- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 361 : -

نوادر وطرائف :


لم تكن أم المؤمنين بالمتقشفة في حياتها بل كانت تحب الظرافة ، والظرفاء ، ومما رووا عنها في ذلك ما ذكره ابن عبد ربه ( 237 ) قال : كان في المدينة في الصدر الأول مغن يقال له : قند ، وهو مولى سعد بن أبي وقاص ، وكانت عائشة تستظرفه ، فضربه سعد ، فحلف عائشة لا تكلمه حتى يرضى عنه قند . فدخل عليه سعد ، وهو وجع من ضربه ، فاسترضاه فرضي عنه ، وكلمته عائشة .


ومن ظرفها ما رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد ( 238 ) وقال : دخل الحسن بن علي على معاوية ، وعنده ابن الزبير ، وأبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب ، فلما جلس الحسن ، قال معاوية : يا أبا محمد ! أيهما كان أكبر : علي أم الزبير ؟ قال : ما أقرب بينهما ، علي كان أسن من الزبير ، فقال

  ( 237 ) العقد الفريد 6 / 34 .
( 238 ) العقد الفريد 4 / 14 - 15 ، وشرح النهج 3 / 7 ، قال : روى أبو عثمان . ( * )
 
 

- ج 1  ص 362 -

ابن الزبير : ورحم الله الزبير ، فتبسم الحسن ، فقال أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب : دع عنك عليا والزبير إن عليا دعا إلى أمر فاتبع ، وكان فيه رأسا ، ودعا الزبير على عقبيه ، وأدبر امرأة ، فلما تراءت الفئتان ، والتقى الجمعان نكص الزبير على عقبيه ، وأدبر منهزما قبل أن يظهر الحق فيأخذه ، أو يدحض الباطل فيتركه ، فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر من شبره ، فضرب عنقه ، وأخذ سلبه ، وجاء برأسه ، ومضى علي قدما كعادته مع ابن عمه ونبيه صلى الله عليه وآله ، فرحم الله عليا ولا رحم الزبير ، فقال ابن الزبير : أما والله لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد ! لعلم ، قال : إن الذي تعرض به يرغب عنك .


وأخبرت عائشة بمقالتهما ، فمر أبو سعيد بفنائها ، فنادته يا أحول ! يا خبيث ! أنت القائل لابن أختي كذا وكذا ! ؟ فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا ، فقال : إن الشيطان ليراك من حيث لا تراه ، فضحكت عائشة ، وقالت : لله أبوك ! ما أخبث لسانك ! في هذه القصة أراد معاوية أن يغري بين الحسن وابن الزبير ، كما كان يفعل أبدا مع سروات قريش من إغراء بعضهم على بعض ، وأصاب كيده هنا مقتل ابن الزبير ، وسلم من الحسن لادراكه مرمى معاوية من وراء سؤاله ، أما أم المؤمنين ، فكانت كعادتها أبدا متحفزة للدفاع عن ذوي قرباها ، ومهاجمة مناوئيهم .


ومن نوادر حديثها أيضا ما في مسند أحمد ( 239 ) قال : جاء عمار ومعه الأشتر يستأذن على عائشة ، قال : يا أمه ! فقالت : لست لك بأم ! قال : بلى ، وإن كرهت ، قالت : من هذا معك ؟ قالك هذا الأشتر ، قالت : أنت الذي أردت قتل ابن أختي ؟ قال : قد أردت قتله ، وأراد قتلي ، قالت : أما لو قتلته ما أفلحت أبدا ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا إحدى ثلاثة : رجل قتل فقتل ، أو زنى بعدما أحصن ، أو رجل ارتد بعد إسلامه انتهى .  .

  ( 239 ) مسند أحمد 6 / 205 و 58 عن عمرو بن غالب . ( * )  
 

- ج 1  ص 363 -

رضي الله عنك يا أم المؤمنين ! أفلا قلت ذلك لابن اختك عبد الله حيث حاول قتل الاشتر ، ثم أكان الامر منحصرا بابن اختك ؟ فما بال سائر المسلمين الذين قتلوا في تلك المعركة الرهيبة ؟


ومنها ما رواه ابن عبد ربه ( 240 ) قال : دخلت أم أوفى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل ، فقالت لها : يا أم المؤمنين ! ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا ؟ قالت : وجبت لها النار ، قالت : فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الاكابر عشرين ألفا في صعيد واحد ؟ قالت : خذوا بيد عدوة الله . انتهى .


كانت هذه المرأة قاسية مع أم المؤمنين فإنها وإن كانت من عبد القيس وقد قتل من رجالها أمثال حكيم بن جبلة المئات مع علي غير أنه لم يكن لها أن تجابه أم المؤمنين بهذه القسوة بعد تلك المدة .

كان وقع حرب الجمل على نفس أم المؤمنين شديدا ، ولم يذهب أثرها على نفسها مر الأيام ، وقد رأينا فيما مر بعض كلامها الذي تصرح فيه بندمها على المشاركة في تلك الحرب ولعل الحديث الآتي منها أيضا من آثار ندمها ذلك .

في العقد الفريد ، قالت عائشة : المغزل بيد المرأة أحسن من الرمح بيد المجاهد في سبيل الله ( 241 ) . وعلى قدر ما كان ذكر تلك الحرب سيئا على نفس أم المؤمنين كان ذلك مبهجا لحزب معاوية يشيدون بذكرها في كل حين .

قال ابن عبد ربه ( 242 ) : قدم يزيد بن منبه من البصرة على معاوية ، وهو أخو يعلى بن منية صاحب جمل عائشة ( رض ) ومتولي تلك الحروب ، ورأس أهل البصرة ، وكانت ابنة يعلى عند عتبة بن أبي سفيان ، فلما دخل على معاوية شكا دينه ، فقال : يا كعب ! أعطه ثلاثين ألفا ، فلما ولى ، قال : وليوم الجمل

  ( 240 ) العقد الفريد في ذكره خاتمة وقعة الجمل ، وعيون الاخبار لابن قتيبة 1 / 202 .
( 241 ) العقد الفريد 2 / 455 .
( 242 ) العقد الفريد 1 / 299 و 2 / 68 . مصر الثانية . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 364 -

ثلاثين ألفا أخرى . . الحديث .

وقال عمرو بن العاص لعائشة : " لوددت أنك كنت قتلت يوم الجمل " . فقالت : " ولم ؟ لا أبالك ! " فقال : " تموتين بأجلك وتدخلين الجنة ، ونجعلك أكبر التشنيع على علي " ( 243 ) .


ومن حديث أم المؤمنين مع عمرو أيضا ما رواه مسروق ( 244 ) وقال : ذكر عندها أي عائشة أن عليا ( رض ) قتل ذا الثدية ، فقالت لي : إذا أنت قدمت الكوفة ، فاكتب لي ناسا ممن شهد ذلك ممن تعرف من أهل البلد ، فلما قدمت وجدت الناس اشياعا ، فكتبت لها من كل شيع عشرة ممن شهد ذلك ، قال : فأتيتها بشهادتهم ، فقالت : لعن الله عمرو بن العاص ، فانه زعم لي أنه قتله بمصر .


وفي تاريخ ابن كثير بعد هذا : ثم أرخت عينيها فبكت ، فلما سكنت عبرتها ، قالت : رحم الله عليا لقد كان على الحق . وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة وأحمائها .

وكان السبب في ادعاء عمرو أنه هو الذي قتل ذا الثدية ما كانوا يروونه عن النبي في ذمه ومدح قاتله ( 245 ) ، فأراد عمرو بما ادعاه أن يصدق عليه مدح الرسول .


بهذا نختم البحث عن حياة أم المؤمنين ، ونعود إلى ترجمة معاوية ، لنستخلص منها ما يعيننا على دراسة دواعي وضع الحديث في عصره .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 243 ) في الكامل للمبرد ط . ليدن ، ص 151 .
( 244 ) في المستدرك 4 / 13 ، ونعته بالصحة على شرط الشيخين ، وكذلك قال الذهبي في تلخيصه ، وفي النبلاء 2 / 141 ، وابن كثير 8 / 303 .
( 245 ) راجع حرب النهروان سنة 38 من الطبري ، وابن الاثير ، وابن كثير 8 / 289 306 ، ومسند أحمد 2 / 56 . ( * ) 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب