- أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 1  ص 95 : -

ذكرنا بعد أحاديث أم المؤمنين مما رأينا نشره يناسب عصر الخليفتين ، وكثير من أحاديثها ما لابد من القول بأنها قد نشرت بعد عصرهما . ومنها الحديث الآتي . فقد حدث به بعد وفاة عمر ، ومن الجائز أن يكون التحديث به بعد عمر بزمن بعيد :


رثاء الجن :

في ترجمة عمر من الاستيعاب وأسد الغابة وترجمة الشماخ من الأغاني بسندهم إلى عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة قالت ( 22 ) : ناحت الجن على عمر قبل أن يقتل بثلاث ، فقالت :

أ - أبعد قتيل بالمدينة أظلمت * له الأرض تهتز العضاة بأسوق
ب - جزى الله خيرا من إمام وباركت * يد الله في ذاك الأديم الممزق

 

( 22 ) الاستيعاب 2 / 421 ، والأغاني ، ط . بيروت 9 / 155 ، وط . ساسي 8 / 98 . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 96 -

ج - فمن يسع أو يركب جناحي نعامة * ليدرك ما قدمت بالامس يسبق
د - قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * بوائق في أكمامها لم تفتق
ه‍ - فما كنت أخشى أن تكون وفاته * بكفي سبتني أزرق العين مطرق
( * )


وإنما جوزنا أن يكون عصر نشر هذا الحديث بعد الخليفة عمر بزمان بعيد ، لما وجدنا فيه من تعريض بالعصر الذي تفتقت الأكمام فيه عن الشرور والخصومات وهذا يناسب النصف الثاني من عهد الخليفة عثمان إلى ما بعده .

وإذا كان التعريض بهذا كناية غير صريحة ، فإنه من الواضح الجلي أن ذكر قتل الخليفة عمر بيد جرئ أزرق العين إنما يكون بعد وقوع الحادثة ، ومن بعد وفاة عمر لا في حياته .

وأما أن تكون الجن قد اطلعت على الغيب وأخبرت به قبل وقوعه بثلاثة أيام أو بأكثر من ذلك ، فإنه يخالف ما أخبر الله به في قصة موت سليمان من أن الجن لا تعلم الغيب في قوله تعالى :

 

( * ) " العضاة " حمع ( العض ) بالكسر صغار أشجار الشوك . " أسوق " جمع ( الساق ) جذع الشجرة . " الاديم " الجلد . " يركب جناحي نعامة " يضرب به المثل للسير السريع . " أكمامها " جمع ( الكم ) بالكسر غلاف الزهر والثمر والطلع و ( أكمام الزرع ) غلفها التي تخرج عنها . " البوائق " جمع بائقة : الشر والخصومة وما شاكلها . " السبتنى " النمر الجرئ . " أزرق العين " كانت العرب تلقب به أعداءها من الروم والديلم ، والمقصود به هنا أبو لؤلؤة قاتل عمر . " المطرق " الحنق . وتفسير الابيات كما يلي :

أ أتنبت صغار الشوك بعد قتيل المدينة الذي أظلمت له الارض .
ب جزى الله خيرا من امام وباركت يد الله في ذلك الجلد الممزق بخنجر أبي لؤلؤة .
ج يخاطب الخليفة القتيل بقوله : لا يدركك أحد فيما سبقت إليه من أفعال حميدة وان يركب السائر خلفك جناحي نعامة ويسرع السير .
د قضيت أمورا من سياسة الرعية وفتح بلاد الاعادي ثم غادرت بعد ذلك الصنيع الخطوب والحوادث الجسام وتركتها جميعا في مكامنها . من الجائز أن يكون في البيتين تعريض بالحوادث الخطيرة في عهد الصهرين . هما كنت أحسب أن يكون قتل الخليفة بكف نمر جرئ حنق من ذوي العيون الزرق . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 97 -

" فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ " ( 23 ) .

فإن الجن التي تلبث في العذاب المهين سنة كاملة ولا تدرك في كل هذه المدة أن سليمان قد مات ، حتى تأكل دابة الارض منسأته ، ويخر على الارض ، كيف تطلع على الغيب ، وتخبر بقتل الخليفة عمر بيد أزرق العين من قبل وقوعه بثلاثة أيام أو أكثر .


إذن فالتحديث بهذا الحديث قد كان من بعد وفاة عمر ، وليس قبله . هذا كله فيما إذا لم نجد هذه الأبيات إلا في حديث أم المؤمنين عائشة غير أنا وجدنا أبا الفرج يقول في ترجمة الشماخ من الأغاني ( 24 ) : وللشماخ أخوان ( 25 ) من أبيه وأمه شاعران أحدهما مزرد واسمه يزيد وإنما سمي مزردا لقوله :

فقلت تزردها عبيد فإنني * لدرد الموالي في السنن مزرد ( * )

والآخر جزء بن ضرار وهو الذي يقول يرثي عمر بن الخطاب : عليك سلام من أمير وباركت * يد الله في ذاك الاديم الممزق

* * *

 

( 23 ) سورة سبأ : الآية 14 .
( 24 ) الأغاني 9 / 154 157 ، ط . دار الثقافة بيروت ، وط . ساسي ، 8 / 98 99 ، وقال في الاشتقاق ص 286 ومن بني جحاش شماخ ومزرد وجزء ( بنو ضرار ) كانوا شعراء أدركوا الإسلام وجزء هو الذي رثى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالأبيات التي يقول فيها عليك سلام . . . البيت ، وانظر الحماسة 1090 بشرح المرزوقي حيث فيه تحقيق عن نسبة هذه الأبيات .

( 25 ) هؤلاء اخوة ثلاثة أشقاء من أولاد ضرار بن ثعلبة الغطفاني الذبياني الثعلبي أدركوا الجاهلية والإسلام . أشهرهم الشماخ الذي دون شعره ، واستشهد في بعض الغزوات على عهد عثمان . راجع ترجمة الشماخ في الأغاني 9 / 154 ط . دار الثقافة بيروت 1957 م ، والإصابة 2 / 152 ، وترجمة مزرد في أسد الغابة 4 / 351 ، والإصابة .
( * ) تزرد اللقمة : بلعها ، وفي الإصابة : بزرد القوافي . ( * ) 

 
 

- ج 1  ص 98 -

قال ابن الأثير في أسد الغابة ( 26 ) : قيل إن هذه الأبيات للشماخ بن ضرار أو جماع بن ضرار ( 27 ) .

ويظهر أن انتساب هذه الأبيات إلى الشماخ أو أخيه كان مذكورا في ذلك العصر فإن أم المؤمنين قد حدثت أختا أم كلثوم بنت أبي بكر وقالت : إن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وآله أن يحججن في آخر حجة حجها عمر ، قالت : فلما ارتحل من الحصبة أقبل رجل متلثم على راحلته ، فقال قائل وأنا أسمع : هذا كان منزله ! فأناخ في منزل عمر ، ثم رفع عقيرته يتغنى : عليك سلام من أمير وباركت . . الأبيات . قالت عائشة : فقلت لبعض أهلي : أعلموني من هذا الرجل ؟ ! فذهبوا فلم يجدوا في مناخه أحدا ! قالت عائشة : فوالله إني لأحسبه من الجن ! .

وجاء في الحديث بعد هذا : فلما قتل عمر نحل الناس هذه الابيات للشماخ بن ضرار أو لاخيه مزرد ، إنتهى .


قد أخرج هذه الرواية كل من أبي الفرج بترجمة الشماخ من الأغاني ( 28 ) ، وابن عبد البر بترجمة عمر من الاستيعاب ، ولفظ كل منهما مماثل للآخر ، وأخرجها ابن سعد أيضا في ترجمة عمر من الطبقات ، بسنده إلى أم كلثوم . وفيه بعض الاختلاف مع لفظهما ، والمعنى في الجميع واحد ، وأخرجها ابن حجر بترجمة الشماخ من الإصابة وقال : روى الفاكهي بأسناد صحيحة عن أم كلثوم . . الحديث .

 

( 26 ) أسد الغابة بترجمة عمر .
( 27 ) الصحيح في اسمه جزء ، وليس بجماع ، ونظنه من غلط النساخ في كتابة الخط الكوفي وقراءته .
( 28 ) الاغاني ط . بيروت ، 9 / 154 167 ، وط . ساسي 8 / 98 ، والاستيعاب 2 / 465 ، والطبقات بترجمة عمر 3 / 333 - 334 والاصابة 2 / 152 . ( * )

 
 

- ج 1  ص 99 -

نجد حديث أم كلثوم هذا الذي صحح أسناده ابن حجر ، يريد أن يعالج شهرة انتساب الأبيات إلى أبناء ضرار الشعراء ، وذلك بالتصريح بأن أم المؤمنين بنفسها قد شاهدت في المحصب بالمشعر في حجها مع عمر في آخر حجة حجها عمر ، حيث رجع إلى المدينة في الشهر نفسه فطعن فتوفي .


شاهدت أم المؤمنين الراكب الملثم ينشد عن منزل عمر - حيث كان قد ارتحل عنه - فيدله القائل المجهول على منزل عمر ، فينيخ الملثم راحلته ، ويرفع عقيرته يتغنى بالأبيات ، فترسل أم المؤمنين أحد أهلها ليعلموها عن الرجل المنيخ أمامها ، ولكنه قد غاب عن النظر " فلم يجدوا في مناخه " الذي كان بمرأى من أم المؤمنين " أحدا " .

إذن فالرجل قد كان من الجن وإلا فأين ذهب عن النظر . فلذلك حلفت أم المؤمنين وقالت : " فوالله إني لاحسبه من الجن " .

وبعد هذه المشاهدة المحسوسة بالبصر واليمين عليها ، هل يشك أحد في أن الجن هي التي أنشدت هذه الأبيات للأخبار بموت عمر .

وبعد هذا فليدع من شاء أن يدعى أن هذه الأبيات من نظم الشاعر ابن ضرار . وأنه كان قد نظمها من بعد موت عمر ، فليس ذلك بمقبول منه بعد أن لهجت الجن بها من قبل موت عمر بنيف وعشرة أيام في المحصب وقبل ثلاث في المدينة .


والذي يوقفنا من هذا الحديث موقف الشك مضافا إلى ما سبق ذكره - هو أن رؤية الجن وسماعها إن كان منحصرا بأزواج الرسول ، فلذلك لم تشاهدها الآلاف من الحجاج في الموقف بالمحصب ولم تسمعها ، فإن أم المؤمنين عائشة أيضا لم تكن وحدها قد حجت في تلك الحجة من أزواج الرسول صلى الله عليه وآله بل كانت ترتحل وتنزل في كل منزل سوية مع غيرها من أمهات المؤمنين ممن حججن معها ، فلم انحصر الحديث عنها في قصة رثاء الجن ! ؟ وهناك حديث آخر عن أم المؤمنين لعلاج الشك في صحة نسبة الأبيات 

 

- ج 1  ص 100 -

إلى الجن مقابل اشتهار نسبتها إلى الشاعر من بني آدم : والحديث أخرجه ابن سعد في طبقاته ( 29 ) عن موسى بن عقبة ، قال : قالت عائشة : من صاحب هذه الابيات : " جزى الله خيرا من إمام وباركت " ؟ فقالوا : مزرد بن ضرار . قالت : فلقيت مزردا بعد ذلك ، فحلف بالله ما شهد ذلك الموسم ! ! وسواء صح سند الحديث إلى أم المؤمنين كالحديثين السابقين أم كان في سنده ضعف كما وصفه ابن حجر بترجمة مزرد من الإصابة ( 30 ) ، فإنه يعلمنا بوجود القالة حول نسبة الحديث إلى الشاعر الجني أو الآدمي ، وإنه لعلاج هذه القالة حدث بهذا الحديث لتقوية الحديثين ذوي السند الصحيح إلى أم المؤمنين .

 

 ( 29 ) طبقات ابن سعد 3 / 334 ، ط بيروت بترجمة عمر .
( 30 ) الإصابة 3 / 385 - 386 . ( * ) 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب