|
- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد
مرتضى العسكري ج 1 ص 348 : - |
|
لقد تتبعنا حياة أم المؤمنين عائشة منذ
أيامها الأولى في بيت الرسول حتى آخر ساعات حياتها في
عصر معاوية ، ودرسنا نواحي شخصيتها الفذ في كل مكان ،
وبقي بعض مزاياها الاتي سنستعرضها فيما يلي .
جودها :
أخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم ابن اخيها محمد
قال : أهدي لها سلال من عنب ، فقسمته ، ورفعت الجارية
سلة ، ولم تعلم بها عائشة ( رض ) : فلما كان الليل
جاءت به الجارية ، فقالت عائشة ( رض ) : ما هذا ؟ قالت
: يا سيدتي ! أو يا أم المؤمنين ! رفعت لنأكله ، قالت
عائشة ( رض ) : أفلا عنقودا واحدا ؟ والله لا أكلت منه
شيئا . وعن أم ذرة وكانت تغشى عائشة قالت : بعث إليها
بمال في غرارتين ( * ) ، قالت : أراه ثمانين أو مائة
ألف ، فدعت بطبق وهي يومئذ
| |
( * ) " الغرارة " بكسر أوله : الجولق . ( * ) |
|
|
صائمة ، فجلست تقسم بين
الناس ، فأمست وما عندها من ذلك درهم ، فلما أمست ،
قالت : يا جارية ! هلمي فطري ، فجاءتها بخبز وزيت ،
فقالت لها أم ذرة : أما استطعت مما قسمت اليوم أن
تشتري لنا لحما بدرهم نفطر عليه ! ؟ قالت : لا تعنفيني
، لو كنت ذكرتيني لفعلت ( 204 ) .
وعن عروة - ابن
أختها - قال : لقد رأيت عائشة ( رض ) تقسم سبعين ألفا
وإنها لترقع جيب درعها . وصعب على ابن الزبير السكوت
عن كل هذا ، فقد حدث أبو نعيم وغيره وقالوا : إن عائشة
باعت رباعها ، فقال ابن الزبير : لاحجرن عليها ، فقالت
عائشة ( رض ) : لله علي ألا أكلم ابن الزبير حتى أفارق
الدنيا ، فطالت هجرتها ، فاستشفع ابن الزبير بكل أحد ،
فأبت أن تكلمه ، فقالت : والله لا آثم فيه أبدا ، فلما
طالت هجرتها جاء مع المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن
الاسود إلى باب عائشة وقد شملاه بأرديتهما فاستأذنا
عليها أن يدخلا ومن معهما ، فأذنت ، فدخلوا عليها ،
فاعتنقها ابن الزبير ، فبكى وبكت عائشة ( رض ) بكاء
كثيرا ، وناشدها ابن الزبير الله والرحم ، فلما أكثروا
عليها كلمته ، ثم بعثت إلى اليمن ، فابتيع لها اربعين
( كذا ) رقبة ( 205 ) .
هذه بعض القصص عن جودها ، ومر
ذكر بعضها الآخر في باب رعاية معاوية إياها في المال .
صلتها للرحم : كانت أم المؤمنين وصولا للرحم ، حانية
على أقربائها ، وبهذا الخلق
| |
( 204 ) وفي النبلاء 2 /
131 : أن عبد الله بن الزبير كان قد بعث ذلك إليها ، وإنا نرى ذلك
بعيدا عن خلق ابن الزبير .
( 205 ) أخرج أحاديث جودها جميعا أبو نعيم في
حليته 2 / 47 49 ، والنبلاء
للذهبي 2 / 129 . ( * )
|
|
|
الكريم بلغت الذروة ، بل
جاوزت الحدود المعروفة فيه ، وكانت نقمتها على
مناوئيهم من آثار شفقتها عليهم ، وفيما سبق ذكره من
ترجمتها لاكثر من دليل على ذلك ، ومن أجلى مظاهر حنوها
على أقربائها قصتها مع أخيها محمد بن أبي بكر ، فانهما
بعد أن اشتركا في الاجهاز على عثمان ، اختلفا بعده ،
فدخل محمد تحت راية علي ، وجرد السيف في وجهها ،
وحاربها في البصرة ، حتى إذا انتهت المعركة أمره علي
أن يتعاهد أخته .
فلما أدخل رأسه إليها ، قالت : من
أنت ويلك ! ؟ قال : أبغض أهلك إليك ! قالت : إبن
الخثعمية ؟ قال : نعم ، قالت : الحمد لله الذي عافاك (
206 ) .
ثم قتل محمد هذا في مصر ، وأدخل رأسه في جيفة
حمار ، وأحرق ، وبلغ ذلك عائشة ، فبكت بكاء شديدا .
ولما بلغ أم حبيبة أخت معاوية بن أبي سفيان قتل محمد
وتحريقه شوت كبشا ، وبعثت به إلى عائشة تشفيا بقتل
محمد بطلب دم عثمان ، فقالت عائشة : قاتل الله ابنة
العاهرة ، والله لا أكلت شواء أبدا ، ثم ضمت عياله
إليها ( 207 ) .
قال القاسم بن محمد بن أبي بكر : لما
قتل معاوية بن خديج الكندي ، وعمرو بن العاص أبي بمصر
، جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فاحتملني ، وأختا
لي من مصر ، فقدم بنا المدينة ، فبعثت إلينا عائشة ،
فاحتملتنا من منزل عبد الرحمن إليها ، فمات رأيت والدة
قط ، ولا والدا أبر منها ، فلم نزل في حجرها على فخذها
، ثم بعثت إلى عمي عبد الرحمن ، فلما دخل عليها ، قالت
له بعد حمد الله والثناء عليه : يا أخي ! إني لم أزل
أراك معرضا عني منذ قبضت هذين الصبيين منك ، ووالله ما
قبضتهما تطاولا عليك ، ولا تهمة لك فيهما ، ولا لشئ
| |
( 206 ) راجع قبله ص 180 .
( 207 ) تذكرة خواص الامة في ذكره حرب الخوارج ط . النجف 114 ،
وفي التمهيد والبيان ص 209 ، ذكر امتناعها عن أكل الشواء .
( * ) |
|
|
تكرهه ، ولكنك كنت رجلا ذا
نساء ، وكانا صبيين لا يكفيان من أنفسهما شيئا ، فخشيت
أن ترى نساؤك منهما ما يتقذرن به من قبيح أمر الصبيان
، فكنت ألطف لذلك ، وأحق لولايته ، أما الآن ، فقد
قويا على أنفسهما وشبا ، وعرفا ما يأتيان ، فها هما
هذان ، فضمهما إليك ، وكن لهما كحجية بن المضرب أخي
كندة ، ثم ذكرت له : أن الحجية كان له أخ مات ، وترك
صغارا ، فكان عمهم يؤثرهم على بنيه ، ثم عرض له سفر ،
فأوصى بهم امرأته ، فغاب أشهرا ، ثم رجع ، فرأى
الصبيان قد ساءت حالهم ، فقال لامرأته : ويلك ! مالي
أرى بني أخي مهازيل ، وبني سمانا ! ؟
قالت : قد كنت
أواسي بينهم ولكنهم كانوا يعبثون ويلعبون ، ثم خلا
بالصبيان وسألهم فقالوا : كانت سيئة معنا ، ما كانت
تعطينا من القوت إلا قدحا صغيرا من اللبن ، فغضب وقال
لراعيي إبله لما أراحا عليه : إذهبا فأنتما وابلكما
لبني أخي ( 208 ) .
إن أم المؤمنين بكت أخاها القتيل
محمد ، ولم تنسه مدى حياتها ، ورعت حقه إذ انتزعت
صغيرته من بيت عمهما خشية تقذر نسائه منهما .
وربتهما
في كنفها كالأم الحنون ، حتى إذا اشتدت سواعدهما ، وآن
أن يرجى منهما الخير دفعتهما إلى عمهما بعد أن أوصته
أن يكون لهما كحجية بن المضرب حين آثر بني أخيه على
بنيه ، وبذلك رعت حق الحي بعد الميت ، وحفظت حقوق
الصغار من الضياع .
ومن آثار شفقتها على ذوي قرباها
إعطاؤها عشرة آلاف لمن بشرها بحياة ابن الزبير إذا
التقى مع الأشتر في حرب الجمل ( 209 ) .
هذه إلى كثير
من نظائرها في حياة أم المؤمنين تكشف عن مدى حدبها على
أقربائها ورعايتها لهم .
| |
( 208 ) أوردتها ملخصة من الاغاني 21 / 9 10 في أخبار حجية بن المضرب .
ونسبه في الاشتقاق ص 371 .
( 209 ) العقد الفريد 3 /
102 ط . الجمالية في ذكره حرب الجمل . ( * )
|
|
|
|