نظرة في كتاب الفصل في الملل - الشيخ الأميني  ص 41 :

 5 - قال : وجدنا عليا ( رضي الله عنه ) تأخر عن البيعة ستة أشهر ، فما أكرهه أبو بكر على البيعة حتى بايع طائعا مراجعا غير مكره ص 96 .

وقال ص 97 : وأظرف من هذا كله بقاء علي ممسكا عن بيعة أبي بكر ( رضي الله عنه ) ستة أشهر ، فما سألها ، ولا أجبر عليها ، ولا كلفها وهو متصرف بينهم في أموره ، فلولا أنه رأى الحق فيها واستدرك أمره فبايع طالبا حظ نفسه في دينه راجعا إلى الحق ، لما بايع .

دعا الأنصار إلى بيعة سعد بن عبادة ، ودعا المهاجرون إلى بيعة أبي بكر وقعد علي ( رضي الله عنه ) في بيته لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ليس معه أحد غير الزبير بن العوام ، ثم استبان الحق للزبير ( رضي الله عنه ) فبايع سريعا ، وبقي علي وحده لا يرقب عليه .


 ج - أنا لا أحوم حول هذا الموضوع ، ولا أولي وجهي شطر هذه الأكاذيب الصريحة ، ولا أقابل هذا التدجيل والتمويه على  

- ص 42 -

الحقيقة والجناية على الإسلام وتأريخه ، لكني أقول : أقرأ هذا ثم أنظر إلى ما ذكره الأستاذ الفذ عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه - الإمام علي بن أبي طالب ص 225 - فإنه زبدة المخض ، قال :

واجتمعت جموعهم - آونة في الخفاء وأخرى على ملا - يدعون إلى ابن أبي طالب لأنهم رأوه أولى الناس بأن يلي أمور الناس ، ثم تألبوا حول داره يهتفون باسمه ويدعونه أن يخرج إليهم ليردوا عليه تراثه المسلوب . . .

فإذا المسلمون أمام هذا الحدث محالف أو نصير ، وإذا بالمدينة حزبان ، وإذا بالوحدة المرجوة شقان أوشكا على انفصال ، ثم لا يعرف غير الله ما سوف تؤول إليه بعد هذا الحال . . . فهلا كان علي - كابن عبادة - حريا في نظر ابن الخطاب بالقتل حتى لا تكون فتنة ولا يكون انقسام ؟ ! .


كان هذا أولى بعنف عمر إلى جانب غيرته على وحدة الإسلام ، وبه تحدث الناس ولهجت الألسن كاشفة عن خلجات خواطر جرت فيها الظنون مجرى اليقين ، فما كان لرجل أن يجزم أو يعلم سريرة ابن الخطاب ، ولكنهم جميعا ساروا وراء الخيال ، ولهم سند مما عرف عن الرجل دائما من عنف ومن دفعات ، ولعل فيهم من سبق بذهنه الحوادث على متن الاستقراء ، فرأى بعين الخيال قبل رأي العيون ثبات علي أمام وعيد عمر لو تقدم هذا منه يطلب رضاءه وإقراره لأبي بكر بحقه في الخلافة ، ولعله تمادى قليلا في

 

- ص 43 -

تصور نتائج هذا الموقف وتخيل عقباه ، فعاد بنتيجة لازمة لا معدى عنها ، هي خروج عمر عن الجادة ، وأخذه هذا المخالف العنيد بالعنف والشدة ! .


وكذلك سبقت الشائعات خطوات ابن الخطاب ذلك النهار ، وهو يسير في جمع من صحبه ومعاونيه إلى دار فاطمة ، وفي باله أن يحمل ابن عم رسول الله إن طوعا وإن كرها - على إقرار ما أباه حتى الآن ، وتحدث أناس بأن السيف سيكون وحده متن الطاعة ! . . .

وتحدث آخرون بأن السيف سوف يلقى السيف ! . . .

ثم تحدث غير هؤلاء وهؤلاء بأن النار هي الوسيلة المثلى إلى حفظ الوحدة و إلى الرضى والإقرار ! . .

وهل على ألسنة الناس عقال يمنعها أن تروي قصة حطب أمر به ابن الخطاب فأحاط بدار فاطمة ، وفيها علي وصحبه ، ليكون عدة الإقناع أو عدة الإيقاع ؟ . . .

على أن هذه الأحاديث جميعها ومعها الخطط المدبرة أو المرتجلة ، كانت كمثل الزبد ، أسرع إلى ذهاب ومعها دفعة ابن الخطاب ! . . أقبل الرجل ، محنقا مندلع الثورة ، على دار علي ، وقد ظاهره معاونوه ومن جاء بهم فاقتحموها أو أوشكوا على اقتحام ، فإذا وجه كوجه رسول الله يبدو بالباب حائلا من حزن ، على قسماته خطوط آلام ، وفي عينيه لمعات دمع ، وفوق جبينه عبسة

 

- ص 44 -

غضب فائر وحنق ثائر . . . وتوقف عمر من خشية وراحت دفعته شعاعا ، وتوقف خلفه - أمام الباب صحبه الذين جاء بهم ، إذ رأوا حيالهم صورة الرسول تطالعهم من خلال وجه حبيبته الزهراء ، وغضوا الأبصار من خزي أو من استحياء ، ثم ولت عنهم عزمات القلوب وهم يشهدون فاطمة تتحرك كالخيال ، وئيدا وئيدا بخطوات المحزونة الثكلى ، فتقترب من ناحية قبر أبيها . . . .

وشخصت منهم الأنظار وأرهفت الأسماع إليها ، وهي ترفع صوتها الرقيق الحزين النبرات ، تهتف بمحمد الثاوي بقربها ، تناديه باكية مريرة البكاء : يا أبت رسول الله ! . . . يا أبت رسول الله ! . . . فكأنما زلزلت الأرض تحت هذا الجمع الباغي ، من رهبة النداء . . .

وراحت الزهراء ، وهي تستقبل المثوى الطاهر ، تستنجد بهذا الغائب الحاضر : يا أبت رسول الله ! . . ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب ، وابن أبي قحافة ! ؟ ! .

فما تركت كلماتها إلا قلوبا صدعها الحزن ، وعيونا جرت دمعا ، ورجالا ودوا لو استطاعوا أن يشقوا مواطئ أقدامهم ليذهبوا في   طوايا الثرى مغيبين انتهى .

 

- ص 45 -

قال الأميني : راجع الإمامة والسياسة 1 ص 13 ، تاريخ الطبري 3 ص 198 ، العقد الفريد 2 : 257 ، تاريخ أبي الفداء 1 ص 165 ، تأريخ ابن شحنة في حوادث سنة 11 ، شرح ابن أبي الحديد ( 1 ) 2 ص 19 .
 
 

 

( 1 ) أنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، الطبعة المحققة 6 : 328 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب