|
- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين ص 213 :
|
أولو الأمر هم أهل البيت عليهم السلام
أن أولوية أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله في تولي أمور
المسلمين ، والانفراد بلقب " أولي الأمر " بعد النبي صلى الله عليه وآله دون
غيرهم من الناس . . لهي أولوية تأخذ شكلها الطبيعي من عبارات الوحي بشقيه ،
فالنبي صلى الله عليه وآله
لم يكن يرى من هو أولى منهم بهذا المقام ، بل لم يكن
يراه لغير هم أبدا ، إذ أننا نلمس ذلك في المقام ، الذي حفظه النبي الكريم لهم
.
وليس ذلك من حيث الاحساس الأبوي الخاضع لقوانين النفس
البشرية ، وإنما هو أمر تلقاه النبي صلى الله عليه وآله متنزلا من مقامات الوحي
الإلهي ، موضحا السنخية والشبه الذاتي بين أهل البيت النبوي و بين محمد صلى
الله عليه وآله ذلك لأن
الأبوة مهبط لوحي العاطفة التي كثيرا ما تتخطى الحق
وتنطق عن الهوى ولهذا فقام أهل البيت لما كان مرتكزا على الأمر القرآني بوجوب
طاعتهم من حيث إنهم أولو الأمر ، ترى الشق القرآني يمثل أساسا منيعا لمقام
العترة ، وحينما ترى وصف
السنة لعترة النبي عليه وعليهم الصلاة والسلام بأنهم
الهداة الذين لا يضل من تمسك بهم تعلم طبيعة هذا المقام الصادرة من جانب الوحي
الإلهي وعندئذ نعلم السنخية بين العترة ومحمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وبيان هذا المقام ليس له مسير غير قنوات الوحي الذي ينتظم
كل نفس النبي صلى الله عليه وآله وكل حياته بحركاتها وسكناتها ، ولهذا كان
الاستحقاق للخلق العظيم الذي يبرئ النبي عليه وآله الصلاة والسلام من نزعات
الأبوة البشرية في بيان مقام
العترة . وعلى هذا الأساس فهو مقام لهم من صميم أنوار
النبوة ، بل مقام من مقاماتها ، صاغه الوحي في عبارات لا تخفى على من له مسكة
من الادراك وقدر من ملكة التدبر .
( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا
المودة في القربى ) ( 1 ) ، فالأجر لا بد أن يكون على قدر نوع العمل ،
ولذا فمودة أهل البيت لا بد أن تساوق من حيث القدر ما جاء به النبي الأكرم من
نعمة الإسلام والرحمة التي ما أرسل إلا بها .
ولو كان هناك أجر يضاهي ذلك غير مودة أهل البيت يمكن أن
يكافأ به النبي صلى الله عليه وآله لكان هو الأجر . . وهذا أمر لو تدبرنا عظيم
. إن هذا الأجر أدناه تسليم زمام الأمر في قيادة المسلمين وإدارة شؤونهم بعد
النبي الأكرم لأهل بيته الذين ساوت مودتهم - من حيث إنها الأجر - نعمة الدين
الإسلامي من حيث إنه عليه بهذه المودة .
وهذا التساوي السنخية والشبه القوي بين النبي صلى الله عليه
وآله وهذا الدين الذي هو خلق النبي المعصوم وطريقة حياته صلى الله عليه وآله من
ناحية . . والشبه القوي بين العترة الطاهرة والنبي صلى الله عليه وآله من ناحية
أخرى .
ووجه الشبه بين العترة والنبي الأكرم هو تلك المودة ، من
حيث إنها واجبة في حق العترة ، ومن حيث إنها الأجر الذي استحقه النبي صلى الله
عليه وآله مقابل ما جاء به للناس من هداية ورحمة . . فمودة العترة كأجر ترضي
النبي صلى الله عليه وآله بلا ريب ، فهي في حقيقة الأمر مودة للنبي نفسه ،
فتدبر .
ولكن ، هل تصح هذه المودة مع المخالفة للنبي في نهجه ؟
وهل يمكن تصورها مع مشاقة النبي صلى الله عليه وآله ؟ !
أبدا . فلا يستطيع أحد ادعاء مودة النبي صلى الله عليه
وآله وهو مخالف له . فهذه المودة لا تستقيم إلا باتباع النبي صلى الله عليه
وآله ، ولما كانت مودة النبي صلى الله عليه وآله هي في عترته . .
فما هو أنسب أسلوب للمودة يمكن أن يحفظ به النبي صلى
الله عليه وآله في عترته ؟
أليس هو الاتباع للعترة والاقتداء بهم . ؟
أجل ، إن مودة النبي صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم
السلام لا تغني إلا اتباع النبي الكريم باتباع أهل البيت من عترته ، لأن هذا هو
الذي يرضي النبي صلى الله عليه وآله ويسره لا غير .
ولو كان ودهم يعني المحبة دون الاتباع فهذا لا يختص بأهل
البيت النبي وحدهم ، وإنما هو أمر مطلوب بين عامة المؤمنين الذين هم في توادهم
وتراحمهم كالجسد الواحد . . .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الشورى :
23 . ( * )
|
|
|
إذا، فلا يختص أهل البيت بذلك، ولكن إضافة إلى هذا
المعنى الشامل لكل المؤمنين يتوفر معنى آخر يتميز به ود النبي صلى الله عليه
وآله عما سواه من ود بين المسلمين، وهو الاقتداء والاتباع بلا ريب، كما كان حب
الله هو اتباع النبي صلى الله عليه وآله، إذ ليس لحب الله معنى إذا قرن بمخالفة
النبي صلى الله عليه وآله ( قل إن كنتم تحبون الله
فاتبعوني يحببكم الله ) ( 1 ) . .
فحب الله يستلزم اتباع النبي صلى الله عليه وآله الذي هو
سبب حب الله للتابعين ، وهو رحمته .
إن الهدف الأساسي والدائم للقرآن
هو تهيئة وسائل وسبل الهداية والنجاة للناس بحكم أنه رحمة جاءت للناس عبر النبي
صلى الله عليه وآله الذي ما أرسل إلا رحمة بهذا القرآن . ولا يمكن أن يحدد الله
الأجر للناس مقابل هذا الدين وتلك الرحمة ،
ويكون هذا الأجر متضمنا للشقاء ! فهذا الأجر الذي هو
مودة العترة أحد قنوات هذه الرحمة الإلهية . كما لا يمكن أن تتحقق هذه الرحمة
مع المخالفة . .
إذا ، لكي تنتقل الرحمة أيضا عبر هذا الأجر - أي مودة أهل
بيت النبي صلى الله عليه وآله - لا بد أن تعني تلك المودة الاتباع والاقتداء .
وبهذا يتحقق الهدف الأساسي للدين ، وهو هداية الناس وإرشادهم لما هو خير لهم
وأبقى ، لأن المخالفة عمدا أو تساهلا تبعد المخالف عن قنوات الرحمة تلك .
ولهذا ، لا يستقيم ودهم وحبهم مع مخالفتهم في أمر أو نهج ،
لأن في هذا إيذاءهم وإيلامهم بلا شك . ولا يلتئم وودادهم ووداد من صدر منه
إيذاؤهم وإيلامهم ووداد من كانت منه شكواهم .
ولهذا كانت مودة أهل البيت أعظم أجر يتلقاه النبي صلى الله
عليه وآله من أمته . . لماذا ؟ لأن النبي الأكرم - الذي هو عزيز عليه ما عنت
المؤمنون ، حريص عليهم في هدايتهم ، رؤوف بالمؤمنين رحيم - لا يسره شئ مثل أن
يرى أمته في نجاة وسلامة وفي أمن من عذاب يوم عظيم .
ولذا كان اتباع الناس لأهل بيته في دينهم أجرا يتحقق به
رضاه وسروره لما سيجده الناس من نجاة وسلامة . فالنبي صلى الله عليه وآله وأهل
بيته الكرام هم حملة هذا الدين ، وهم العارفون به ، والرافعون عنه ضلالات
المضلين وأخطاء الجاهلين ، وأحقاد الحاقدين ، ونفاق المنافقين . وليس هذا
| |
* هامش * |
|
| |
1 - آل عمران :
31 . ( * )
|
|
|
مختصا بزمان دون زمان ، أو مكان دون مكان ، وإنما هذه
مهمة ومسؤولية كانت على عاتقهم منذ أن أنزل الله تعالى قوله
( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ( 1 ) فأراد الله بذلك
إعدادهم لتلك المسؤولية التي انحصر القيام بها فيهم ، استمرارا لمنهاج النبي
صلى الله عليه وآله .
ثم إن هذه المسؤولية نالها أهل البيت في مقابل الالتزام
الذي تأسس يوم عرض النبي صلى الله عليه وآله هذا الدين على عشيرته الأقربين ،
طالبا منهم العون والمؤازرة في مسؤولية القيام بتبليغه ، على أن تكون لمن يلتزم
المؤازرة والمناصرة الخلافة والولاية على الناس من بعد النبي صلى الله عليه
وآله .
فالتزم الإمام علي عليه السلام بذلك مؤسسا بالتزامه هذا
مسؤولية عترة النبي الكريم الذين نشأوا وتربوا عليها أحسن تربية وأفضل تنشئة في
كنف النبي صلى الله عليه وآله ، يرفع إليهم كل يوم علما ، إعدادا لهم واختصاصا
بهذا المقام، باعتباره ثوابا وأجرا لما التزم به علي عليه السلام ، مؤسسا بذلك
المقام والمسؤولية الطبيعية لذريته من أبناء الرسول صلى الله عليه وآله .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله
بعد أن جمع إليه أربعين نفرا من قريش من بني عبد المطلب :" . . . يا بني عبد
المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، جئتكم
بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه
، فأيكم يوازرني على أمري هذا ، على أن يكون أخي ووصيي
وخليفتي من بعدي ؟ فقام علي عليه السلام : " أنا يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه
. فأخذ رسول الله وقال : إن هذا أخي ووصيي ، وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا
. . . " ( 2 ) .
إذا ، فهذه الأولوية في تولي أمر المسلمين بعد النبي الأكرم
أمر ثابت للعترة ، ولا يجوز لأحد أن ينافسهم فيه وينازعهم . والقبول بهذا
الالتزام لنيل هذا المقام هو إشارة واضحة إلى الإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى
الله عليه وآله . . فنالت ذلك العترة بالإيمان المبكر الذي شع في قلب سيدها
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .
وهكذا ظل الأمر فيهم إيمانا خالصا لم تخالطه شوائب الشرك أو
نزعات الشك التي أصابت البعض قبل إسلامهم وبعده .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الشعراء :
214 .
2 - تاريخ الطبري 2 : 217 ،
الكامل في التاريخ 2 : 22 ،
السيرة الحلبية 1 : 381 . ( * )
|
|
|
ثم إنه لما حانت لحظة من لحظات الدفاع عن هذا الدين أمام
افتراءات نصارى نجران ، لم يستنفر الله تعالى لهذه المهمة العظيمة غير النبي
صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأكارم .
فهؤلاء نصارى نجران يحاجون النبي الكريم من بعد ما جاءه من
العلم في أمر عيسى عليه السلام ، فيأمره الله تعالى بمباهلتهم ، ولكن بعد أن
يدعو أهل بيته إذ أنهم شركاء في الأمر ، فقال له تعالى :
( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم
ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )
( 1 ) .
إن هذا الأسلوب في الدفاع عن الدين والذب عنه ليس في مقدور
أي فرد من الناس ، ذلك لأنه ليس فيه سلاح سوى سلاح الإيمان واليقين الصادق بما
نزل به الوحي ، بل ليس إيمانا مسبوقا بالشرك أو يمكن أن يخالجه شك من بعد .
وإن الدفاع عن هذا الدين بالسيف هو دفاع لا شك فيه ،
ولكن قد يكون المدافع لا يملك إلا سيفه وشجاعته وحميته ، أو قد لا يملك إلا
الرغبة في الغنائم ومكتسبات الحرب . . أما الوقوف أمام النصارى ، ودعوتهم إلى
التوجه إلى الله تعالى بالمباهلة - لتحديد الكاذب من الصادق في أمر الدين - فهو
أمر يستوجب يقينا بهذا الدين وربه ، لا يشوبه شئ .
ولما كان الله تعالى لا يمكن أن يختار لهذا الأمر شخصا شاب
إيمانه شك وريب أو نقص وضعف . . كان إيمان العترة في أوج كماله وتمامه ،
فانتدبهم الله تعالى للذب عن الدين بهذا السلاح الإيماني التصديقي .
فدعا الحسن والحسين ، لقوله " أبناءنا " ، ودعا فاطمة
لقوله " نساءنا " ، ودعا عليا وجاء بنفسه لقوله " أنفسنا " ، إذ قصد من قوله "
أنفسنا " محمدا وعليا في آن واحد ، وهو يوضح أنهما من نفس واحدة .
وبهذا يؤكد الوحي تقدم أهل البيت في القيام بمسؤولية هذا
الدين ولازم ذلك عدم أهلية غيرهم لهذه المسؤولية في هذه المقام المتقدم بالذات
، أي مقام أولي الأمر . فالعامل في السفينة ليست له مهمة الربان فيها ، وليس هو
أهل لقيادتها ، وإن حذق في وظيفته . وإنما هو أهل لما هو فيه من وظيفة ومسؤولية
تدار من مقام الربانية .
| |
* هامش * |
|
| |
1 - آل عمران :
61 . ( * )
|
|
|
ونسبة لهذه الأولوية في مقام القدوة والاقتداء ، في جميع
مناحي الحياة بلا استثناء ، قال النبي صلى الله عليه وآله محذرا : " إني تارك
فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فلا تقدموهم
فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " .
ويقول ابن حجر : " وفي قوله
صلى الله عليه [ وآله ] وسلم : فلا تقدموها فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا
، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم . . دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية
والوظائف الدينية كان مقدما على غيره " ( 1 ) .
على أن قوله صلى الله عليه وآله : " ولا تعلموهم فإنهم أعلم
منكم " إشارة إلى أعلميتهم الأزلية ، وبالتالي تقدمهم الأزلي على غيرهم . . فلا
ينتظر أن يتحقق لهم هذا التقدم لا حقا ثم به يتقدمون على غيرهم فيما بعد .
وبعد هذا كله . . كيف يمكن أن
يتقدم أبو بكر وعمر على باب مدينة علم الرسول ؟ !
أو كيف يتأتى لمعاوية أن يفوق الإمام الحسن في علمه ؟ !
أو يبذ ابنه يزيد السكير الإمام الحسين علما ومعرفة ؟ !
فكيف تقدم هؤلاء على العلماء من عترة النبي سيد الأنبياء
، والنبي يناديهم في أخراهم : " واجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد ،
ومكان العين من الرأس ، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين " ( 2 ) ؟ !
فواعجبي من القوم ! فبعد هذا
كله تقدموهم وجعلوهم في سوقة الرعية ، لا يؤتم بهم في دين ، ولا يقتدى بهم في
عبادة ! ! وإنا لله وإنا إليه راجعون .
إن أهل البيت أولو الأمر بلا مراء ولا جدال . إنه أمر حكم
به النقل والعقل ، ويحكم به العقل لو فقد النقل .
ولكن لو ترك النقل وفقد العقل حكم لغيرهم الجهل . .
وعندها لات ساعة مندم ! على أن العصمة التي يتمتعون بها ، بل يلزم أن تكون لهم
، تلك العصمة تبين هذا الأمر جليا وتحصر ولاية الأمر فيهم .
وكل من نازعهم الأمر عبر التاريخ إنما هو قد أخذ
| |
* هامش * |
|
| |
1 - الصواعق المحرقة
لابن حجر : ص 89 - الباب الحادي عشر - نقلا عن الطبراني .
2 - الشرف المؤبد للنبهاني ص 31 : وانظر :
إسعاف الراغبين . ( * ) .
|
|
|
ما ليس بحق له ، وناقل رص البناء إلى غير أساسه ، عامدا
في مخالفة النصوص ، أو مخطئا في تأويلاتها . وقبل أن نبين عصمة الطاهرين وأبناء
سيد الأنبياء والمرسلين علينا أن نوضح ، في اقتضاب ، العصمة في ذاتها ما هي ؟ !
ما هي العصمة ؟
إن العصمة - كما ذكرنا
سابقا - هي الأساس الذي تدور عليه الحجية ، والقاعدة التي بني عليها وجوب
الطاعة على سبيل الجزم والقطع . والتلازم بين العصمة ووجوب الطاعة القطعي يحتم
اتصاف من وجبت طاعته على هذا النحو بهذه العصمة ، التي يتحتم بها إبعاد أي
احتمال لصدور الخطأ عن الذي وجبت طاعته قطعا .
فما هي هذه العصمة ؟
وما هو السر في التلازم بينها وبين هذا الوجوب القطعي في
الطاعة ؟
لقد تهيب كثير من الناس وصف البشر بالعصمة ، وأدى تهيبهم
هذا إلى التردد حتى في عصمة النبي صلى الله عليه وآله ، فنفاها بعضهم عنه ،
ونسبها إليه بعضهم ، وقيد بعضهم نسبتها إليه في حال تبليغه الوحي . . وسبب كل
ذلك يعود إلى الجهل
أو الفهم السيئ لمعنى العصمة ! فالعصمة ليست أمرا
اكتسابيا حتى يصبح في متناول كل فرد ، وإنما هي هبة من الله تعالى وهبها لبعض
من عباده ، لأداء مسؤولية إيصال الوحي إلى الناس ، والإسهام في إرشادهم إلى
سبيل المؤمنين ، وسواء تهيب الناس نسبتها إليهم ، أو لم يتهيبوا ذلك ، فالله
أعلم بمن يهب العصمة .
إن العصمة في حقيقة الأمر هي
وليدة الإيمان ، الإيمان الذي يبلغ شأوا لا يبقى للشك إليه من سبيل . والإيمان
في هذا المقام العالي لا يعني إلا الاقتراب المعنوي من حضرة الله تعالى ،
والولوج إلى ساحة النور الإلهي . فالله نور ، والانغماس في هذا النور تتلاشى
فيه ظلمات النفوس وتزول الحجب ، ولا يبقى ما يعتم الرؤيا . وفي مقام
القربى هذا تمتلئ النفس باليقين ، ليس امتلاء وعاء ،
وإنما استحالة إلى اليقين . . . بل عين اليقين . . فينكشف باليقين اليقين ، ولا
يرى من خلف اليقين ، حيث لا شئ في عالم اليقين غير اليقين . فأين النفس
وأهواؤها ؟ وأين الشيطان وهمزاته ؟ ! فهذا مقام ليس لهما إليه من نفوذ .
إن شدة العلم اليقيني إنما هي في عالم اليقين كما وكيفا ،
فلا يغدو شئ غير معلوم ، ولا تبقى حقيقة غير مشهودة . وعلم في هذه الشدة ليس
للجهل فيه من نصيب أبدا . والأخطاء معاليل الجهل ، وحيث لا جهل فلا خطأ ، وحيث
اليقين فكل شئ هناك صواب وحق صرف .
ولهذا لا يمكن تصور هذه العصمة في هذا المقام مسبوقة
بارتكاب المعاصي والأخطاء ، أو معقوبة بها ، لأن الإيمان الباعث لهذه العصمة هو
إيمان مبكر جادت به العناية الإلهية ، يلحق المعصوم قبل أن يأتي إلى هذا الوجود
، إذ صنع على عين الله
منذ الأزل ، وسبقت له من الله الحسنى من قبل ، فلا مجال
المسبوقية المعاصي ولا معقوبيتها ، لأن اليقين ملازم لهذه العصمة ، - بل ملازم
للمعصوم - ملازمة ذاتية لا تسمح بنفوذ مسببات ارتكاب المعاصي والأخطاء .
وهكذا تشمل هذه العصمة حياة
المعصوم كلها لا تتقيد فيها بحال دون حال ، ولا سن دون سن . . فالمعصوم معصوم
منذ الأزل حتى الأجل . ولقد رأينا نبي الله عيسى عليه السلام قد جعل وأوتي
الحكم صبيا ، وخاطب الناس وهو في حضن أمه .
وهكذا الأنبياء جميعا ، وهكذا أولو الأمر ، إذ أنهم شركاؤهم
في وجوب الطاعة الجازم ، شركاؤهم في العلم الذي يرثون به الأنبياء ، فهم
العلماء وهم ورثة الأنبياء .
فالرسول صلى الله عليه وآله لما كان يؤدي الرسالة ، ويقوم
بهداية الناس على أساس هداية الوحي ، عبر العصمة التي تؤمن أداء الوحي على
النحو الذي أنزل به . . علم أن العلم اليقيني الشامل الذي يتمتع به العلماء من
خلفاء الرسول وأولي الأمر يسد مسد الوحي في هداية الإمام ، وهو بدوره يهيئ
العصمة المطلوبة لمواصلة أداء الدور الرسالي على النحو الذي
نزل به الوحي ومشى عليه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله
، دون تغاير وتفاوت ، فالوحي النازل على النبي صلى الله عليه وآله يتمثل في
العلم اليقيني عند الإمام المعصوم ، مع الاشتراك في العصمة اللازمة لتبليغ
الرسالة ، وإيجاب الطاعة بالقطع والجزم . . .
|