تدوين الحديث في عهد عمر بن عبد العزيز

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 54

 الخطوة الأولى في تدوين الحديث : كان وضع الحديث بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هو كما أوردناه ، ففي عهد خلفاء بني أمية

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 55

الذين التهوا بالمنكرات والفواحش وانغمسوا في البذخ والشهوات [ صار مآل الحديث ، والأصح صارت الأمور المعنوية مقبورة ] في صندوق النسيان بحيث لم يبق من الدين إلا اسمه ، ومن القرآن إلا رسمه ،

وأما العلماء والحفاظ في عهد بني أمية فقد تماشوا مع التأثيرات الاجتماعية ، وجعلوا سيرة أسلافهم ، والخلفاء الراشدين معيارا وملاكا لفعلهم وعملهم ، فأخرجوا من عقولهم كل ما يمت إلى الحديث تدوينا وكتابة ورسموا عليه خط البطلان ، حتى آلت الخلافة والحكومة إلى عمر بن عبد العزيز عام 99 - 101 ه‍ .


قام عمر بن عبد العزيز في مدة خلافته القصيرة ببعض الإنجازات الإيجابية والمفيدة ، منها : إنه ألغى المنع والحظر عن رواية الحديث وكتابته الذي كان عليه سلفه من الخلفاء ، وأمر بتدوينه .

روى البخاري : أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم الذي تقلد القضاء أن أنظر ما كان من سنة أو حديث فإني خفت اندراس العلم وذهاب الحديث ( 1 ) .


تدوين الحديث في عهد عمر بن عبد العزيز : يعتقد بعض علماء أهل السنة الذين نقلوا رسالة عمر بن عبد العزيز المذكورة : أن تاريخ الرسالة هو تاريخ تدوين الحديث حيث بدأ التدوين منذ تاريخ أمر عمر بن عبد العزيز أي من السنة الأخيرة من

القرن الأول أو السنة الأولى من القرن الثاني ( 2 ) ولكن العلامة السيد حسن الصدر - 1354 ه‍ - يرد هذه النظرية مستندا إلى الشواهد والمصادر التاريخية فقال : أول من صنف في الحديث الإمام مالك لما كتب الموطأ بأمر من الخليفة العباسي المنصور 136 - 185 ، ثم يذكر العلامة الصدر الأدلة التي تؤيد رأيه :

 1 - إن خلافة عمر بن عبد العزيز لم تتجاوز السنتين وخمسة أشهر .

 2 - لم يؤرخ زمان صدور أمر عمر بن عبد العزيز هل كان في بداية عهده بالخلافة أم نهايته ؟

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري 1 : 36 كتاب العلم باب كيف يقبض العلم .
( 2 )
فتح الباري لابن حجر 1 : 157 ، إرشاد الساري للعسقلاني 1 : 7 ، تدريب الراوي للسيوطي 1 : 90 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 56

 3 - لم ينقل لنا التاريخ بأن أبا بكر بن حزم قد امتثل أمر الخليفة ، إذ لا يوجد ما يدل على الامتثال من أثر أو كتاب لابن حزم ، وما ذكره الحفاظ والمؤرخون تأييدا لهذه النظرية فهو مبني على الحدس والاحتمال .


 4 - فلو كان صدور الأمر في عهد ابن حزم ثابتا وكان تاريخ التدوين للحديث قطعيا لم وقع الاختلاف ؟

ولماذا صرح بعض المحدثين والمؤرخين بتاريخ التدوين في أواخر القرن الثاني الهجري كالحافظ الخبير الذهبي : إن تدوين الحديث وكتابته بدأ بعد انقراض وسقوط الدولة الأموية وانتقالها إلى بني العباس ؟ .

وكذلك لا يوجد أحد من المؤرخين والحفاظ المتقدمين من يؤيد رأي السيوطي وابن حجر ( 1 ) .


ونقول تأييدا لما قاله العلامة الصدر : إن ابن حجر نفسه يبدي في مؤلفاته الأخرى أقوالا غير ما مر ، فيقول حينا : إن أول من صنف الربيع بن صبيح ( 2 ) .
 

وتارة أخرى يقول : أول من دون الحديث ابن شهاب الزهري في أواخر القرن الأول امتثالا لأمر عمر بن عبد العزيز ( 3 ) ، وقال قولا آخر : أول من ألف الحديث ابن حزم ( 4 ) .


ويقول محمد فريد وجدي : أول من صنف الحديث هو الإمام مالك لما كتب الموطأ ، وقيل : إنه ابن جريج - 150 ه‍ - ( 5 )

وادعى الشلبي : أن أول كتاب صنف في الإسلام هو كتاب ابن جريج . ثم يضيف :

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تأسيس الشيعة : 278 - 279 بتصرف .
( 2 )
هدى الساري مقدمة فتح الباري : 4 .
( 3 )
فتح الباري 1 : 218 .
( 4 )
فتح الباري 1 : 157 .
( 5 )
دائرة معارف القرن العشرين 3 : 361 مادة حدث . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 57

وقيل : الموطأ لمالك ، وقيل : أول من صنف وبوب ربيع بن صبيح ( 1 ) .

وذكر الحافظ الذهبي في حوادث عام 143 ه‍ : في هذا العصر شرع علماء الإسلام في مكة والمدينة بتدوين الحديث ( 2 ) .

قال الدكتور أحمد أمين في ضمن البحث عن أمر عمر بن عبد العزيز : كل ما نعلمه أنه لم تصل إلينا هذه المجموعة ، ولم يشر إليها فيما نعلم جامعوا الحديث بعد ، ومن أجل هذا شك بعض الباحثين من المستشرقين في هذا الخبر ، إذ لو جمع شئ

من هذا القبيل لكان أهم المراجع لجامعي الحديث ، ولكن لا داعي إلى هذا الشك ، فالخبر يروي لنا أن عمر أمر ، ولم يرو لنا أن الجمع تم ، فلعل موت عمر تم سريعا وعدل أبو بكر عن أن ينفذ ما أمر به ( 3 ) .


وتلاحظ أيها المطالع أن العلماء قد اختلفوا في تاريخ تدوين الحديث ، وكذا في أول مؤلف من أهل السنة اختلافا شديدا ، وأما ثبوت التدوين في عهد عمر بن عبد العزيز فإنه خال من الدليل سوى ما قاله البخاري بهذا الصدد من أن عمر بن عبد العزيز قد أمر بجمع الأحاديث وتدوينها . ولكن هل هذا الأمر قد امتثل أم لا ؟ فالتاريخ بل القرائن والشواهد تثبت عكس ذلك .


وعلى كل حال فإن الحديث قد تم تدوينه بعد قرن ونصف قرن من الزمان ، وعندئذ خرج من حيز النسيان والانزواء إلى حيز المدارسة والكتابة .

ولما كان المسلمون ينظرون إلى التدوين بكونه عملا مخالفا للسنة ومحرما ، لذلك فإنهم استصعبوه واستثقلوه في بادئ الأمر حتى أجبرهم الخلفاء على ذلك . يقول معمر عن الزهري : كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء ( 4 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) كشف الظنون 1 : 637 باب علم الحديث .
( 2 )
دراسات في الكافي والبخاري : 21 .
( 3 )
ضحى الإسلام 2 : 106 - 107 .
( 4 )
الطبقات الكبرى 2 : 389 ذكر من كان يفتي بالمدينة بعد أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، جامع بيان
العلم 1 : 67 . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب