وأما الشيعة الإمامية فقد ذهبوا إلى أن إمام هذا العصر هو
المهدي المنتظر الإمام محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام . فهو الإمام الحق
على مسلك الشيعة وعلى مسلك أهل السنة أيضا . أما على مسلك الشيعة فتدل على ذلك
أدلة كثيرة ، نكتفي ببعضها :
الدليل الأول : أن إمام المسلمين يجب أن يكون
معصوما . ويدل على ذلك أمور :
1 - أن غير المعصوم لا يوثق بصحة قوله ، ويشك في نفاذ
أمره وحكمه ، لاحتمال خطئه ونسيانه وغفلته وجهله وكذبه ، فلا يتوجه الأمر
بطاعته مطلقا في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ( 1 ) ، فإن الله سبحانه
ساوى بين طاعته جل وعلا وطاعة أولي الأمر - وهم الأئمة - ، وذلك لانتفاء الخطأ
في الكل .
2 - أن غير المعصوم ظالم لنفسه ، لوقوع المعاصي منه ، فكل من ارتكب معصية فقد
ظلم نفسه على أقل تقدير ، فلا يصلح حينئذ للإمامة ، لقوله تعالى
( قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال
عهدي الظالمين ) ( 2 ) . فذكر الظالمين بصيغة العموم يشمل من ظلم نفسه
ومن ظلم غيره ، ومراده بالعهد في الآية هو الإمامة بدليل الكلام المتقدم فيها .
3 - أن الإمامة العظمى التي يتوقف عليها بقاء الدين
واستقامة أمور المسلمين لا يصح أن توكل إلى إمام يخطئ ويصيب ، لأن ذلك يترتب
عليه انمحاق الدين وتبدل الأحكام مع توالي الأئمة وتطاول الأزمنة ، ولهذا عصم
الله سبحانه أنبياءه ورسله من كل ذلك ، لأنهم القائمون بتبليغ الشرائع والأحكام
، حياطة للدين ، وحفظا لأحكام شريعة سيد المرسلين .
إذا اتضح ذلك كله نقول : إن إمامة العصر متعينة في الإمام المهدي عليه السلام ،
وذلك لأن المهدي عليه السلام معصوم بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ قال
: يملأها قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا ( 1 ) ، وذلك لا يتم إلا بعصمته
وتمام معرفته بأحكام الدين .
قال البرزنجي : وأما عصمة المهدي ففي حكمه ( 2 ) . ثم قال : لا يحكم المهدي إلا
بما يلقي إليه الملك من عند الله الذي بعثه إليه يسدده ، وذلك هو الشرع الحنيفي
المحمدي، الذي لو كان محمد صلى الله عليه وسلم حيا ورفعت إليه تلك النازلة لم
يحكم فيها إلا بحكم هذا الإمام . . . ولذا قال صلى الله عليه وسلم في صفته :
يقفو أثري لا يخطئ فعرفنا أنه متبع لا مشرع وأنه
معصوم ، ولا معنى للمعصوم في الحكم إلا أنه معصوم من الخطأ ،
فإن حكم الرسول لا ينسب إلى الخطأ ، فإنه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي
يوحى ( 3 ) .
وعليه ، فإن قلنا بعصمة الإمام المهدي عليه السلام ووجوده في هذا العصر تعينت
إمامته ، لأن الأمة أجمعت على أن غير المهدي في هذا الزمان ليس
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
أخرجه أبو داود في سننه 4 / 106 ، 107 ح
4282 ، 4283 ، 4285 .
وصححها الألباني في صحيح سنن أبي داود 3
/ 807 ، 808 ح 3601 ، 3602 ، 3604 .
مشكاة المصابيح 3 / 1501 ح 5452 ، 5454 .
الجامع الصغير 2 / 438 ح 7489 ، 7490 ورمز له بالصحة .
صحيح الجامع الصغير 2 / 938 ح 5304 ، 5305 .
مسند أحمد بن حنبل 3 / 27 ، 28 ، 36 ، 37
، 52 ، 70 .
(2) الإشاعة لأشراط الساعة ، ص
108 .
(3) المصدر السابق ، ص 110 . ( * ) |
|
|
بمعصوم ، وإلا خلا الزمان ممن يصلح للإمامة ، وهذا باطل
بالاتفاق .
الدليل الثاني : أن إمام المسلمين يجب أن يكون
منصوصا عليه : ويدل على ذلك :
1 - أنه قد ثبت اشتراط العصمة في الإمام ، والعصمة أمر
نفساني لا يعلمه الناس ، فلا بد من نص العالم بخفايا النفوس وخبايا القلوب جل
وعلا .
2 - أن ترك التنصيص على الإمام يفتح باب الخلاف ويفضي إلى النزاع ، كما وقع
في سقيفة بني ساعدة ، واستمر منها الخلاف في الخلافة إلى يومنا هذا ، مع أن
الله أمر بالألفة ونبذ الفرقة ، حيث قال ( واعتصموا بحبل
الله جميعا ولا تفرقوا )
( 1 ) وقال : ( ولا تنازعوا فتفشلوا
وتذهب ريحكم ) ( 2 ) ، فلا يصح حينئذ بحال أن يفتح الله للمسلمين بابا
واسعا للفرقة والنزاع ، فيوكل اختيار الخليفة إليهم يتنازعون فيه .
3 - أن غير النص - وهو الشورى - في أكثر الأحوال لا يفضي إلى تنصيب الأفضل ،
لأن اختيار الخليفة كثيرا ما يكون بداعي المصالح الشخصية والمنافع الفردية ، أو
بباعث الميول النفسية واتباع العصبية .
والناس قد ينصرفون عن أفضل رجل في الأمة إذا كان حازما في
الحق ، أو قليل المال والأعوان والعشيرة . هذا إذا عرف الناس من هو الأفضل ،
وربما لا يميزونه ولا يشخصونه ، ولا سيما إذا كان بعيدا عن دائرة الضوء وأماكن
الأحداث .
وعليه فلا يصح أن يوكل الله سبحانه أمر الإمامة العظمى إلى
الناس الذين وصف أكثرهم في كتابه العزيز بأوصاف سيئة ، ونعتهم بنعوت قبيحة ،
فقال ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله )
( 3 ) ، ( وما أكثر
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة آل عمران ،
الآية 103 .
(2) سورة
الأنفال ، الآية 46 .
(3) سورة
الأنعام ، الآية 116 . ( * )
|
|
|
الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ( 1 ) ،
( ولكن أكثر
الناس لا يعلمون ) ( 2 ) ، ( وأكثرهم للحق كارهون )
( 3 ) . إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة . فلا مناص حينئذ من النص على الإمام ،
لأنه سبحانه هو العالم بمصالح خلقه وبأولاهم بالإمامة وأجدرهم بالخلافة .
4 - أن الإمامة خلافة لله ورسوله ، والإمام خليفة لهما ، ولا تكون الخلافة
عنهما إلا بقولهما .
5 - أن آيات القرآن العزيز قد أوضحت بأجلى بيان أن جعل النبي والإمام والوزير
والخليفة موكول إلى الله ، ولم نر في كتاب الله العزيز آية أشارت إلى أن شيئا
من ذلك موكول إلى الناس .
أما جعل الأنبياء فيدل عليه قوله جل وعلا ( اذكروا نعمة
الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ) ( 4 ) ،
( ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ) ( 5 ) ،
( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) ( 6 )
،
( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ( 7 ) ،
( إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) ( 8 ) .
وأما جعل الخليفة والإمام والوزير فيدل عليه قوله تعالى
( يا داود إنا
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة يوسف ، الآية 103 .
(2) سورة
الأعراف ، الآية 187 .
(3) سورة
المؤمنون ، الآية 70 .
(4)
سورة المائدة ، الآية 20 .
|
(5)
سورة مريم ، الآية 49 .
(6) سورة
الحديد ، الآية 26 .
(7) سورة
الأنعام ، الآية 124 .
(8) سورة
القصص ، الآية 7 . ( * )
|
|
|
جعلناك خليفة في الأرض ) ( 1 )
،
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) ( 2 ) .
وقوله سبحانه ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا
إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) ( 3
)،
( قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال
عهدي الظالمين ) ( 4 ) ،
( واجعلنا للمتقين إماما ) ( 5 ) ،
( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) ( 6 ) .
وقوله جل من قائل ( واجعل لي وزيرا من أهلي *
هارون أخي ) ( 7 ) .
هذه هي سنة الله جل وعلا الجارية في خلقه والثابتة في دينه
( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( 8 ).
فإذا اتضح ذلك نقول : إن الإمام المهدي عليه السلام إما أن يكون هو ذلك الإمام
المنصوص عليه في هذا الزمان ، فيثبت المطلوب . وأما إذا لم نقل بوجوده فضلا عن
النص عليه فقد خلا الزمان ممن يصلح للإمامة ، لأن غير الإمام المهدي عليه
السلام قد أجمعت الأمة على أنه غير منصوص عليه ، وخلو الزمان من متأهل للإمامة
باطل بإجماع المسلمين .
الدليل الثالث : حديث الثقلين الذي تقدم الكلام
فيه مفصلا ، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إني تركت فيكم ما إن
أخذتم به لن تضلوا بعدي : الثقلين ،
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة ص ، الآية 26 .
(2) سورة
البقرة ، الآية 30 .
(3) سورة
الأنبياء ، الآية 73 .
(4) سورة
البقرة ، الآية 124 .
|
(5)
سورة الفرقان ، الآية 74 .
(6) سورة
السجدة ، الآية 24 .
(7) سورة
طه ، الآيتان 29 - 30 .
(8) سورة
الفتح ، الآية 23 . ( * )
|
|
|
أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى
الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
وهو يدل على لزوم التمسك بإمام صالح للإمامة من أهل بيت النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يفترق عن كتاب الله في قوله وفعله ، ويفهم معاني
الكتاب الظاهرة والباطنة ، ويعرف الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والخاص
والعام ،
والمطلق والمقيد ، والمجمل والمبين ، وهو مع كل ذلك يعمل بما
فيه في جميع شؤونه وكافة أحواله ، لا يحيد عنه ولا يميل إلى سواه ، كما مر ذلك
مفصلا . وعليه ، فلا بد أن يكون الإمام المهدي عليه السلام موجودا في هذا العصر
، وهو المتعين
للإمامة ، لأنه أهل للتمسك به ، وغيره قد أجمعت الأمة على أنه
يفترق عن القرآن قولا وعملا ، لعدم عصمته ، وإلا فلا يوجد من يصلح للإمامة من
أهل البيت النبوي وغيرهم في هذا الزمان وهو باطل بالاتفاق . هذا كله على مسلك
الشيعة الإمامية ،