|
-
رؤية الله
في ضوء الكتاب والسنة والعقل - الشيخ جعفر السبحاني ص
15 :
|
|
1 - حقيقة التجسيم والتشبيه والجهة والرؤية
لما
انتشر الإسلام في الجزيرة العربية ، ودخل الناس في
الإسلام زرافات ووحدانا ، لم يجد اليهود والنصارى
المتواجدون فيها محيصا إلا الاستسلام ، فدخلوا فيه
متظاهرين به ، غير معتقدين غالبا إلا من شملتهم
العناية الإلهية منهم وكانوا قليلين ، ولكن الأغلبية
الساحقة منهم خصوصا الأحبار والرهبان بقوا على ما
كانوا عليه من العقائد السابقة .
وبما أنهم كانوا من
أهل الكتاب عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات
والأصول والعقائد ، عمدوا إلى نشرها بين المسلمين
بخداع خاص ، وبطريقة تعليمية ، ولما كانت السذاجة تغلب
على عامة المسلمين لذا تلقوهم كعلماء ربانيين ، يحملون
العلم ، فأخذوا ما يلقونه إليهم بقلب واع ونية صادقة ،
وبالتالي نشر هؤلاء في هذا الجو المساعد كل ما عندهم
من القصص الانحرافية والعقائد
الباطلة ، خصوصا فيما يرجع إلى التجسيم والتشبيه
وتصغير شأن الأنبياء في أنظار المسلمين ، بإسناد
المعاصي الموبقة إليهم ، والتركيز على القدر وسيادته
في الكون على كل شيء ، حتى على إرادة الله سبحانه
ومشيئته ، ولم تكن رؤية الله بأقل مما سبق في تركيزهم
عليها .
فما ترى في كتب الحديث قديما وحديثا من
الأخبار الكثيرة حول التجسيم ، والتشبيه ، والقدر
السالب للاختيار والرؤية ونسبة المعاصي إلى الأنبياء ،
فكل ذلك من آفات المستسلمة من اليهود والنصارى . فقد
حسبها المسلمون حقائق راهنة وقصصا صادقة فتلقوها بقبول
حسن نشرها السلف بين الخلف ، ودام الأمر على ذلك .
ومن
العوامل التي فسحت المجال للأحبار والرهبان لنشر ما في
العهدين بين المسلمين ، النهي عن تدوين حديث الرسول (
صلى الله عليه وآله ) ونشره ونقله والتحدث به أكثر من
مائة سنة ، فأوجد الفراغ الذي خلفه هذا العمل أرضية
مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية وسخافات مسيحية
وأساطير يهودية ، خصوصا من قبل الكهنة والرهبان.
فقد
كان التحدث بحديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أمرا
مكروها ، بل محظورا من قبل الخلفاء إلى عصر عمر بن عبد
العزيز ( 19 - 101 ه ) ، بل إلى عصر المنصور العباسي
( 341 ه ) ، ولكن كان المجال للتحدث بالأساطير من قبل
هؤلاء أمرا مسموحا به ، فهذا هو تميم بن أوس الداري من
رواة الأساطير ، وقد أسلم سنة تسع للهجرة ، وهو أول من
قص بين المسلمين واستأذن عمر أن يقص على الناس قائما ،
فأذن له ،
وكان يسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان
( 1 ) .
ولما سمحت الظروف لمثل هذا الكتابي أن يتحدث
بما تعلم في حياته السابقة ومنع من أراد التحدث بحديث
الرسول ، لذا كان المجال خصبا لنشر الأساطير والعقائد
الخرافية .
يقول الشهرستاني : وضع كثير من اليهود
الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعددة في مسائل التجسيم
والتشبيه وكلها مستمدة من التوراة ( 2 ) .
وهذا هو
المقدسي يتكلم عن وجود هذه العقائد بين عرب الجاهلية ،
يقول : وكان فيهم من كل ملة ودين ، وكانت الزندقة
والتعطيل في قريش ، والمزدكية والمجوسية في تميم ،
واليهودية والنصرانية في غسان ، وعبادة الأوثان في
سائرهم ( 3 ) .
قال ابن خلدون : إن العرب لم يكونوا
أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية ،
وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ مما تتوق إليه النفوس
البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود
فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم
، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى
، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام
وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من
| |
( 1 ) ابن عبد البر
، الاستيعاب ، في هامش الإصابة ; وابن
حجر ، الإصابة 1 : 189 ; والجزري ،
أسد الغابة 1 : 215
; والمتقي الهندي ، كنز العمال 1 : 281 برقم 29448 . |
|
|
(
2 ) الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 117 . |
( 3 )
المقدسي ، البدء والتاريخ 4 :
31 .( * ) |
|
المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا
كتب التفسير بهذه المنقولات ، وأصلها كلها كما قلنا من
التوراة أو مما كانوا يفترون ( 1 ).
ولو أردنا أن
ننقل كلمات المحققين حول الخسارة التي أحدثها اليهود
والنصارى لطال بنا الكلام وطال مقالنا مع القراء . ومن
أكابر أحبار اليهود الذين تظاهروا بالإسلام هو كعب
الأحبار ، حيث خدع عقول المسلمين وحتى الخلفاء
والمترجمين عنه من علماء الرجال ، وقد أسلم في زمن أبي
بكر وقدم من اليمن في خلافة عمر ، فانخدع به الصحابة
وغيرهم .
قال الذهبي :
العلامة الحبر الذي كان يهوديا
فأسلم بعد وفاة النبي ، وقدم المدينة من اليمن في أيام
عمر ( رض ) ، وجالس أصحاب محمد ، فكان يحدثهم عن الكتب
الإسرائيلية ويحفظ عجائب ، - إلى أن قال : - حدث عنه
أبو هريرة ومعاوية وابن عباس ، وذلك من قبيل رواية
الصحابي عن تابعي ، وهو نادر عزيز ، وحدث عنه أيضا
أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب ، وروى عنه
عدة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلا ، وقع له
رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي ( 2 ).
وعرفه الذهبي أيضا في بعض كتبه بأنه من أوعية العلم (
3 ).
| |
( 1 ) ابن خلدون ،
المقدمة : 439 . |
( 2 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء
3 : 489 . |
( 3 ) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 :
52 .( * ) |
|
|
فقد وجد الحبر الماكر جوا ملائما لنشر الأساطير
والقصص الوهمية ، وبذلك بث سمومه القاتلة بين الصحابة
والتابعين ، وقد تبعوه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
وقد تنبه إلى جسامة الخسارة التي أحدثها ذلك الحبر
لفيف من القدماء ، منهم ابن كثير في تفسيره ، حيث أنه
بعدما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع
سليمان ، قال : والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم ، كروايات كعب
ووهب - سامحهما الله تعالى - في ما نقلاه إلى هذه
الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب
والعجائب مما كان وما لم يكن ، ومما حرف وبدل وفسخ ،
وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع
وأوضح وأبلغ ( 1 ).
والذي يدل على عمق مكره وخداعه
لعقول المسلمين أنه ربما ينقل شيئا من العهدين ، وفي
الوقت ذاته نرى أن بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه
وأخذوا منه ينسب نفس ما نقله إلى الرسول ! والذي يبرر
ذلك العمل حسن ظنهم وثقتهم به ، فحسبوا المنقول أمرا
واقعيا ، فنسبوه إلى النبي زاعمين أنه إذا كان كعب
الأحبار عالما به فالنبي أولى بالعلم منه . فإن كنت في
شك من ذلك فاقرأ نصين في موضوع واحد أحدهما للإمام
الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الأحبار في حشر
| |
( 1 ) ابن كثير ،
التفسير ، قسم سورة النمل 3 : 339 .( * ) |
|
|
الشمس والقمر يوم القيامة، والآخر للإمام ابن كثير
صاحب التفسير ينقله عن أبي هريرة عن النبي الأكرم ، ومضمون الحديث ينادي بأعلى صوته بأنه موضوع مجعول على
لسان الوحي ، نشره الحبر الخادع وقبله الساذج من
المسلمين.
1 - قال الطبري : عن عكرمة ، قال : بينا
ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال : يا ابن عباس
سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر ، قال :
وكان متكئا فاحتفز ثم قال : وما ذاك ؟ قال : زعم يجاء
بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران
فيقذفان في جهنم ، قال عكرمة : فطارت من ابن عباس شفة
ووقعت أخرى غضبا ، ثم قال : كذب كعب ، كذب كعب ، كذب
كعب ، ثلاث مرات ، بل هذه يهودية يريد إدخالها في
الإسلام ، الله أجل وأكرم من أن يعذب على طاعته ، ألم
تسمع قول الله تبارك وتعالى ( وسخر لكم الشمس والقمر
دائبين ) ، إنما يعني دؤوبهما في الطاعة ، فكيف يعذب
عبدين يثني عليهما أنهما
دائبان في طاعته ؟ قاتل الله هذا الحبر وقبح حبريته ،
ما أجرأه على الله وأعظم فريته على هذين العبدين
المطيعين لله ، قال : ثم استرجع مرارا ( 1 ).
2 - قال
ابن كثير : روى البزار ، عن عبد العزيز بن المختار ،
قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن في هذا المسجد -
مسجد الكوفة - ، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث ، قال :
حدثنا أبو هريرة أن رسول
| |
( 1 ) الطبري ،
التاريخ 1 : 44 ط بيروت
. ( * ) |
|
|
الله ( ص ) قال : إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة فقال الحسن : وما ذنبهما ؟ فقال :
أحدثك عن رسول الله ( ص ) وتقول - أحسبه قال - : وما
ذنبهما ، ثم قال : لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا
الوجه ( 1 ).
ولما كان إسلام كعب الأحبار بعد رحيل
الرسول ، لذلك تعذر عليه إسناد ما رواه من أساطير إلى
النبي الأكرم ، ولو أنه أدرك شيئا من حياته ( صلى الله
عليه وآله ) وإن كان قليلا لنسب تلك الأساطير إليه ،
ولكن حالت المشيئة الإلهية دون أمانيه الباطلة ، ولكن
أبا هريرة لما صحب النبي واستحسن الظن بكعب الأحبار ،
وكان أستاذه في الأساطير نسب الرواية إلى النبي ( صلى
الله عليه وآله ) .
هذا نموذج قدمته إلى القراء لكي
يقفوا على دور الأحبار والرهبان في نشر البدع اليهودية
والنصرانية بين المسلمين ، وأن لا يحسنوا الظن بمجرد
النقل من دون التأكد من صحته .
هذا غيض من
فيض وقليل من كثير مما لعب
به مستسلمة اليهود والنصارى في أحاديثنا وأصولنا ،
ولولا أنه سبحانه قيض في كل آونة رجالا مصلحين كافحوا
هذه الخرافات وأيقظوا المسلمين من السبات ، لذهبت هذه
الأساطير بروعة الإسلام وصفائه وجلاله . كعب الأحبار
وتركيزه على التجسيم والرؤية :
| |
( 1 )
تفسير ابن كثير 4 : 475 ط دار الإحياء
. ( * ) |
|
|
إن المتفحص فيما نقل عن ذلك الحبر يقف على أنه كان
يركز على فكرتين يهوديتين :
الأولى فكرة التجسيم ،
والثانية رؤية الله تعالى .
يقول عن الفكرة الأولى :
أن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال : إني واطئ على بعضك
، فاستعلت إليه الجبال ، وتضعضعت له الصخرة ، فشكر لها
ذلك ، فوضع عليها قدمه فقال : هذا مقامي ومحشر خلقي ،
وهذه جنتي وهذه ناري ، وهذا موضع ميزاني ، وأنا ديان
الدين ( 1 ).
ففي هذه الكلمة الصادرة عن هذا الحبر
تصريح على تجسيمه تعالى أولا ، وتركيز على أن الجنة
والنار والميزان ستكون على هذه الأرض ، ومركز سلطانها
سيكون على الصخرة ، وهذا من صميم الدين اليهودي المحرف
. كما أنه ركز على الرؤية ، حيث أشاع فكرة التقسيم ،
فقال : إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد
( ص ) ( 2 )، وعنه انتشرت هذه الفكرة ، أي فكرة
التقسيم بين المسلمين .
ومن أعظم الدواهي أن الرجل
تزلف إلى الخلفاء في خلافة عمر وعثمان وتحدث عن الكثير
من القصص الخرافية ، وبعدما توفي عثمان تزلف إلى
معاوية ونشر في عهده ما يؤيد به ملكه ودولته ، ومن
كلماته في حق الدولة الأموية ، يقول : مولد النبي بمكة
، وهجرته بطيبة ، وملكه بالشام ( 3 ).
وبذلك أضفى على الدولة الأموية صبغة
شرعية وجعل ملكهم وسلطتهم امتدادا لملك النبي وسلطته .
| |
( 1 ) أبو تميم
الأصفهاني ، حلية الأولياء 6 : 20 .
( 2 ) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة
3 : 237 . |
( 3 ) الدارمي ، السنن 1 : 5
.( * ) |
|
|
|