- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 100 : -

تبادل الحب والاحترام :


كانت أم المؤمنين عائشة مدى هذا العهد موضوع رعاية الخلافة القائمة وتكريمها ، وكانت هي بدورها تحترم مقام الخلافة وتعتز به وتهابه ، ولم يفتر هذا الحب والاحترام المتبادلين حتى آخر لحظة من هذا العهد ، وقد انجلى في آخر لحظاته في قول كل من الطرفين ، وعمله في ما يكنه للآخر من صادق الحب وعظيم الاحترام .


وذلك فيما أخرجه البخاري في قصة البيعة والاتفاق على عثمان من كتاب فضائل أصحاب النبي ( 31 ) ، وابن سعد بترجمة عمر من طبقاته عن عمرو بن ميمون في حديث طويل له قال : قال عمر . . يا عبد الله بن عمر . . انطلق

 

( 31 ) البخاري 4 / 69 70 ط بومباي سنة 1270 ، والطبقات 3 / 337 . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 35 -

إلى عائشة أم المؤمنين ، فقل : يقرأ عليك عمر السلام . . . وقل : يستأذن عمر ابن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، فسلم فاستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي عليه فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه . فقالت : كنت أريده لنفسي ولاوثرن به على نفسي . فلما أقبل . . قال : مالديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنت . قال : الحمد لله ! ما كان شئ أحب إلي منه .


وفيما رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد ( 32 ) ان عمر قال في حديث لاهل الشورى : " فاجتمعوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا ، واختاروا منكم رجلا " .

فلما دفن عمر جمع المقداد بن الاسود ( 33 ) أهل الشورى في بيت عائشة بإذنها وجاء عمرو بن العاص ( 34 ) ، والمغيرة بن شعبة ( 35 ) فجلسا بالباب ،

 

 ( 32 ) العقد الفريد 4 / 275 277 . والطبري 3 / 34 .
( 33 ) المقداد بن الاسود الكندي ، هو ابن عمر بن ثعلبة بن مالك البهراني ، أصاب في الجاهلية دما في قومه فلحق بحضرموت ، فحالف كندة ، ثم وقع بينه وبين أبي شمر بن الحجر الكندي شر فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة ، فحالف الاسود بن عبد يغوث الزهري فتبناه الاسود ، فصار يقال له : المقداد بن الاسود الكندي ، فلما نزلت : " أدعوهم لآبائهم " قيل له : المقداد بن عمرو . توفي سنة 23 ه‍ . الاستيعاب 3 / 453 والإصابة 3 / 433 434 .

( 34 ) أبو عبد الله أو أبو محمد عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي وأمه النابغة بنت حرملة ، سبيت من بني جيلان بن عتيك ، وبيعت بعكاظ واشتراها الفاكه بن المغيرة ثم انتقلت إلى عبد الله بن جدعان ومنه إلى العاص بن وائل ، فولدت له عمرا . أرسلته قريش إلى النجاشي ليغير رأيه على جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة ويسترجعهم إلى مكة فرده النجاشي . أسلم سنة ثمان وقبل الفتح بستة أشهر . وافتتح مصر لعمر ، ووليها إلى السنة الرابعة من خلافة عثمان ، فعزله عنها ، فأخذ يؤلب عليه حتى قتل ، ثم اشترك مع معاوية بصفين مطالبا بثار عثمان وأشار برفع المصاحف للصلح فانخدع جيش علي وقبلوا الصلح وعينوا أبا موسى من قبلهم وعين معاوية عمرا فغدر بأبي موسى وخلعا عليا ونصب عمرو معاوية وأخذ مصر طعمة من معاوية ووليها بعد قتل محمد بن أبي بكر حتى توفي سنة ثلاث وأربعين أو بعدها ودفن هناك ، راجع ترجمته في الاستيعاب ، والطبقات وأسد الغابة ، والاصابة . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 102 -

فحصبهما سعد ( 36 ) وأقامهما ، وقال : " أتريدان ان تقولا : حضرنا وكنا في أهل الشورى ؟ ! " .

إن محطم كسرى وقيصر ، وفاتح ممالكهما ، وضارب ظهر الصحابة بالدرة ( * ) ، ومن كانت الجبابرة ترتعد من ذكر اسمه ، يتصاغر أمام أم المؤمنين هذا التصاغر ، وينيط أمر مثواه الأبدي إلى كلمتها الأخيرة ، ويجعل من بيتها دارا للشورى ، فيه ينقض ويبرم أمر تعيين الخليفة من بعده ، وناهيك بذلك شرفا تتطاول إليه الأعناق .

بهذا وبغيره مما ميزها به طوال عهده على من عداها من جميع المسلمين قد بلغها من الحرمة إلى مكانة أصبح الجميع دونها ، وكون منها قوة عظيمة بها استطاعت أن تعارض من جاء بعده ، فزعزعت من كيان الخليفتين الصهرين ، وحدت بالمسلمين إلى إراقة دمهما إلى غير هذا مما سندرسه في عهد الصهرين وما بعده إن شاء الله تعالى .

 

 ( 35 ) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي . وأمه امرأة من بني نصر بن معاوية . أسلم عام الخندق ، وهاجر إلى المدينة ، وشهد الحديبية ، وأرسله الرسول مع أبي سفيان لهدم صنم ثقيف بالطائف ، وأصيبت عينه يوم اليرموك . ولاه عمر البصرة وعزله عنها لما شهدوا عليه بالزنا ، ثم ولاه الكوفة ، وتوفي أميرا عليها من قبل معاوية سنة 50 ه‍ بعد ان أحصن 300 امرأة في الإسلام وقيل بل ألف امرأة . ترجمته في الإصابة 3 / 432 ، والاستيعاب بهامش الإصابة 3 / 368 وأسد الغابة 4 / 406 .

( 36 ) أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن أهيب القرشي الزهري . كان سابع سبعة سبقوا إلى الإسلام ، شهد بدرا وما بعدها . وهو أول من رمى بسهم في الإسلام ، وكان رأس من فتح العراق ، وكوف الكوفة ، ووليها لعمر ، وعينه في الستة أصحاب الشورى ، اعتزل الناس بعد مقتل عثمان ، ومات بمسكنه في العقيق في خلافة معاوية ، ودفن بالبقيع . الاستيعاب بهامش الإصابة 2 / 18 25 ، والإصابة 2 / 30 32 . ( * ) الدرة بالكسر : السوط . ( * ) 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب