وأما العدالة التي وصف بها كل الصحابة ، لصحبتهم النبي (
صلى الله عليه وآله ) وجعلتهم من مصادر التشريع الإسلامي التي لا يجوز ردها ،
فيقول فيها إمام الجرح والتعديل أبو حاتم الرازي : " أما أصحاب رسول الله ( ص )
، فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل ، وعرفوا التفسير والتأويل ، وهم الذين
اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه ( ص ) ونصرته وإقامة دينه
وإظهار حقه ، فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة،
فحفظوا عنه ( ص ) ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر
ونهى ، وحظر وأدب ، ووعوه وأتقنوه ، ففقهوا في الدين ، وعلموا أمر الله ونهيه
ومراده بمعاينة
رسول الله ( ص ) ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله
وتلقفهم منه واستنباطهم عنه ، فشرفهم الله بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه
إياهم موضع القدوة ، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز ،
وسماهم عدول الأمة " ( 1 ) .
بيد أن الغزالي يرد جميع المذاهب
التي رأت القول بعصمة الصحابة وحجية قولها ، فيقول : " قد ذهب قوم إلى أن مذهب
الصحابي حجة مطلقا ، وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس ، وقوم إلى أن الحجة في
قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله :
اقتدوا بالذين من بعدي ، وقوم إلى أن الحجة في قول
الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا . والكل باطل عندنا " ( 2 ) ، فيكون الإمام
الغزالي بهذا قد رمى بعصمة الصحابة وحجية أقوالهم في مزبلة الباطل .
على أن انشعاب القوم في مسألة حجية قول الصحابة وذهابهم تلك
المذاهب يدل بوضوح على أن عدالة الصحابة بأجمعهم أمر فيه اضطراب أدى إلى هذا
التقسيم ، إذ ليس من بينها مذهب يمكن الاعتماد عليه ، لأن واقع الصحابة من حيث
الوقوع في الخطأ والاختلاف يبطل تلك المذاهب والنصوص التي اعتمدوا عليها من
السنة في حجية الصحابة كافة .
إن الذين ذهبوا إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا لا شك أنهم
واقعون في التناقض الذي يوجب تأييد رأي ضد رأي أو رد كلا الرأيين . وهذا
التضارب إما من حيث اختلاف الصحابة فيما بينهم ، أو من حيث اختلاف أقوال
الصحابي نفسه ، أو من حيث مخالفة أقوالهم أحيانا للقرآن والسنة .
أما قول البعض بأنه حجة إذا خالف القياس فمفهومه أنه ليس
حجة إذا خالف القرآن والسنة ، لأنهما مقدمان على القياس بلا خلاف .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تقدمة المعرفة لكتاب
الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327 ه ، ص 7 "
الصحابة " .
( 2 ) المستصفى في علم الأصول للإمام
الغزالي 1 : 260 . ( * )
|
|
|
أما قول البعض بأن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة ، فهم
مطالبون بتوضيح ما صدر منهما من أفعال خالفت القرآن والسنة النبوية . ثم إنه
كيف يكون الحال إذا خالف قول الصحابي قياس صحابي آخر ، وأي القولين عندئذ أولى
بالترجيح ؟
وأما حجية أقوال الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا ، فهذا شرط
يفهم منه عدم حجية رأي أحدهم منفردا أو إذا خالفه الآخرون منهم . وتأييد رأي
أحدهم ضد رأي الآخر يقتضي نسبة الخطأ للآخر ، إذ لا يمكن أن يصح الرأيان مع
الاختلاف بينهما ، فأين انتفاء الخطأ عن كل الصحابة ؟ !
أما الأحاديث التي اعتمدوا عليها في
منح العدالة لكافة الصحابة ، فمنها حديث الاقتداء الذي نصه : " أصحابي
كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .
ومنها حديث الخلفاء
الراشدين الذي نصه : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " .
ومنها حديث الاقتداء
بالذين . . . ونصه : " اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر " .
وسنبحث هذه الأحاديث ونورد أمثلة تبين خطأ المعتمدين
عليها في فرض حجية كافة الصحابة أو الأربعة منهم أو أبي بكر وعمر .
وسنحصر البحث في مطابقة متون هذه الأحاديث لواقع الصحابة
، وهذا وحده كفيل ببيان حقيقة وضع هذه الأحاديث ، وخطأ نسبتها إلى النبي ( صلى
الله عليه وآله ) . على أن هذه الأحاديث من حيث السند ساقطة أيضا ، وهذا ثابت
في مظانه.
ومن هذا يتضح أن معنى العدالة التي صارت سمة عامة لكافة الصحابة هي العصمة
تماما ، فمن ناحية قوله : " فحفظوا عنه ( ص ) ما بلغهم عن الله عز وجل ومن سن
وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب ، ووعوه فأتقنوه ، ففقهوا
في الدين وعلموا أمر الله " ينضاف إليهم إلى جانب الصحبة
صفة العلم ، فالصحابة على هذا القول كلهم من العلماء الذين فقهوا في الدين
وعلموا أمر الله وأحكامه ونواهيه بوعي وإتقان دون شائبة .
والحال ليس كذلك ، لأن الوقوع في الخطأ سببه الجهل . ومن
ناحية قوله : " فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز " ينضاف
إليهم صفة العدالة ، وهي بهذا المعنى لا يفهم منها إلا العصمة ، لأن الذي نفي
عنه الغلط
والخطأ والكذب والشك فهو معصوم بلا كلام .
فيتضح لنا أن العدالة التي وصف بها كل من أسلم وشاهد النبي
( صلى الله عليه وآله ) هي العصمة عن الخطأ والشك والكذب . ومما يؤكد أن معنى
عدالة الصحابة هي عصمتهم عن الخطأ والشك والكذب ما قاله ابن الأثير ، فهو يقول
: " والصحابة يشاركون كافة الرواة . . . إلا في الجرح والتعديل ، فإنهم عدول لا
يتطرق إليهم الجرح " ( 1 ) .
وهكذا ينسب ابن الأثير العصمة إلى كل
الصحابة بقوله : " لا يتطرق إليهم الجرح " فالذي لا يتطرق إليه الجرح ،
إما أن يكون فيه أسباب الجرح وهي الخطأ والشك والكذب . . . ورغم ذلك لا يجرح
ولا يطعن فيه ، وهذا ما لا يقره عاقل فضلا
عن الدين الإسلامي وشرعه الذي جاء يدعو الناس للعدل
والمساواة ، وإما أن يكون ليس فيه من أسباب الجرح والطعن شئ قط ، بمعنى أن يكون
قد نفي عنه الغلط والشك والكذب حقيقة ، فهو المعصوم . فهذا ما حواه معنى كلام
أبي حاتم الرازي ، سواء قصد هذا أو لم يقصده .
ومن المستبعد أن يكون غير مقصود منه ، لأن قول الصحابي
لهذا السبب صار من مصادر التشريع الأساسية .
وبعد هذا التحليل والشرح الوجيز ، نفهم بكل وضوح أن الصحبة
التي نالها البعض بالرؤية فقط لا بالملازمة اللصيقة ولا بالانقياد التام
والطاعة الحقة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا بالأخذ الصحيح منه الذي سيؤدي
إلى العلم اليقيني بالشئ الباعث لإرث الأنبياء " العلماء ورثة الأنبياء " .
أقول : هذا النوع من الصحبة
استوجب هذه العصمة وتلك العدالة التي لا تتوفر إلا في نبي مرسل أو إمام منصوص
عليه . على أن الذين منحوا كل من أسلم وشاهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بلا
استثناء هذا النوع من الصحبة المقرون بالعدالة
المستوجبة للعصمة قد اعتمدوا كما أسلفنا على أحاديث هي
في حقيقة الأمر واهية وضعيفة لم تسلم هي نفسها من الجرح والقدح فضلا عن إعطائها
العصمة بالدلالة على من لا يستحقها ، فإلى تفصيل البحث حول هذه الأحاديث ومدى
دلالتها على عدالة الصحابة كافة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أسد الغابة في معرفة
الصحابة لابن الأثير 1 : 10 المقدمة . ( * )
|
|
|