- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 335 : -

المغتالون في بيعة يزيد :


وجد معاوية في حياة اثنين من كبار المسلمين عائقا لما يرومه من تولية ابنه العهد من بعده ، فاغتال كلا منهما بمفرده ليزيل آخر عقبة عن سبيله .

روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ( 164 ) وقال : " وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي ، وسعد بن أبي وقاص ، فدس إليهما سما فماتا منه " .

وسبب ثقل أمر الحسن وسعد عليه : أن سعدا كان الباقي من الست أهل الشورى الذين رشحهم عمر للخلافة من بعده ( 165 ) ، وأما الحسن فلما جاء في معاهدة الصلح بينهما : أن يكون الأمر للحسن من بعده ( 166 ) ، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد ( 167 ) .

أما إنه كيف اغتالهما ، فلم نجد من يشرح كيف اغتال سعدا ، أما الحسن : فقد روى المسعودي ( 168 ) وقال : " إن جعدة بنت الاشعث بن القيس

  ( 164 ) مقاتل الطالبيين ص 43 ، وفي أنساب الاشراف 1 / 404 : " توفي سعد بن أبي وقاص والحسن بن علي بعدما مضت من إمرة معاوية عشر سنين ، وكانوا يرون أنه سمهما " ، وابن أبي الحديد 4 / 11 و 17 .
( 165 ) راجع قصة الشورى في : " عبد الله بن سبأ " ص 118 126 .
( 166 ) ابن كثير 8 / 41 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 138 ، والاصابة بترجمة الحسن ، وابن قتيبة ص 150 ، وابن أبي الحديد 4 / 13 .
( 167 ) المدائني كما روى عنه ابن أبي الحديد في شرحه 4 / 8 ، والصواعق 81 .
( 168 ) مروج الذهب بهامش الكامل 6 / 55 ، وقريب منه ما في مقاتل الطالبيين ص 73 ، وذكر اغتياله بالسم من قبل معاوية في ترجمته من الاستيعاب ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة وابن عساكر 4 / 226 وفي أسماء المغتالين من الاشراف ص 44 ، وذكر اليعقوبي في 2 / 225 ط . دار بيروت : أن الحسن لما حضرته الوفاة قال لاخيه الحسين : " يا أخي ان هذه آخر ثلاث مرات سقيت فيه السم ، ولم أسقه مثل مرتي هذه ، وأنا ميت من يومي هذا " . ولم يصرح باسم من سمه ، وكذلك فعل ابن الاثير فانه صرح في 2 / 197 بان زوجته سمته وسكت عن ذكر معاوية ، وذكر ذلك ابن شحنة بهامش ابن الاثير 11 / 132 ، وراجع ابن كثير 8 / 43 ، وشرح النهج 4 / 4 . ( * ) 
 
 

- ج 1  ص 336 -

الكندي سقته السم ، وقد كان معاوية دس إليها : إنك ان احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم ، وزوجتك يزيد ، فكان ذلك الذي بعثها على سمه . فلما مات وفى لها معاوية بالمال ، وأرسل إليها : إنا نحب حياة يزيد ، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه " .

إغتال معاوية سعدا والحسن في سبيل بيعة يزيد ، كما اغتال في سبيل ذلك عبد الرحمن بن خالد قبلهما ، ونرى أنه اغتال أيضا عبد الرحمن بن أبي بكر في هذا السبيل كما سنشرحه بعد هذا إن شاء الله .


البيعة :

استقدم معاوية الوفود من البلاد لبيعة يزيد ، فهدد من خالفه ، وأجزل عطاء من بايعه ( 169 ) وولى بعضهم الإمارة ( 170 ) ثم ارتحل إلى الحجاز لاخذ البيعة من أهل الحرمين بعد أن استعصى أمرهم على ولاته ، تبعا منهم لأمر أربعة من كبار المسلمين الذين أبوا البيعة ، وهم كل من الحسين بن علي ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر .


قال ابن الاثير ( 171 ) : وكان معاوية يعطي المقارب ، ويداري المباعد ويلطف به حتى استوثق له أكثر الناس وبايعه ، فلما بايعه أهل العراق والشام سار إلى الحجاز في ألف فارس ، فلما دنا من المدينة لقيه الحسين بن علي أول الناس . .

ثم روى : كيف أنه جابه الحسين وباقي الأربعة بالغلظة ، وأنه لم يأذن لهم بالدخول عليه في المدينة ، وأنه لما دخل على عائشة ، وقد كان بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه ، فقال : لاقتلنهم إن لم يبايعوا ، وشكاهم إليها ،

  ( 169 ) راجع العقد الفريد 4 / 368 272 ط . القاهرة 1363 ه‍ ، وابن الاثير 3 / 216 .
( 170 ) كسعيد بن عثمان إذ ولاه خراسان ، راجع تهذيب ابن عساكر 6 / 155 ، والطبري 6 / 171 ، وابن الاثير 3 / 218 ، وابن كثير 8 / 79 80 .
( 171 ) ابن الاثير 3 / 216 218 ، والعقد الفريد 3 / 130 131 . ( * )
 
 

- ج 1  ص 337 -

فوعظته ، ثم ذكر انه خرج إلى مكة فلقيه الناس وتلقاه أولئك النفر ، فرحب بهم ، ووصلهم ، ثم جمعهم ، وعرض عليهم الأمر ، فقال له ابن الزبير : إختر منا إحدى ثلاث : إما أن تصنع صنيع رسول الله إذ لم يستخلف ! فبايع الناس أبا بكر ، أو كصنيع أبي بكر إذ عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه ، أو كصنيع عمر إذ جعلها شورى بين ستة ليس فيهم أحد ولده

فقال معاوية : هل عندكم غير هذا ؟ قالوا : لا ، قال : إني أتقدم إليكم وقد أعذر من أنذر ! إني قائل مقالة أقسم بالله لئن رد علي رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يضرب رأسه ، فلا ينظر امرؤ منكم إلا لنفسه ، ولا بقين إلا عليها .

وأمر أن يقوم على رأس كل رجل منهم رجلان بسيفيهما ، فإن تكلم بكلمة يرد بها عليه قوله قتلاه ، ثم خرج بهم إلى المسجد ، فرقى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتز أمر دونهم ، ولا يقضى إلا عن مشورتهم ، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على اسم الله فبايع الناس ، ثم قربت رواحله ، فركب ومضى إلى المدينة ، وأخذ البيعة من أهلها ، وانصرف إلى الشام ، فقال الناس لاولئك الرهط : زعمتم أنكم لا تبايعون ؟ ! فأخبروهم بمكيدة معاوية .


لقد أطنبنا القول في ترجمة معاوية لتقوف فهم علل وضع الحديث في عصره على تحليل شخصيته المعقدة أولا ، ولتوقف فهم العلائق بينه وبين أم المؤمنين واللاتي سندرسها فيما يلي على ذلك ثانيا .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب