لنا بعض الألغاز ، ويكشف لنا بعض الحقائق وبعض الأسرار

هذا الخبر في صحيح البخاري ، في كتاب الحدود ، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة ، في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت .
 

والعجيب أن يوضع هذا الخبر تحت هذا العنوان ، صحيح أن في مقدمة الخبر ذكر عمر قضية رجم الحبلى ، ولم أعرف إلى الآن - على اليقين - وجه ذكر هذه القضية أو هذا الحكم أو هذه الآية من القرآن التي ليست موجودة الآن في القرآن الكريم ، إلا أن الخبر كان يقتضي أن يعنونه البخاري بعنوان خاص ، أن يجعل له عنوانا بارزا
 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 36

يخصه ويجلب النظر إلى القضية ، وأما أن هذا الخبر يأتي تحت هذا العنوان فمن الذي يطلع عليه ؟ وهذا أيضا من جملة ما يفعله المحدثون ( 1 ) . هذا في الصفحة 585 إلى 588 من الجزء الثامن من طبعة البخاري ، هذه الطبعة التي هي بشرح وتحقيق الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي ، هذه الطبعة الموجودة عندي والله أعلم .


لنرجع إلى الشروح ، فما السبب الذي دعا عمر لأن يطرح فكرة الشورى - ولا أستبعد أن يكون لعبد الرحمن بن عوف ضلع في أصل الفكرة ، كما كان في كيفية طرحها كما في صريح الخبر - وهذه الفكرة لم تكن لا في الكتاب ، ولا في السنة ، ولا
 

في سيرة رسول الله ، ولا في سيرة أبي بكر ، وحتى في سيرة عمر نفسه ، وحتى سنة 23 ه‍ ، إلى قضية منى ، نريد أن نعرف من هؤلاء القائلون ؟
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) نعم ، هذا من جملة أساليبهم ، إذا حاولوا عدم اطلاع الناس وعدم انتشار الخبر ، أما لو أرادوا إذاعته فإنهم يكررون ذكره تحت عناوين مختلفة ، وهذا موجود عند البخاري خاصة في موارد ، منها هذا المورد ، فقارنوا بين كيفية إيراده في كتابه وبين كيفية إيراده -

مثلا - خبر خطبة أمير المؤمنين بنت أبي جهل الموضوع المكذوب ، ليظهر لكم جانب آخر من جوانب ظلمهم لأهل البيت وتصرفاتهم في السنة النبوية وحقائق الدين وتاريخ الإسلام . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 37

لاحظوا ، هذا كتاب مقدمة فتح الباري ، فابن حجر العسقلاني له مقدمة لشرحه فتح الباري ، في مجلد ضخم ، في هذه المقدمة أبواب وفصول ، أحد فصولها لتعيين المبهمات ، يعني الموارد التي فيها كلمة فلان وفلان ، يحاول ابن حجر العسقلاني أن يعين من فلان ،
 

فاستمعوا إليه يقول : لم يسم القائل [ فقال قائل منهم ] ولا الناقل [ لاحظوا نص العبارة : ] ثم وجدته في الأنساب للبلاذري ، بإسناد قوي ، من رواية هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن الزهري بالإسناد المذكور في الأصل [ أي في البخاري نفسه ]
 

ولفظه قال عمر : بلغني أن الزبير قال : لو قد مات عمر بايعنا عليا . هذا الزبير نفسه الذي كان في قضية السقيفة في بيت الزهراء ، وخرج مصلتا سيفه ، وأحاطوا به ، وأخذوا السيف من يده ، ينتظر الفرصة ، فهو لم يتمكن في ذلك الوقت أن
 

يفعل شيئا لصالح أمير المؤمنين وما يزال ينتظر الفرصة . لاحظوا ، هنا أقوال أخرى في المراد من فلان وفلان ، لكن السند القوي الذي وافق عليه ابن حجر العسقلاني وأيده هذا ، لكن لاحظوا ، هناك أقوال أخرى ، وأنا أيضا لا أنفي الأقوال

الأخرى ، لأن الزبير وعليا لم يكونا وحدهما في منى ، وإنما كانت هناك
 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 38

جلسة ، وهؤلاء مجتمعون ، فكان مع الزبير ومع علي غيرهما من عيون الصحابة وأعيان الأصحاب .

لاحظوا الأقوال الأخرى أقرأ لكم نص العبارة ، يقول ابن حجر العسقلاني : وقد كرر في هذا الفصل حديث ابن عباس عن عمر في قصة السقيفة فيه ، فقال عبد الرحمن بن عوف : لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال يا أمير المؤمنين هل لك
 

[ إذن ، عندنا كلمة : رجلا ] ثم هل لك في فلان [ هذا صار اثنين ] يقول : لو قد مات عمر لبايعت فلانا . صار ثلاثة :
رجل ، فلان ، فلان .
 

من هم ؟ يقول : في مسند البزار ، والجعديات ، بإسناد ضعيف أن المراد بالذي يبايع له طلحة بن عبيد الله . إذن ، طلحة أيضا بحسب هذه الرواية كان ممن ينتظر فرصة موت عمر لأن يبايع له . لاحظوا كلام ابن حجر : ولم يسم القائل ولا الناقل
 

، ثم وجدته بالإسناد المذكور في الأصل ولفظه قال عمر : بلغني أن الزبير قال لو قد مات عمر بايعنا عليا . . . يقول : فهذا أصح . وفيه : فلما دنونا منهم لقينا رجلان صالحان ، هما عوين بن
 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 39

 ساعدة ومعد بن عدي ، سماهما المصنف - أي البخاري - في غزوة بدر ، وكذا رواه البزار في مسند عمر ، وفيه رد على من زعم كذا . ثم يقول : وأما القائل : قتلتم سعدا فقيل أو قال قائل : قتلتم سعدا ، فلم أعرفه ، لم أعرف من القائل قتلتم سعدا . هذا في مقدمة فتح الباري في شرح صحيح البخاري ( 1 ) .


وفي بعض المصادر : أن القائل عمار بدل الزبير ، هذا راجعوا فيه الطبري وابن الأثير . أما ابن حجر نفسه ، ففي شرح البخاري ، في فتح الباري ، الجزء الثاني عشر ، حيث يشرح الحديث - تلك كانت المقدمة أما حيث يشرح الحديث - لا
 

يصرح بما ذكره في المقدمة ، ولا أعلم ما السبب ؟ لماذا لم يصرح البخاري في المتن وفي أصل الكتاب ، ولا ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث ، بما صرح به في المقدمة . ثم إنه يشرح جملة : هل لك في فلان ، يقول : لم أقف على اسمه
 

أيضا ، ووقع في رواية ابن إسحاق أن من قال ذلك كان أكثر من واحد . وهذا ما ذكرته لكم من أ القول ليس قول شخص واحد ، بل
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مقدمة فتح الباري : 337 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 40

أكثر من واحد ، لأنهم كانوا جماعة جالسين جلسة فيما بينهم ، وطرحت هذه النظرية والفكرة في تلك الجلسة ، ولذا غضب عمر . قوله لقد بايعت فلانا هو طلحة بن عبيد الله أخرجه البزار من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه . إنتهى .
 

أما خبر البلاذري الذي هو أصح وقد روي بسند قوي ، فلا يذكره في شرح الحديث ، فراجعوا ( 1 ) . لكن عندما نراجع القسطلاني في شرح الحديث ، نجده يذكر ما ذكره ابن حجر في المقدمة في شرح الحديث ، في الجزء العاشر من إرشاد
 

الساري ، لاحظوا هناك يقول : لو قد مات عمر لبايعت فلانا : قال في المقدمة يعني قال ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري : في مسند البزار والجعديات بإسناد ضعيف : إن المراد . . . قال ثم وجدته في الأنساب للبلاذري بإسناد قوي من
 

رواية هشام ابن يوسف عن معمر عن الزهري بالإسناد المذكور في الأصل ولفظه : قال عمر بلغني إن الزبير قال : لو قد مات عمر لبايعنا عليا . . . الحديث ، وهذا أصح ( 2 ) . ويقول القسطلاني : وقال في الشرح قوله : لقد بايعت فلانا هو
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) فتح الباري في شرح البخاري 12 / 121 .

( 2 ) إرشاد الساري شرح صحيح البخاري 10 / 19 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 41

طلحة بن عبيد الله ، أخرجه البزار ، قرأنا هذا من شرح البخاري لابن حجر ، ثم ذكر قال بعض الناس لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلانا ، يعنون طلحة بن عبيد الله ، ونقل ابن بطال عن المهلب أن الذي عنوا أنهم يبايعونه رجل من الأنصار ، ولم يذكر مستنده وهذه إضافة في شرح القسطلاني .


وأما إذا راجعتم شرح الكرماني ، فلم يتعرض لشئ من هذه القضايا أصلا ، وإنما ذكر أن كلمة لو حرف يجب أن تدخل على فعل فلماذا دخلت لو على حرف آخر لو قد مات ، لماذا كلمة لو التي هي حرف دخلت على قد التي هي حرف ؟


لو يجب أن تدخل على فعل ، فلماذا دخلت على حرف ؟ هذا ما ذكره الكرماني في شرح الحديث ، وكأنه ليس هناك شئ أبدا . وأما صاحبنا العيني - هذا العيني دائما يتعقب ابن حجر العسقلاني ، لأن العسقلاني شافعي ، والعيني حنفي ، وبين


الشوافع والحنفية خاصة في المسائل الفقهية خلاف شديد ونزاعات كثيرة - يتعقب العيني دائما ابن حجر العسقلاني ، ولكن ليس هنا أي تعقيب ، وحتى أنه لم يتعرض للحديث الذي ذكره ابن حجر العسقلاني ، وإنما ذكر رأي غيره فلم يذكر شيئا عن ابن حجر العسقلاني أصلا ، وإنما جاء في شرح العيني : قوله : لو قد مات
 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 42

عمر ، كلمة قد مقحمة ، لأن لو يدخل على الفعل ، وقيل قد في تقدير الفعل ، ومعناه لو تحقق موت عمر . قوله لقد بايعت فلانا ، يعني طلحة بن عبيد الله ، وقال الكرماني : هو رجل من الأنصار ، كذا نقله ابن بطال عن المهلب ، لكن لم يذكر


مستنده في ذلك . وهذا غاية ما ذكره العيني في شرح البخاري . فإلى الآن ، عرفنا لماذا طرحت فكرة الشورى ؟ وكيف طرحت ؟ طرحت مع التهديد بالقتل ، بقتل المبايع والمبايع ، وللكلام بقية .
 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب