- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 144 :

أما البحث حول سند حديثها ، فيكون تارة بالكلام على رجال الأسانيد ، وأخرى بالكلام على عائشة نفسها .

أما رجال الأسانيد . . . فإن طرق الأحاديث المذكورة عنها تنتهي إلى :

 1 - الأسود بن يزيد النخعي .

 2 - عروة بن الزبير بن العوام .

 3 - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .

 4 - مسروق بن الأجدع .

ولا شئ من هذه الطرق بخال عن الطعن والقدح المسقط عن الاعتبار والاحتجاج . حديث عائشة عن الأسود كان الأسود من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ( 1 ) .

والراوي عنه في جميع الأسانيد المذكورة هو إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو من من أعلام المدلسين . . قال أبو عبد الله الحاكم - في الجنس الرابع من المدلسين - : قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين ، فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا .

قال : " أخبرني عبد الله بن محمد بن حمويه الدقيقي ، قال : حدثني جعفر بن أبي عثمان الطيالسي ، قال : " حدثني خلف بن سالم ، قال : سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين ، فأخذنا في تمييز أخبارهم ، فاشتبه علينا تمييز

الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي ، لأن الحسن كثيرا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقواما مجهولين ، وربما دلس عن مثل عتى بن ضمرة وحنيف بن المنتجب ودغفل بن حنظلة وأمثالهم . وإبراهيم أيضا يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل متى بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي ، وربما دلس عنهم " ( 2 ) .


والراوي عن إبراهيم هو : " سليمان بن مهران الأعمش " ، والأعمش معروف

 

* هامش *

 
 

 1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 97 .

 2 - معرفة علوم الحديث 108 . ( * )

 

 

- ص 145 -

بالتدليس ( 1 ) ، ذلك التدليس القبيح القادح في العدالة .

قال السيوطي - في بيان تدليس التسوية - : " قال الخطيب : وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا . قال العلائي : فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها . قال العراقي : وهو قادح فيمن تعمد فعله ، وقال شيخ الإسلام : لا شك أنه جرح ، وإن وصف به الثوري والأعمش فلا اعتذار . . . " ( 2 ) .


قال الخطيب :" التدليس للحديث مكروه عند أهل العلم . وقد عظم بعضهم الشأن في ذمه ، وتبجح بعضهم بالبراءة منه " ( 3 ) . ثم روى عن شعبة بن الحجاج قوله : " التدليس أخو الكذب "

وعنه : " التدليس في الحديث أشد من الزنا " .
وعنه : " لأن أسقط من السماء أحب إلي من أن أدلس " .
وعن أبي أسامة : " خرب الله بيوت المدلسين ، ما هم عندي إلا كذابون " .
وعن ابن المبارك : " لأن نخر من السماء أحب إلي من أن ندلس حديثا " .
وعن وكيع : " نحن لا نستحل التدليس في الثياب فكيف في الحديث ؟ ! " .

فأذن يسقط هذا الحديث بهذا السند الذي اتفقوا في الرواية به ، فلا حاجة إلى النظر في حال من قبل الأعمش من الرواة . لكن مع ذلك نلاحظ أن الرواي عن الأعمش عند البخاري وأحمد - في أحد طرقهما - وعند مسلم والنسائي هو " أبو معاوية " .

وهذا الرجل أيضا من المدلسين : قال السيوطي : " فائدة : أردت أن أسرد أسماء من رمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما : وهم : إبراهيم بن طهمان ، أيوب بن عائذ الطائي ، ذر بن عبد الله المرهبي ، شبابة بن سوار، عبد الحميد

بن عبد الرحمن . . . محمد بن حازم أبو معاوية الضرير ، ورقاء بن عمر اليشكري . . . هؤلاء رموا بالإرجاء ، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر
 

 

* هامش *

 
 

 1 - تقريب التهذيب 1 : 331 .         2 - تدريب الراوي 1 : 221 .         3 - الكفاية في علم الرواية 1 : 188 . ( * )

 

 

- ص 146 -

بالنار . . . " ( 1 ) .

وذكر ابن حجر عن غير واحد أنه " كان مرجئا خبيثا ، وأنه كان يدعو إليه " ( 2 ) .

والراوي عن " الأعمش " عند ابن ماجة وأحمد في طريقه الآخر هو وكيع بن الجراح ، وفيه : أنه كان يشرب المسكر ، وكان ملازما له " ( 3 ) .
 

ثم إن الرواي عن أبي معاوية في أحد طرق البخاري هو : حفص بن غياث ، وهو أيضا من المدلسين ( 4 ) .

مضافا إلى أنه كان قاضي الكوفة من قبل هارون ، وقد ذكروا عن أحمد أنه : " كان وكيع صديقا لحفص بن غياث ، فلما ولي القضاء هجره " ( 5 ) .


أما الحديث عن عروة بن الزبير : فإن عروة بن الزبير ولد في خلافة عمر ، فالحديث مرسل ، ولا بد أنه يرويه عن عائشة . وكان عروة من المشهورين بالبغض لأمير المؤمنين عليه السلام - كما عرفت من خبره مع الزهري ، والخبر عن ابنه - حتى إنه حضر يوم الجمل على صغر سنه ( 6 ) .
 

وقد كان هو والزهري يضعان الحديث في تنقيص الإمام والزهراء الطاهرة عليهما السلام ، فقد روى الهيثمي عنه حديثا - وصححه - في فضل زينب بنت رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] ، جاء فيه أنه كان يقول : " هي خير بناتي " .

قال : " فبلغ ذلك علي بن الحسين ، فانطلق إليه فقال : ما حديث بلغني عنك تحدثه تنتقص حق فاطمة ؟ ! فقال : لا أحدث به أبدا " ( 7 ) .


والراوي عنه ولده " هشام " في رواية البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة . . . وهو أيضا من المدلسين، فقد قالوا : " كان ينسب إلى أبيه ما كان يسمعه من غيره . وقد ذكروا أن مالكا كان لا يرضاه ، قال ابن خراش : بلغني أن مالكا نقم عليه حديثه
 

 

* هامش *

 
 

 1 - تدريب الراوي 1 : 278 ، وفي طبعة 1 : 328 .
 2 - تهذيب التهذيب 9 : 121 .
 3 - تذكرة الحفاظ 1 : 308 ، ميزان الاعتدال 1 : 336 .
 4 - تهذيب التهذيب 2 : 358 .

 5 - تهذيب التهذيب 11 : 111 .
 6 - تهذيب التهذيب 7 : 166 .
 7 - مجمع الزوائد 9 : 213 . ( * )

 

 

- ص 147 -

لأهل العراق . قدم الكوفة ثلاث مرات قدمة كان يقول : حدثني أبي قال : سمعت عائشة ، وقدم الثانية فكان يقول : أخبرني أبي ، عن عائشة ، وقدم الثالثة فكان يقول : أبي عن عائشة " ( 1 ) . وهذا الحديث من تلك الأحاديث .


وأما الحديث عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة : فإن الراوي " عن عبيد الله " عند البخاري ومسلم والنسائي هو " موسى بن أبي عائشة " ، وقد قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي ( 2 ) يقول : " تريبني رواية موسى بن أبي عائشة حديث عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم " ( 3 ) .


وعند أبي داود وأحمد ، هو : الزهري ، لكن عند الأول يرويه عن عبيد الله ، عن عبد الله بن زمعة . والزهري من قد عرفته سابقا . هذا مضافا إلى ما في عبيد الله بن عبد الله نفسه . . .


فقد روى ابن سعد عن مالك بن أنس قال : " جاء علي بن حسين بن علي بن أبي طالب إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يسأله عن بعض الشئ ! ! وأصحابه عنده وهو يصلي ، فجلس حتى فرغ من صلاته ، ثم أقبل عليه عبيد الله . فقال

أصحابه : امتع الله بك ، جاءك هذا الرجل وهو ابن ابنة رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وفي موضعه ، يسألك عن بعض الشئ ، فلو أقبلت عليه فقضيت حاجته ، ثم أقبلت على ما أنت فيه ! فقال عبيد الله لهم : هيهات ، لا بد لمن طلب هذا الشأن من أن يتعنى " ( 4 ) .


حديث عائشة عن مسروق بن الأجدع وفيه :

 1 - " أبو وائل " وهو " شقيق ابن سلمة " يرويه عن " مسروق " ، وقد قال عاصم بن
 

 

* هامش *

 
 

 1 - تهذيب التهذيب 11 : 44 .
 2 - وهو محمد بن إدريس الرازي ، أحد كبار الأئمة الحفاظ المعتمدين في الجرح والتعديل ، توفي سنة 207 ه‍ تقريبا .
توجد ترجمته في : تذكرة الحفاظ 2 : 567 ، تاريخ بغداد 3 : 73 ، وغيرها من المصادر الرجالية .
 3 - تهذيب التهذيب 10 : 314 . 4 - طبقات ابن سعد 5 : 215 . ( * )

 

 

- ص 148 -

بهدلة : " قيل لأبي وائل : أيهما أحب إليك : علي أو عثمان ؟ قال : كان علي أحب إلي ثم صار عثمان " ( 1 ) ! !


 2 - " نعيم بن أبي هند " يرويه عن " أبي وائل " عند النسائي وأحمد بن حنبل . و " نعيم " قد عرفته سابقا . [ أنظر : بحث حديث سالم بن عبيد ] .


ثم إن في أحد طريقي أحمد عن " نعيم " المذكور : " شبابة بن سوار " ، وقد ذكروا في ترجمته أنه كان يرى الإرجاء ويدعو إليه ، فتركه أحمد وكان يحمل عليه . وقال أبو حاتم : لا يحتج بحديثه ( 2 ) ، وقد أورده السيوطي في القائمة المذكورة . . [ أنظر : بحث حديث الأسود عن عائشة ] وحكى ابنه في ترجمته ما يدل على بغضه لأهل بيت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ( 3 ) .


هذا ، ويبقى الكلام في عائشة نفسها . . .

فقد وجدناها تريد كل شأن وفضيلة لنفسها وأبيها ومن تحب من قرابتها وذويها . . فكانت إذا رأت النبي صلى الله عليه وآله يلاقي المحبة من إحدى زوجاته ويمكث عندها ثارت عليها . . . كما فعلت مع زينب بنت جحش ، إذ تواطأت مع حفصة أن

أيتهما دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله فلتقل : " إني لأجد منك ريح مغافير ، حتى يمتنع أن يمكث عند زينب ويشرب عندها عسلا " ( 4 ) .


وإذا رأته يذكر خديجة عليها السلام بخير ويثني عليها ، قالت : " ما أكثر ما تذكر حمراء الشدق ؟ ! قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها " ( 5 ) .


وإذا رأته مقدما على الزواج من امرأة حالت دون ذلك بالكذب والخيانة ، فقد حدثت أنه صلى الله عليه وآله أرسلها لتطلع على امرأة من كلب قد خطبها ، فقال لعائشة : " كيف رأيت ؟
 

 

* هامش *

 
 

 1 - تهذيب التهذيب 4 : 317 .
 2 - تهذيب التهذيب 4 : 264 ، تاريخ بغداد 9 : 295 .
 3 - تهذيب التهذيب 4 : 265 .
 4 - هذه من القضايا المشهورة ، فراجع كتب الحديث والتفسير ، في تفسير سورة التحريم .
 5 - مسند أحمد 6 : 117 . ( * )

 

 

- ص 149 -

قالت : ما رأيت طائلا ! فقال : لقد رأيت خالا بخدها اقشعر كل شعرة منك على حدة . . فقالت : ما دونك من سر " ( 1 ) .


ولقد ارتكبت ذلك حتى بتوهم زواجه صلى الله عليه وآله ، فقد ذكرت : أن عثمان جاء النبي [ صلى الله عليه وآله ] في نحو الظهيرة ، قالت : " فظننته أنه جاءه في أمر النساء ، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه " ( 2 ) .


أما بالنسبة إلى من تكرهه . . فكانت حربا شعواء من ذلك مواقفها من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام . . . فقد " جاء رجل فوقع في علي وعمار رضي الله تعالى عنهما عند عائشة ، فقالت : أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا . وأما عمار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول : لا يخير بين اثنين إلا اختار أرشدهما " ( 3 ) .


وكانت تقول : " قبض رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بين سحري ونحري " ( 4 ) .


وعندما يخرج [ صلى الله عليه وآله ] إلى الصلاة - وهو يتهادى بين رجلين - تقول عائشة : " خرج يتهادى بين رجلين أحدهما العباس " فلا تذكر الآخر ، فيقول ابن عباس : " هو علي ، ولكن عائشة لا تقدر أن تذكره بخير " ( 5 ) .


فإذا عرفناها تبغض عليا إلى حد لا تقدر أن تذكره بخير ، ولا تطيب نفسها به . . . وتحاول إبعاده عن رسول الله صلى الله عليه وآله . . . وتدعي لأبيها ولنفسها ما لا أصل له . . . بل لقد حدثت أم سلمة بالأمر الواقع فقالت : " والذي أحلف به ،

إن كان علي لأقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، قالت : عدنا رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] غداة بعد غداة فكان يقول : جاء علي ؟ ! ! - مرارا - قالت : أظنه كان بعثه في حاجة . قالت : فجاء بعد ، فظننت أن له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت ، فقعدنا عند الباب ، فكنت أدناهم إلى الباب ،
 

 

* هامش *

 
 

 1 - طبقات ابن سعد 8 : 115 ، كنز العمال 6 : 294 .
 2 - مسند أحمد 6 : 114 .
 3 - مسند أحمد 6 : 113 .

 4 - مسند أحمد 6 : 121 .
 5 - عمدة القاري 5 : 191 . ( * )

 

 

- ص 150 -

فأكب عليه فجعل يساره ويناجيه ، ثم قبض رسول الله " ( 1 ) .


وإذا عرفنا هذا كله - وهو قليل من كثير - أيقنا أن خبرها في أن صلاة أبيها كانت بأمر النبي صلى الله عليه وآله ، وأنه صلى الله عليه وآله خرج فصلى خلفه - كما في بعض الأخبار عنها - هو من هذا القبيل . ومما يؤكد ذلك اختلاف النقل عنها في القضية ، وهي واحدة .

 

 

 

* هامش *

 
 

 1 - مسند أحمد 6 : 300 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 138 ، ابن عساكر 3 : 16 ، الخصائص 30 ، وغيره .

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب