إمامة عمر بن الخطاب لم تكن بالشورى

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 17

إمامة عمر لم تكن بالشورى

ثم أراد أبو بكر أن ينصب من بعده عمر بن الخطاب ، وإلى آخر أيام أبي بكر ، لم يكن عنوان الشورى مطروحا عند أحد ، ولم نسمع ، حتى إذا أوصى أبو بكر بعمر بن الخطاب من بعده ، كما يروي القاضي أبو يوسف الفقيه الكبير في كتاب

الخراج ( 1 ) يقول : لما حضرت الوفاة أبا بكر ، أرسل إلى عمر يستخلفه ، فقال الناس : أتستخلف علينا فظا غليظا ، لو قد ملكنا كان أفظ وأغلظ ، فماذا تقول لربك إذا لقيته ولقد استخلفت علينا عمر ؟ قال : أتخوفوني ربي !

أقول : اللهم أمرت خير أهلك . هذا النص يفيدنا أمرين :

 الأمر الأول : إن إمامة عمر بعد أبي بكر لم تكن بشورى ، ولا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) كتاب الخراج : 11 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 18

بنص ، ولم تكن باختيار ، وأقصد من النص النص عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

إذن ، لم يكن لإمامة عمر نص من رسول الله ، ولم تكن شورى من المسلمين ، وإنما يدعي أبو بكر الأفضلية لعمر ، يقول للمعترضين :

 أقول : اللهم أمرت خير أهلك ، والأفضلية طريق ثبوت الإمام ، فهذا النص الذي قرأناه لا دلالة فيه على تحقق الشورى فحسب ، بل يدل على مخالفة الناس ومعارضتهم لهذا الذي فعله أبو بكر وهو الأمر الثاني .

وهذا النص بعينه موجود في : المصنف لابن أبي شيبة ، وفي الطبقات الكبرى ( 1 ) ، وغيرهما ( 2 ) .

أما لو راجعنا المصادر لوجدنا في بعضها بدل كلمة : الناس ، جملة : معشر المهاجرين .

ففي كتاب إعجاز القرآن للباقلاني ، وكتاب الفائق في غريب الحديث للزمخشري ، وكذا في غيرهما : عن عبد الرحمن بن عوف قال : دخلت على أبي بكر في علته التي مات فيها ، فقلت : أراك بارئا يا خليفة رسول الله ؟ فقال : أما إني على ذلك لشديد الوجع ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الطبقات لابن سعد 3 / 199 ، 274 .

( 2 ) تاريخ الطبري 2 / 617 - 620 ، الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة 1 / 237 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 19

وما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي ! إني وليت أموركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه ، والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير . . . إلى آخر الخبر ( 1 ) .

أي إنكم يا معاشر المهاجرين تريدون الخلافة ، وكل منكم يريدها لنفسه ، لأجل الدنيا ، ويخاطب بهذا أبو بكر المهاجرين ، بدل كلمة الناس في النص السابق .

فقال له عبد الرحمن : خفض عليك يا خليفة رسول الله ، ولقد تخليت بالأمر وحدك ، فما رأيت إلا خيرا .

من هذا الكلام نفهم أمرين أيضا :

 الأمر الأول : إنه كان هذا الشئ من أبي بكر وحده ، فقد تخليت بالأمر وحدك .

 الأمر الثاني : أن عبد الرحمن بن عوف موافق لما فعله أبو بكر .

ثم جاء في بعض الروايات اسم علي وطلحة بالخصوص ، لاحظوا : قالت عائشة : لما حضرت أبا بكر الوفاة ، استخلف عمر ، فدخل عليه علي وطلحة فقالا : من استخلفت ؟ قال : عمر ، قالا :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) إعجاز القرآن للباقلاني - هامش الإتقان - : 184 ، الفائق في غريب الحديث 1 / 45 ،
أساس البلاغة ، النهاية في غريب الحديث ، لسان العرب ، في مادة ورم . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 20

فماذا أنت قائل لربك ؟ قال : أقول استخلفت عليهم خير أهلك . ففي نص كلمة : الناس ، وفي نص كلمة : معشر المهاجرين ، وفي نص : علي وطلحة ، هذا النص في الطبقات ( 1 ) .

لكن بعضهم ينقل نفس الخبر ويحذف الاسمين ، ويضع بدلهما فلان وفلان ، والخبر أيضا بسند آخر في الطبقات .

