الإمامة بيد الله سبحانه و تعالى

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 9

الإمامة بيد الله سبحانه وتعالى إنه وإن أخبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن ثبوت الإمامة لأمير المؤمنين سلام الله عليه قبل هذا العالم ، أخبرنا بأن الإمامة والوصاية والخلافة من بعده ثابتة لعلي ، هذا الثبوت قبل هذا العالم كان لأمير المؤمنين ، كما ثبتت النبوة والرسالة لرسول الله قبل هذا العالم . . .


أخبرنا رسول الله عن هذا الموضوع في حديث النور ، هذا الحديث في بعض ألفاظه : كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم ، قسم ذلك النور جزئين ، فجزء أنا وجزء علي .

هذا الحديث من رواته : 1 - أحمد بن حنبل ، في كتاب المناقب .

 2 - أبو حاتم الرازي .

 3 - ابن مردويه الإصفهاني .
 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 10

 4 - أبو نعيم الإصفهاني .

 5 - ابن عبد البر القرطبي .

 6 - الخطيب البغدادي .

 7 - ابن عساكر الدمشقي .

 8 - عبد الكريم الرافعي القزويني ، الإمام الكبير عندهم .

 9 - شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني .

وجماعة غير هؤلاء ، يروون هذا الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بواسطة عدة من الصحابة ، وبأسانيد بعضها صحيح ( 1 ) . وقد اشتمل بعض ألفاظ هذا الحديث على قوله : فجعل في النبوة وفي علي الخلافة ( 2 ) ، وفي بعضها : فجعل في الرسالة وفي علي الوصاية ( 3 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مناقب علي لأحمد بن حنبل ، وعنه المحب الطبري في الرياض النضرة 2 / 217 ،
وسبط ابن الجوزي في التذكرة : 46 ، ورواه الحافظ الكنجي في الكفاية : 314 عن ابن عساكر والخطيب البغدادي ،
وانظر : ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق 1 / 135 ، ونظم درر السمطين : 78 - 79 ،
وفرائد السمطين 1 / 39 - 44 ، والمناقب للخوارزمي : 88 ، والمناقب لابن المغازلي 87 - 89 .

( 2 ) رواه الديلمي في فردوس الأخبار ، وابن المغازلي في المناقب ، وغيرهما من الأعلام .

( 3 ) رواه جماعة ، منهم : ابن المغازلي في المناقب . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 11

لكن كلامنا في هذا العالم ، وأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أخبر عن أن الإمامة إنما هي بيد الله سبحانه وتعالى ، الإمامة حكمها حكم الرسالة والنبوة كما ذكرنا ، ففي أصعب الظروف وأشد الأحوال التي كان عليها رسول الله في بدء

الدعوة الإسلامية ، عندما خوطب من قبل الله سبحانه وتعالى بقوله : ( فاصدع بما تؤمر ) ( 1 ) جعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعرض نفسه على القبائل العربية ، ففي أحد المواقف حيث عرض نفسه على بعض القبائل العربية ودعاهم

إلى الإسلام ، طلبوا منه واشترطوا عليه أنهم إن بايعوه وعاونوه وتابعوه أن يكون الأمر من بعده لهم ، ورسول الله بأشد الحاجة حتى إلى المعين الواحد ، حتى إلى المساعد الواحد ، فكيف وقبيلة عربية فيها رجال ، أبطال ، عدد وعدة ، في مثل

تلك الظروف لما قيل له ذلك قال : الأمر إلى الله . . . ولقد كان بإمكانه أن يعطيهم شبه وعد ، ويساومهم بشكل من الأشكال ، لاحظوا هذا الخبر : يقول ابن إسحاق صاحب السيرة - وهذا الخبر موجود في سيرة ابن هشام ، هذا الكتاب الذي هو تهذيب

أو تلخيص لسيرة ابن إسحاق - : إنه - أي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة الحجر : 94 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 12

إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجل منهم ويقال له بحيرة بن فراس قال : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من

بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ، فقال له : أفتهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه ( 1 ) .


وفي السيرة الحلبية : وعرض على بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة فقال له رجل منهم : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فقال : الأمر إلى الله يضعه حيث شاء ، فقال له : أنقاتل العرب دونك ،


وفي رواية : أفتهدف نحورنا للعرب دونك ، أي نجعل نحورنا هدفا لنبالهم ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه ( 2 ) . هذا ، والرسول - كما أشرت - في أصعب الأحوال وأشد الظروف ، وكل العرب وعلى رأسهم قريش يحاربونه ويؤذونه بشتى أنواع الأذى ، يقول : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ، وهذا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سيرة ابن هشام 1 / 424 . ( 2 ) السيرة الحلبية 2 / 154 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 13

معنى قوله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ( 1 ) .

ولو راجعتم الآيات الكريمة الواردة في نصب الأنبياء ، غالبا ما تكون بعنوان الجعل وما يشابه هذه الكلمة ،

لاحظوا قوله تعالى : ( إني جاعلك للناس إماما ) ( 2 ) هذا في خطاب لإبراهيم ( عليه السلام ) ،

وفي خطاب لداود : ( إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ) ( 3 ) .


ومن هذه الآية يستفاد أن الحكم بين الناس حكم من أحكام النبوة والرسالة ( إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ) الحكم من أحكام الخلافة ، وليست الخلافة هي الحكومة ، وقد أشرت إلى هذا من قبل في بعض البحوث ، الخلافة ليست الحكومة ،

وإنما الحكومة شأن من شؤون الخليفة ، تثبت الخلافة لشخص ولا يتمكن من الحكومة على الناس ولا يكون مبسوط اليد ولا يكون نافذ الكلمة ، إلا أن خلافته محفوظة . وإذا كانت الآيات دالة على أن النبوة والإمامة إنما تكون بجعل من الله سبحانه وتعالى ، فهناك بعض الآيات تنفي أن تكون النبوة
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة الأنعام : 124 . ( 2 ) سورة البقرة : 124 . ( 3 ) سورة ص : 26 . ( * )

 

 

- الشورى في الإمامة - السيد علي الميلاني ص 14

والإمامة بيد الناس كقوله تعالى : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون ) ( 1 ) ، وذيل الآية ربما يؤيد هذا المعنى ، إن القول باشتراك الناس وبمساهمتهم وبدخلهم في تعيين النبوة لأحد أو تعيين الإمامة

لشخص ، هذا نوع من الشرك ، وإلى الآن نرى أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصرح بأن الأمر بيد الله ، أي ليس بيد النبي ، فضلا عن أن يكون بيد أحد أو طائفة من الناس .


حتى إذا أمر بإنذار عشيرته بقوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ( 2 ) فجمع أقطابهم ، فهناك أبلغ الناس بأن الجعل بيد الله ، وأخبرهم بالذي حصل الجعل له من الله من بعده ( 3 ) .

وهكذا كان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينص على علي ، وإلى آخر لحظة من حياته المباركة . ولم نجد ، لا في الكتاب ولا في سنة رسول الله دليلا ولا تلميحا وإشارة إلى كون الإمامة بيد الناس ، بأن ينصبوا أحدا عن طريق الشورى مثلا ، أو عن طريق البيعة والاختيار ، ولا يوجد أي دليل على ثبوت الإمامة بغير النص .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سورة القصص : 68 . ( 2 ) سورة الشعراء : 214 . ( 3 ) تقدم الكلام على حديث الدار . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب