|
رؤية الله
في ضوء الكتاب والسنة والعقل - الشيخ جعفر السبحاني ص
100 :
|
|
9 - رؤية الله في الأحاديث النبوية
قد تعرفت على
موقف الكتاب من رؤيته سبحانه ، وأنه كلما يذكر الرؤية
وسؤالها وطلبها كان يستعظم ذلك ويستفظعه إجمالا ،
وعندما يطرحها تفصيلا يعدها أمرا محالا ، كما عرفت أن
ما تمسك به القائلون بجواز الرؤية من الآيات لا يدل
على ما يدعون .
بقي الكلام في الروايات الواردة حول
الرؤية في الصحاح والمسانيد ، ودلالتها على المطلوب
واضحة كما ستوافيك ، لكن الكلام في حجية الروايات التي
تعارض الذكر الحكيم وتباينه ، فإذا كان الكتاب العزيز
مهيمنا على سائر الكتب فلماذا لا يكون مهيمنا على
السنن المروية عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ،
التي دونت بعد مضي 341 سنة من رحيله ( صلى الله عليه
وآله ) ولم تصن عن دس الأحبار والرهبان ، قال سبحانه :
( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ
فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ
تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ) ( المائدة / 48 )
وقال
تعالى : (
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ ) ( النمل / 76 ).
ولا يعني ذلك
، حذف السنة من الشريعة ورفع شعار حسبنا كتاب الله ،
بل يعني التأكد من صحتها ثم التمسك بها في مقام العمل
.
وإليك ما ورد في الصحاح حول الرؤية :
روى البخاري في
باب الصراط جسر جهنم بسنده عن أبي هريرة قال : قال
أناس : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال :
هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا يا
رسول الله ، قال : هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس
دونه سحاب ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : فإنكم
ترونه يوم القيامة ، كذلك يجمع الله الناس فيقول : من
كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس ،
ويتبع من كان يعبد القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت
، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله في
غير الصورة التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون
: نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا
أتانا ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله في الصورة التي
يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا
فيتبعونه ويضرب جسر جهنم . . . إلى أن يقول : ويبقى
رجل مقبل بوجهه على النار فيقول : يا رب قد قشبني
ريحها ، وأحرقني ذكاوها ، فاصرف وجهي عن النار ، فلا
يزال يدعو الله فيقول : لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره
، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ، فيصرف وجهه عن
النار ، ثم يقول بعد ذلك : يا رب قربني إلى باب الجنة
، فيقول : أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ؟ ويلك ابن
آدم ما أغدرك ، فلا يزال يدعو فيقول : لعلي إن أعطيتك
ذلك تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره ،
فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره ، فيقربه
إلى باب الجنة ، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن
يسكت ، ثم يقول : ربي أدخلني الجنة ، ثم يقول : أو ليس
قد زعمت أن لا تسألني غيره ، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك
، فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو
حتى يضحك ( الله ) ، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها
. . . الحديث ( 1 ).
ورواه مسلم في صحيحه عن أبي
هريرة ، مع اختلاف يسير ( 2 ).
ورواه أيضا عن أبي
سعيد الخدري باختلاف غير يسير في المتن وفيه : حتى إذا
لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم
رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه
فيها ، قال : فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد ،
قالوا : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا
إليهم ولم نصاحبهم ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون :
نعوذ بالله منك ، لا نشرك بالله شيئا ، مرتين أو ثلاثا
، حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب ، فيقول : هل بينكم
وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن
ساق ، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه ، إلا
أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء
ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ، كلما أراد أن
يسجد خر على قفاه . . . الحديث ( 3 ).
وقد نقل الحديث
في مواضع من الصحيحين بتلخيص ، ورواه
| |
( 1 ) البخاري ،
الصحيح 8 : 117 باب الصراط جسر جهنم .
( 2 ) صحيح مسلم 1 : 113 باب معرفة طريق
الرؤية .
( 3 ) صحيح مسلم 1 : 115 باب معرفة طريق
الرؤية
. ( * ) |
|
|
أحمد في مسنده ( 1 ).
تحليل الحديث إن هذا الحديث
مهما كثرت رواته وتعددت نقلته لا يصح الركون إليه في
منطق الشرع والعقل بوجوه
1 - إنه خبر واحد لا يفيد
شيئا في باب الأصول والعقائد ، وإن كان مفيدا في باب
الفروع والأحكام ، إذ المطلوب في الفروع هو الفعل
والعمل ، وهو أمر ميسور سواء أذعن العامل بكونه مطابقا
للواقع أو لا ، بل يكفي قيام الحجة على لزوم تطبيق
العملة عليه ، ولكن المطلوب في العقائد هو الإذعان
وعقد القلب ونفي الريب والشك عن وجه الشئ ، وهو لا
يحصل من خبر الواحد ولا من خبر الاثنين ، إلا إذا بلغ
إلى حد يورث العلم والإذعان ، وهو غير حاصل بنقل شخص
أو شخصين .
2 - إن الحديث مخالف للقرآن ، حيث يثبت لله
صفات الجسم ولوازم الجسمانية كما سيوافيك بيانه عن
السيد الجليل شرف الدين ( رحمه الله ) .
3 - ماذا يريد
الراوي في قوله : فيأتي الله في غير الصورة التي
يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ؟ فكأن لله سبحانه صورا
متعددة يعرفون بعضها وينكرون البعض الآخر ، وما ندري
متى عرفوا التي عرفوها ، فهل كان ذلك منهم في الدنيا ،
أو كان في البرزخ ، أم في الآخرة ؟ 4 - ماذا يريد
الراوي من قوله : فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق ،
| |
( 1 ) مسند أحمد بن
حنبل 2 : 368 .( * ) |
|
|
فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه . . . ؟ فإن
معناه أن المؤمنين والمنافقين يعرفونه سبحانه بساقه ،
فكانت هي الآية الدالة عليه .
5 - كفى في ضعف الحديث
ما علق عليه العلامة السيد شرف الدين ( رحمه الله )
حيث قال : إن الحديث ظاهر في أن لله تعالى جسما ذا
صورة مركبة تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير ،
وأنه سبحانه ذو حركة وانتقال ، يأتي هذه الأمة يوم
حشرها ، وفيها مؤمنوها ومنافقوها ، فيرونه بأجمعهم
ماثلا لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من
ذي قبل ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فينكرونه متعوذين
بالله منه ، ثم يأتيهم مرة ثانية في الصورة التي
يعرفون ، فيقول لهم : أنا ربكم ، فيقول المؤمنون
والمنافقون جميعا : نعم أنت ربنا ، وإنما عرفوه بالساق
إذ كشف لهم عنها ، فكانت هي آيته الدالة عليه ، فيتسنى
حينئذ السجود للمؤمنين منهم دون المنافقين ، وحين
يرفعون
رؤوسهم يرون الله ماثلا
فوقهم بصورته التي يعرفون لا يمارون فيه ، كما كانوا
في الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر ، ماثلين فوقهم
بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب ، وإذا به بعد هذا
يضحك الرب ويعجب من غير معجب ، كما هو يأتي ويذهب ،
إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان مما لا يجوز على الله
تعالى ، ولا على رسوله ، بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة
وغيرهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( 1
).
* * * *
| |
( 1 )
كلمة حول الرؤية : 65 ، وهي رسالة قيمة
في تلك المسألة ، وقد مشينا في ضوئها ، رحم الله مؤلفها رحمة واسعة
. ( * ) |
|
|
2 - روى البخاري
في كتاب الصلاة ، باب مواقيت الصلاة
وفضيلتها ، عن قيس ( ابن أبي حازم ) عن جرير قال : كنا
عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فنظر إلى القمر ليلة
- يعني البدر - فقال : إنكم ترون ربكم كما ترون هذا
القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا
على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ، ثم قرأ
: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ( 1 ).
وحديث قيس بن أبي حازم مع كونه معارضا للكتاب ضعيف
سندا وإن رواه الشيخان ، ويكفي فيه وقوع قيس بن أبي
حازم في سنده الذي ترجمه ابن عبد البر وقال : قيس بن
أبي حازم الأخمسي جاهلي إسلامي لم ير النبي ( صلى الله
عليه وآله ) في عهده وصدق إلى مصدقه وهو من كبار
التابعين مات سنة ثمان أو سبع وتسعين وكان عثمانيا ( 2
).
وقال الذهبي : قيس بن أبي حازم عن أبي بكر وعمر
ثقة حجة كاد أن يكون صحابيا ، وثقه ابن معين والناس ،
وقال علي بن عبد الله بن يحيى بن سعيد : منكر الحديث
ثم سمى له أحاديث استنكرها ، وقال يعقوب الدوسي : تكلم
فيه أصحابنا فمنهم من حمل عليه ، وقال : له مناكير
فالذين أطروه عدوها غرائب ، وقيل : كان يحمل على علي (
رضي الله عنه ) ، إلى أن قال : والمشهور أنه كان يقدم
عثمان ، وقال إسماعيل : كان ثبتا ، قال :
| |
( 1 ) البخاري ،
الصحيح 1 : 111 - 115 الباب 26 و 35 من أبواب مواقيت الصلاة ط .
مصر ; ورواه مسلم في صحيحه ، لاحظ
صحيح مسلم بشرح النووي 5 : 136 ; وغيرهما
.
( 2 ) ابن عبد البر ، الإستيعاب 3 برقم
2126 .( * ) |
|
|
وقد كبر حتى جاوز المائة
وخرف ( 1 ).
وقد تقدم أن العدل والتنزيه علويان ، كما
أن الجبر والتشبيه أمويان ، وهل يصح في ميزان النصفة
الأخذ برواية رجل عثماني الهوى ، معرضا عن الإمام علي
( عليه السلام ) ، وعاش حتى خرف ؟ أو أن الواجب ضربها
عرض الحائط .
* * *
| |
( 1 ) الذهبي ،
ميزان الاعتدال 3 : برقم 6908 . |
|
|
|