وفي رواية أخرى : سمع بعض أصحاب النبي بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به ، فدخلوا على أبي بكر فقال قائل منهم . . . إلى آخر الخبر . ونفهم من هذا النص أمرين :

 الأمر الأول : إن أبا بكر لم يشاور أحدا في هذا الأمر ، ولم يعاونه أحد ولم يساعده ويوافقه أحد ، إلا عبد الرحمن بن عوف وعثمان فقط .

 الأمر الثاني : إن بعض الأصحاب - بدون اسم - دخلوا حين كان قد اختلا بهما - بعبد الرحمن وبعثمان - قال قائلهم له : ماذا تقول لربك . . . إلى آخر الخبر . فالمستفاد من هذه النصوص أمور ، من أهمها أمران :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الطبقات الكبرى 3 / 274 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 21

 الأمر الأول : إنه كان لعبد الرحمن بن عوف وعثمان ضلع في تعيين عمر بعد أبي بكر ، وإن شئتم التفصيل فراجعوا تاريخ الطبري ( 1 ) حتى تجدوا كيف أشار عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر ، وكيف كتب عثمان وصية أبي بكر لعمر بن الخطاب .


 الأمر الثاني المهم : إن خلافة عمر بعد أبي بكر لم تكن بنص من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا برضا من أعلام الصحابة ، بل إنهم أبدوا معارضتهم واستيائهم من ذلك ، وإنما كانت خلافته بوصية من أبي بكر فقط .


وإلى الآن ، لم نجد ما يفيد طريقية الشورى لتعيين الإمام والإمامة ، مع ذلك لو تراجعون بعض الكتب المؤلفة أخيرا ، من هؤلاء الذين يصورون أنفسهم مفكرين وعلماء ومحققين ، وهكذا تصور في حقهم بعض الناس والتبس عليهم أمرهم تجدون

هذه الدعوى : يقول أحدهم في كتاب فقه السيرة : فشاور أبو بكر قبيل وفاته طائفة من المتقدمين ، ذو النظر والمشورة من أصحاب رسول الله ، فاتفقت كلمتهم على أن يعهد بالخلافة إلى عمر بن الخطاب .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ الطبري 2 / 617 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 22

وقد رأيتم من أهم مصادرهم ، راجعوا طبقات ابن سعد ، راجعوا تاريخ الطبري ، وراجعوا سائر الكتب ، لتروا أن لم يكن لأحد دخل ورأي في هذا الموضوع ، بل الكل مخالفون ، وإنما عبد الرحمن بن عوف وعثمان .

وسنرى من خلال الأخبار ومجريات الحوادث أن هناك تواطئا وتفاهما على أن يكون عثمان بعد عمر ، وعلى أن يكون عبد الرحمن بعد عثمان ، ويؤكد هذا الذي قلته النص التالي ،

فلاحظوا : إن سعيد بن العاص أتى عمر يستزيده [ سعيد بن العاص تعرفونه ، هذا من بني أمية ، ومن أقرباء عثمان القريبين ، الذي ولاه على بعض القضايا ، وصدر منه بعض الأشياء ] في داره التي بالبلاط ، وخطط أعمامه مع رسول الله ،

فقال عمر : صل معي الغداة وغبش ، ثم أذكرني حاجتك ، قال : ففعلت ، حتى إذا هو انصرف ، قلت : يا أمير المؤمنين الحاجة التي أمرتني أن أذكرها لك ، قال : فوثب معي ثم قال : إمض نحو دارك حتى انتهيت إليها ، فزادني وخط لي برجله

، فقلت : يا أمير المؤمنين ، زدني ، فإنه نبتت لي نابتة من ولد وأهل ، فقال : حسبك وخبئ عندك أن سيلي الأمر بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك ، قال : فمكثت خلافة عمر بن الخطاب ، حتى استخلف عثمان ، فوصلني وأحسن وأقضى
 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 17

حاجتي وأشركني في إمامته . . . إلى آخر النص . وهذا أيضا في الطبقات ( 1 ) . يقول عمر لسعيد بن العاص أن انتظر سيعطيك ما تريد الذي سيلي الأمر من بعدي ، واختبئ عندك هذا الخبر ، فليكن عندك السر .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) طبقات الكبرى 5 / 31 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب