كل حزب بما لديهم فرحون :
لقد ادعت كل طائفة أنها هي الفرقة الناجية دون غيرها ، فكثر الأخذ والرد بين
علماء الطوائف ، وساقت كل طائفة ما عندها من الأدلة .
ومن المعلوم أنه لا يمكن قبول كلام كل الطوائف في هذه المسألة
، لأنه يستلزم تكذيب الأحاديث الصحيحة السابقة التي نصت على أن الناجية هي
واحدة من كل الفرق ، ثم إن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الوقوع في اعتقاد المتناقضات ،
فنعتقد أن أهل السنة هم الناجون دون غيرهم ، والمعتزلة والخوارج والشيعة وغيرهم
كذلك ، وهذا واضح الفساد .
وعليه ، فلا بد من النظر في الأدلة وتمحيصها ، والأخذ بالحجج القطعية ، وطرح
الادعاءات الواهية التي لا تستند إلى شئ ، فإنها لا قيمة لها ولا فائدة فيها .
ولنضرب أنموذجين لبعض استدلالات أهل السنة على أنهم هم الفرقة الناجية ، ليرى
القارئ العزيز كيف تمسك بعضهم بما لا ينفع ، وتشبث بما لا يفيد :
الأول : ما ذكره الإيجي في المواقف ، حيث قال :
وأما الفرقة المستثناة الذين قال فيهم : هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي ،
فهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة ، ومذهبهم خال من بدع
هؤلاء . . .
ثم ساق عقائد أهل السنة ( 1 ) . وهذا الدليل كما ترى ركيك
ضعيف ، فإن كل الفرق تدعي أنها على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وأصحابه ، وأن مذاهبهم خالية من البدع . هذا مع أننا ذكرنا في ما تقدم كثيرا من
البدع التي اتبع فيها أهل
السنة خلفاءهم ، وقد فصلنا ذلك في الفصل الخامس ، فراجعه . ثم
إن الأشاعرة وأهل السنة وأهل الحديث الذين ذكر أنهم هم الناجون هم أكثر من فرقة
( 2 ) .
والعجيب أن الإيجي نفسه ذكر الأشعرية من ضمن الفرق الضالة قبل هذا الكلام بصفحة
، فإنه قال أولا : اعلم أن كبار الفرق الإسلامية ثمانية : المعتزلة ، والشيعة ،
والخوارج ، والمرجئة ، والنجارية ، والجبرية ، والمشبهة ، والناجية ( 3 ) .
ثم قال : الفرقة السادسة : الجبرية ، والجبر إسناد فعل العبد
إلى الله ، والجبرية متوسطة تثبت للعبد كسبا كالأشعرية ، وخالصة لا تثبته
كالجهمية . . . ( 4 ) ثم قال : فهذه هي الفرق الضالة الذين قال فيهم رسول الله
: كلهم في النار .
فكيف عد الأشاعرة بعد ذلك من الفرقة الناجية ؟ ثم إن ما ساقه
الإيجي من عقائد أهل السنة فيه من الباطل ما فيه ، ومنه قوله : إن الله تعالى
يراه المؤمنون يوم القيامة . مع أن ذلك خلاف نص الكتاب العزيز في قوله سبحانه
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير
) ( 1 ) ، ولسنا هنا بصدد بيانه .
ومنه قوله : لا غرض لفعله سبحانه . وهو خلاف قوله تعالى
( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) ( 2 ) ، وقوله تعالى
( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، وقوله
( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو
العزيز الغفور ) ( 3 ) ، وغير هذه الآيات في كتاب الله كثير .
وقوله : إن الإمام الحق بعد رسول الله أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ،
والأفضلية بهذا الترتيب . وهذا قد بينا فساده في الفصل الثاني من هذا الكتاب
فراجعه . إلى غير ذلك من مواقع الخلل في كلامه ، فكيف يكون أهل السنة هم الفرقة
الناجية بهذه الأدلة الواهية ؟
الثاني : ما ذكره المناوي في فيض القدير ، فإنه
قال بعد أن ذكر أن الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة : فإن قيل : ما وثوقك
بأن تلك الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة ، مع أن كل واحدة من الفرق تزعم
أنها هي دون غيرها ؟
قلنا : ليس ذلك بالادعاء والتشبث باستعمال الوهم القاصر
والقول
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة الأنعام ، الآية 103 .
(2) سورة
المؤمنون ، الآية 115 .
(3) سورة
الملك ، الآية 2 . ( * )
|
|
|
الزاعم ، بل بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة وأئمة أهل الحديث ،
الذين جمعوا صحاح الأحاديث في أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحواله وأفعاله
وحركاته وسكناته ، وأحوال الصحب والتابعين ، كالشيخين وغيرهما من الثقات ،
الذين اتفق أهل
المشرق والمغرب على صحة ما في كتبهم ، وتكفل باستنباط معانيها
وكشف مشكلاتها كالخطابي والبغوي والنووي جزاهم الله خيرا ، ثم بعد النقل ينظر
من تمسك بهديهم ، واقتفى أثرهم ، واهتدى بسيرتهم في الأصول والفروع ، فيحكم
بأنهم هم ( 1 ).
وأقول : هذا الدليل في ركاكته
كسابقه ، فإن كل الفرق تزعم أنها جمعت الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم وأحواله وأفعاله وحركاته وسكناته بالنقل الصحيح عن جهابذة الحديث
وأئمة الدين . . . إلى آخره .
وكل الفرق تدعي أنها تقتفي آثار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتتمسك بأحكامه
المنقولة عنه بالنقل الثابت الصحيح . إلا أن هذه كلها دعاوى فارغة لا قيمة لها
كما قلنا .
وقوله : ( بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة . . . كالشيخين وغيرهما من الثقات الذي
اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في كتبهم ) ادعاء فاسد ، فإن الشيعة مثلا
لا يصححون أسانيد أكثر تلك الأحاديث ولا يعتدون بها ، وإجماع أهل السنة على صحة
تلك الأحاديث التي جمعها حفاظ الأحاديث عندهم لا يعني إجماع كل الأمة على ذلك
فضلا عن إجماع أهل المشرق والمغرب .
وقوله : ( ثم بعد النقل ينظر من تمسك بهديهم ( 2 ) ، واقتفى أثرهم ، واهتدى
بسيرتهم في الأصول والفروع ، فيحكم بأنهم هم ) لم يبين فيه أن أهل السنة هم
الذين تمسكوا بهدي الصحابة والتابعين ، بل علق الحكم بالنجاة على
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
فيض القدير 2 / 20 .
(2) يعني بهدي الصحب والتابعين
. ( * )
|
|
|
النظر . ومجموع كلامه لا يدل على أكثر من أن أهل السنة جمعوا
الأحاديث الصحيحة فقط ، أما أنهم عملوا بها أم لا ، فهذا لم يثبته كما هو واضح
.
ثم إن المطلوب هو التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم
واتباع من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباعه ، لا اتباع من رأى الناس
لأنفسهم اتباعه .
هذان أنموذجان من استدلالاتهم على نجاتهم ، وهما كغيرهما من أدلتهم دعاوى مجردة
، وأدلة ملفقة ، لا تستند إلى حجة صحيحة ولا إلى برهان مستقيم .
وهذا واضح جلي عند كل من تتبع كلماتهم ونظر في كتبهم .