- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 76 :

صحيفة المقاطعة ، وشعب أبي طالب :


لما رأت قريش عز النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمن معه ، وانتشار الإسلام بين القبائل العربية ، وعز أصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة ، بالإضافة إلى إعلان حمزة بن عبد المطلب الإسلام ، ووقوف علي بن أبي طالب بفتوته مدافعا عن ابن

عمه وعن دعوته الإسلامية ، ومناصرة بنو هاشم وبنو عبد المطلب ، وتيقن المشركون أن لا قدرة لهم على قتل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وإن أبا طالب لا يسلم محمدا ( صلى الله عليه وآله ) إليهم ولا يخذله ، فأخذهم الفرق من اتساع الدعوة وانتشارها ، وأحسوا بالخطر المحدق بهم على زعامتهم ومصالحهم

 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 77 :

وأن جميع جهودهم وظلمهم ومقاومتهم للإسلام ولرسوله باءت بالفشل . لذا حاولت قريش أن تقوم بتجربة جديدة غير أسلوب الإرهاب والتعذيب والضغط ، فلجأت إلى الحصار الاقتصادي والاجتماعي ، ضد أبي طالب والهاشميين ، وهذا الحصار لا يخلو من ثلاث حالات :

إما أن يرضخوا لمطالبها في تسليم محمد ( صلى الله عليه وآله ) لها لتقتله .

وإما أن يتراجع محمدا ( صلى الله عليه وآله ) عن دعوته .

وإما أن يموتوا جوعا وذلا ، وهذا الإجراء يرفع المسؤولية عن الفرد المحدد ، فتكون مسؤولية جماعية عامة ، فقروا هذا الرأي بعد اجتماع مشيخة قريش في دار الندوة .


اجتمعوا في دار الندوة ، وفي بعض الروايات : اجتمعوا في المخصب من الخيف في منى بعد أن أقنعوا كنانة - القريبين من مكة - بالاشتراك معهم في المقاطعة ،
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 78 :

وتداولوا الآراء مع شياطينهم وقلبوا الأمور ظهرا لبطن ، فاتخذوا قرارا بالإجماع أن يكتبوا صحيفة مقاطعة بني هاشم ويودعوها في الكعبة بشروط قاسية وملزمة لكل قريش ومن تباعهم ، وهي أن لا يبايعوا بني هاشم ولا يشاروهم ، ولا

يحدثوهم ، ولا يجتمعوا معهم ، ولا يناكحوهم ولا يقضوا لهم حاجة ولا يعاملوهم حتى يدفع بنو هاشم إليهم محمدا فيقتلوه ،
أو يخلوا بينهم وبينه ، أو ينتهي من تسفيه أحلامهم .


ووقع على هذه الصحيفة أربعون رجلا من وجوه قريش ، وختموها بأختامهم ، وعلقت هذه الوثيقة في الكعبة ، وكان ذلك في سنة سبع من البعثة على أشهر الروايات .


ولما علم أبو طالب بصحيفة المقاطعة ، قام إليهم يحذرهم الحرب ، وقطيعة الرحم ، وينهاهم عن اتباع السفهاء ، ويعلمهم استمراره على مؤازرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 79 :

بكل ما يستطيع من قوة ويذكرهم على فضله وشرفه ، ويضرب لهم المثل بناقة صالح ، ويذكرهما بإلغاء أمر الصحيفة ، بقوله :

ألا أبلغا عني على ذات بينها * لؤيا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب

وأن عليه في العباد محبة * ولا حيف فيمن خصه الله بالحب
وأن الذي لفقتم في كتابكم * يكون لكم يوما كراغبة السقب

أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الزبى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب

 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 80 :

إلى آخر الأبيات المذكورة في كتاب ( إيمان أبي طالب - للإمام شمس الدين بن معد المتوفى سنة 630 ه‍ ) .

ودخل بنو هاشم الشعب - شعب أبي طالب - ومعهم بنو المطلب بن عبد مناف باستثناء عبد العزى ( أبي لهب ) ، لعنه الله وأخزاه ، واستمروا فيه إلى السنة العاشرة ، وكانوا ينفقون من أموال السيدة خديجة بنت خويلد ، وأموال أبي طالب ( عليه

السلام ) حتى نفدت ، ولقد اضطروا بعدها إلى أن يقتاتوا بورق الشجر ، وكان صبيتهم يتضوعون جوعا ، وظل المسلمون في شعب أبي طالب يقاسون الجوع والحرمان لا يخرجون منه إلا في أيام الموسم ، موسم العمرة في رجب ، وموسم الحج

في ذي الحجة ، فكانوا يشترون حينئذ ويبيعون ضمن ظروف صعبة جدا . وكان علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يأتيهم بالطعام سرا من
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 81 :

مكة ، من حيث تمكن ، وقد كان يأتيهم سرا من أناس كانوا مرغمين على مجاراة قريش كهشام بن عمرو أحد بني عامر ، الذي كان يأتي بالبعير بعد البعير ليلا محملا بأنواع الطعام والتمر إلى فم الشعب ، فإذا انتهى به إلى ذلك المكان نزع عنه

خطامه وضربه على جبينه ، فيدخل الشعب بما عليه ، ولكن تلك الصلات البسيطة لم تكن لتكفيهم . وكان أبو طالب كثيرا ما يخاف على النبي ( صلى الله عليه وآله ) البيات في مكان معين ، فإذا أخذ الناس مضاجعهم ، واضطجع النبي ( صلى الله

عليه وآله ) على فراشه ، ورآه جميع من في الشعب ، ونام الناس جاء وأقامه ، وأضجع ابنه عليا مكانه ، وقاية له ، ويقول له :

اصبرن يا بني فالصبر أحجى * كل حي مصيره لشعوب
قد بذلناك والبلاء شديد * لفداء الحبيب وابن الحبيب

 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 82 :

لفداء الأعز ذي الحسب الثاقب * والباع ، والكريم النجيب

إلى آخر أبياته . . .

فيجيبه ابنه علي ( عليه السلام ) :

أتأمرني بالصبر في نصر أحمد * ووالله ما قلت الذي قلت جازعا
ولكنني أحببت أن تر نصرتي * وتعلم أني لم أزل لك طائعا
وسعيي لوجه الله في نصر أحمد * نبي الهدى المحمود طفلا ويافعا
 

واستمرت هذه المحنة ثلاث سنين ، من السنة السابعة إلى العاشرة من البعثة ، عند ذلك تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي وسواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم على هذا العمل المنكر ( حصار بني هاشم ) .

وأول من سعى إلى نقض الصحيفة والاتفاق ، وفك
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 83 :

الحصار عن الهاشميين ، هشام بن عمرو ، وزهير بن أبي أمية المخزومي ، والمطعم بن عدي ، وزمعة بن المطلب بن أسد ، والبختري بن هشام ، واتفقوا أن يفدوا إلى أنديتهم ، ويعلنوا رفض المقاطعة ، وإنهاء الحصار .


وجاء في سيرة ابن هشام : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال لعمه أبي طالب : يا عم ، إن ربي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش ، فلم يدع اسما إلا ( هو الله ) . فقال : ربك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم . خرج أبو طالب إلى أندية قريش

قبل أن يثير النفر الخمسة اعتراضهم على الحصار والمقاطعة ، وقال : يا معشر قريش ، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا ، فهلم إلى صحيفتكم ، فإن كان كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها ، وإن يكن كاذبا دفعت إليكم ابن أخي ، فقال القوم بأجمعهم : قد أنصفت ورضينا ، وتعاقدوا على ذلك .
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 84 :

وقام المطعم إلى الصحيفة وجاء بها وفتحت على مرأى من الجميع ، فإذا بها كما أخبرهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) على لسان عمه أبي طالب ، قد أكلت الأرضة جميع حروفها إلا " بسمك اللهم " ، ومزقت الصحيفة ، بعد موقف هؤلاء النفر الذين أبت نفوسهم الكريمة هذه القطيعة التي كادت أن تقضي على الهاشميين .


وعندما تبين لقريش صدق ما نقله أبو طالب عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأن الأرضة أكلت من صحيفتهم التي قاطعوا بها بني هاشم ولم يبق فيها إلا بسمك اللهم ( اسم الله تعالى ) قالوا : إن هذا سحر ابن أخيك ، رد عليهم بهتهم بقوله :

زعمت قريش أن أحمد ساحر * كذبوا ورب الراقصات إلى الحرم
ما زلت أعرفه بصدق حديثه * وهو الأمين على الحرائب والحرم
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 85 :

وقال :

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميها
وإن حضرت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها


وعاد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بمن معه من الشعب بعد تمزيق الصحيفة إلى استئناف دعوته في مكة ومن جاورها ، ومع القبائل التي تقصدها في المواسم . وساء ذلك قريشا وأصبحوا يشيعون بأنه ساحر كذاب ، بعد ما كان الصادق الأمين . وفي تلك السنة ، وقبل الهجرة بثلاث سنين ، مرض
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 86 :

أبو طالب ثم توفي ، رضوان الله عليه ، وكان ذلك في شهر رمضان ، السنة العاشرة من البعثة النبوية ، وكان له من العمر ست وثمانون سنة ، وقيل : تسعون سنة ، ودفن بالحجون إلى جنب قبري جده وأبيه .


وبعد أيام مرضت السيدة خديجة بنت خويلد ، فدخل عليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهي تجود بنفسها ، فقال : بالكره مني ما أرى ، ولعل الله أن يجعل في الكره خيرا كثيرا . وبعد شهر وخمسة أيام من وفاة عمه أبي طالب ، توفيت السيدة خديجة ، وذلك في منتصف شهر شوال من تلك السنة ، ولها من العمر خمس وستون سنة .


ويروى العكس ، فإن السيدة خديجة توفت في شهر رمضان وأبو طالب توفي في شهر شوال من تلك السنة . وفي تأريخ اليعقوبي ، توفيت خديجة بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام فجهزها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، " ولم تكن صلاة الجنائز مفروضة حينذاك " ودفنها في مقابر قريش
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 87 :

بالحجون ، بالقرب من قبور أجداده هاشم ، وعبد المطلب ، وأبي طالب ، رضوان الله عليهم .


وأصبحت السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) وهي طفلة ، تتعلق بأبيها ، رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهي تبكي
وتقول : أبي أين أمي ؟ أين أمي ؟ فنزل جبرئيل فقال : يا محمد ، قل لفاطمة إن الله تعالى بنى لأمك بيتا في الجنة من قصب

- أي من لؤلؤ - لا نصب فيه ، ولا صخب " أي لا تعب فيه ولا ضوضاء " عزت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هذه الفاجعة ، وشقت عليه ، وقد اجتمعت عليه مصيبتان دفعة واحدة ، فقد عمه وحاميه أبي طالب وفقد زوجته وحبيبته خديجة
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 88 :

بنت خويلد ، فقال : والله لا أدري بأيهما أشد جزعا . وسمي ذلك العام بعام الأحزان . فلزم بيته ، وقل خروجه ، وطمعت
فيه قريش ، إذ فقد حاميه ، ونالت منه ما لم تكن تنال ولا تطمع به من قبل . فبلغ ذلك عمه أبا لهب ، وأخذته الحمية ، حمية

الجاهلية ، فجاءه وقال : يا محمد ، امض لما أردت ، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه ، لا واللات لا يوصل إليك حتى أموت ! وذات يوم سب ابن الغيطلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأقبل عليه أبو لهب فنال منه ، فولى صارخا

وهو يصيح : يا معشر قريش ، صبأ أبو عتبة ! ! فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب مستنكرين ، فقال : ما فارقت دين عبد المطلب ، ولكني أمنع ابن أخي أن يضام - أي يظلم - حتى يمضي لما يريد ، قالوا جميعا : قد أحسنت ، وأجملت ، ووصلت الرحم ، فمكث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أياما يذهب ويأتي
 

- شيخ البطحاء أبو طالب عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 89 :

لا يتعرض له أحد من قريش ، وهابوا سطوة أبي لهب ، إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط ، وأبو جهل بن هشام ، فاحتالا على أبي لهب حتى صرفاه عن عزمه ونصرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فاسترد جواره .

 

 
 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب