كل حزب بما لديهم فرحون

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 239 :

كل حزب بما لديهم فرحون :


لقد ادعت كل طائفة أنها هي الفرقة الناجية دون غيرها ، فكثر الأخذ والرد بين علماء الطوائف ، وساقت كل طائفة ما عندها من الأدلة .

ومن المعلوم أنه لا يمكن قبول كلام كل الطوائف في هذه المسألة ، لأنه يستلزم تكذيب الأحاديث الصحيحة السابقة التي نصت على أن الناجية هي واحدة من كل الفرق ، ثم إن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الوقوع في اعتقاد المتناقضات ، فنعتقد أن أهل السنة هم الناجون دون غيرهم ، والمعتزلة والخوارج والشيعة وغيرهم كذلك ، وهذا واضح الفساد .


وعليه ، فلا بد من النظر في الأدلة وتمحيصها ، والأخذ بالحجج القطعية ، وطرح الادعاءات الواهية التي لا تستند إلى شئ ، فإنها لا قيمة لها ولا فائدة فيها .


ولنضرب أنموذجين لبعض استدلالات أهل السنة على أنهم هم الفرقة الناجية ، ليرى القارئ العزيز كيف تمسك بعضهم بما لا ينفع ، وتشبث بما لا يفيد :


الأول : ما ذكره الإيجي في المواقف ، حيث قال : وأما الفرقة المستثناة الذين قال فيهم : هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي ، فهم الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة ، ومذهبهم خال من بدع هؤلاء . . .
 

- ص 240 -

ثم ساق عقائد أهل السنة ( 1 ) . وهذا الدليل كما ترى ركيك ضعيف ، فإن كل الفرق تدعي أنها على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وأن مذاهبهم خالية من البدع . هذا مع أننا ذكرنا في ما تقدم كثيرا من البدع التي اتبع فيها أهل

السنة خلفاءهم ، وقد فصلنا ذلك في الفصل الخامس ، فراجعه . ثم إن الأشاعرة وأهل السنة وأهل الحديث الذين ذكر أنهم هم الناجون هم أكثر من فرقة ( 2 ) .


والعجيب أن الإيجي نفسه ذكر الأشعرية من ضمن الفرق الضالة قبل هذا الكلام بصفحة ، فإنه قال أولا : اعلم أن كبار الفرق الإسلامية ثمانية : المعتزلة ، والشيعة ، والخوارج ، والمرجئة ، والنجارية ، والجبرية ، والمشبهة ، والناجية ( 3 ) .

ثم قال : الفرقة السادسة : الجبرية ، والجبر إسناد فعل العبد إلى الله ، والجبرية متوسطة تثبت للعبد كسبا كالأشعرية ، وخالصة لا تثبته كالجهمية . . . ( 4 ) ثم قال : فهذه هي الفرق الضالة الذين قال فيهم رسول الله : كلهم في النار .
 

  * هامش *  
  (1) المواقف ، ص 429 - 430 .
(2)
قال السفاريني في لوامع الأنوار البهية 1 / 73 : أهل السنة والجماعة ثلاث فرق : الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل ، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري ، والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي . ثم قال في ص 76 : قال بعض العلماء : هم يعني الفرقة الناجية أهل الحديث : يعني الأثرية ، والأشعرية والماتريدية . وعقب بما حاصلة : أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إلا فرقة واحدة ) ينافي التعدد ، فالفرقة الناجية هم الأثرية فقط أتباع أحمد بن حنبل ، دون الأشعرية والماتريدية .
(3)
المصدر السابق ، ص 414 .
(4)
المواقف ، ص 428 . ( * )
 

 

- ص 241 -

فكيف عد الأشاعرة بعد ذلك من الفرقة الناجية ؟ ثم إن ما ساقه الإيجي من عقائد أهل السنة فيه من الباطل ما فيه ، ومنه قوله : إن الله تعالى يراه المؤمنون يوم القيامة . مع أن ذلك خلاف نص الكتاب العزيز في قوله سبحانه ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) ( 1 ) ، ولسنا هنا بصدد بيانه .


ومنه قوله : لا غرض لفعله سبحانه . وهو خلاف قوله تعالى ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) ( 2 ) ، وقوله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، وقوله ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) ( 3 ) ، وغير هذه الآيات في كتاب الله كثير .


وقوله : إن الإمام الحق بعد رسول الله أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، والأفضلية بهذا الترتيب . وهذا قد بينا فساده في الفصل الثاني من هذا الكتاب فراجعه . إلى غير ذلك من مواقع الخلل في كلامه ، فكيف يكون أهل السنة هم الفرقة الناجية بهذه الأدلة الواهية ؟


الثاني : ما ذكره المناوي في فيض القدير ، فإنه قال بعد أن ذكر أن الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة : فإن قيل : ما وثوقك بأن تلك الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة ، مع أن كل واحدة من الفرق تزعم أنها هي دون غيرها ؟

قلنا : ليس ذلك بالادعاء والتشبث باستعمال الوهم القاصر والقول

  * هامش *  
  (1) سورة الأنعام ، الآية 103 .
(2)
سورة المؤمنون ، الآية 115 .
(3)
سورة الملك ، الآية 2 . ( * )
 

 

- ص 242 -

الزاعم ، بل بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة وأئمة أهل الحديث ، الذين جمعوا صحاح الأحاديث في أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحواله وأفعاله وحركاته وسكناته ، وأحوال الصحب والتابعين ، كالشيخين وغيرهما من الثقات ، الذين اتفق أهل

المشرق والمغرب على صحة ما في كتبهم ، وتكفل باستنباط معانيها وكشف مشكلاتها كالخطابي والبغوي والنووي جزاهم الله خيرا ، ثم بعد النقل ينظر من تمسك بهديهم ، واقتفى أثرهم ، واهتدى بسيرتهم في الأصول والفروع ، فيحكم بأنهم هم ( 1 ).

وأقول : هذا الدليل في ركاكته كسابقه ، فإن كل الفرق تزعم أنها جمعت الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحواله وأفعاله وحركاته وسكناته بالنقل الصحيح عن جهابذة الحديث وأئمة الدين . . . إلى آخره .


وكل الفرق تدعي أنها تقتفي آثار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتتمسك بأحكامه المنقولة عنه بالنقل الثابت الصحيح . إلا أن هذه كلها دعاوى فارغة لا قيمة لها كما قلنا .


وقوله : ( بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة . . . كالشيخين وغيرهما من الثقات الذي اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في كتبهم ) ادعاء فاسد ، فإن الشيعة مثلا لا يصححون أسانيد أكثر تلك الأحاديث ولا يعتدون بها ، وإجماع أهل السنة على صحة تلك الأحاديث التي جمعها حفاظ الأحاديث عندهم لا يعني إجماع كل الأمة على ذلك فضلا عن إجماع أهل المشرق والمغرب .


وقوله : ( ثم بعد النقل ينظر من تمسك بهديهم ( 2 ) ، واقتفى أثرهم ، واهتدى بسيرتهم في الأصول والفروع ، فيحكم بأنهم هم ) لم يبين فيه أن أهل السنة هم الذين تمسكوا بهدي الصحابة والتابعين ، بل علق الحكم بالنجاة على

  * هامش *  
  (1) فيض القدير 2 / 20 .
(2)
يعني بهدي الصحب والتابعين . ( * )
 

 

- ص 243 -

النظر . ومجموع كلامه لا يدل على أكثر من أن أهل السنة جمعوا الأحاديث الصحيحة فقط ، أما أنهم عملوا بها أم لا ، فهذا لم يثبته كما هو واضح .

 

ثم إن المطلوب هو التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباع من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباعه ، لا اتباع من رأى الناس لأنفسهم اتباعه .


هذان أنموذجان من استدلالاتهم على نجاتهم ، وهما كغيرهما من أدلتهم دعاوى مجردة ، وأدلة ملفقة ، لا تستند إلى حجة صحيحة ولا إلى برهان مستقيم .


وهذا واضح جلي عند كل من تتبع كلماتهم ونظر في كتبهم .


 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب