إمام هذا العصر هو المهدي المنتظر

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 225 :

وأما الشيعة الإمامية فقد ذهبوا إلى أن إمام هذا العصر هو المهدي المنتظر الإمام محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام . فهو الإمام الحق على مسلك الشيعة وعلى مسلك أهل السنة أيضا . أما على مسلك الشيعة فتدل على ذلك أدلة كثيرة ، نكتفي ببعضها :


الدليل الأول : أن إمام المسلمين يجب أن يكون معصوما . ويدل على ذلك أمور :

 1 - أن غير المعصوم لا يوثق بصحة قوله ، ويشك في نفاذ أمره وحكمه ، لاحتمال خطئه ونسيانه وغفلته وجهله وكذبه ، فلا يتوجه الأمر بطاعته مطلقا في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ( 1 ) ، فإن الله سبحانه ساوى بين طاعته جل وعلا وطاعة أولي الأمر - وهم الأئمة - ، وذلك لانتفاء الخطأ في الكل .


 2 - أن غير المعصوم ظالم لنفسه ، لوقوع المعاصي منه ، فكل من ارتكب معصية فقد ظلم نفسه على أقل تقدير ، فلا يصلح حينئذ للإمامة ، لقوله تعالى ( قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) ( 2 ) . فذكر الظالمين بصيغة العموم يشمل من ظلم نفسه ومن ظلم غيره ، ومراده بالعهد في الآية هو الإمامة بدليل الكلام المتقدم فيها .
 

  * هامش *  
  (1) سورة النساء ، الآية 59 .
(2)
سورة البقرة ، الآية 124 . ( * )
 

 

- ص 226 -

 3 - أن الإمامة العظمى التي يتوقف عليها بقاء الدين واستقامة أمور المسلمين لا يصح أن توكل إلى إمام يخطئ ويصيب ، لأن ذلك يترتب عليه انمحاق الدين وتبدل الأحكام مع توالي الأئمة وتطاول الأزمنة ، ولهذا عصم الله سبحانه أنبياءه ورسله من كل ذلك ، لأنهم القائمون بتبليغ الشرائع والأحكام ، حياطة للدين ، وحفظا لأحكام شريعة سيد المرسلين .


إذا اتضح ذلك كله نقول : إن إمامة العصر متعينة في الإمام المهدي عليه السلام ، وذلك لأن المهدي عليه السلام معصوم بنص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ قال : يملأها قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا ( 1 ) ، وذلك لا يتم إلا بعصمته وتمام معرفته بأحكام الدين .


قال البرزنجي : وأما عصمة المهدي ففي حكمه ( 2 ) . ثم قال : لا يحكم المهدي إلا بما يلقي إليه الملك من عند الله الذي بعثه إليه يسدده ، وذلك هو الشرع الحنيفي المحمدي، الذي لو كان محمد صلى الله عليه وسلم حيا ورفعت إليه تلك النازلة لم يحكم فيها إلا بحكم هذا الإمام . . . ولذا قال صلى الله عليه وسلم في صفته : يقفو أثري لا يخطئ فعرفنا أنه متبع لا مشرع وأنه

معصوم ، ولا معنى للمعصوم في الحكم إلا أنه معصوم من الخطأ ، فإن حكم الرسول لا ينسب إلى الخطأ ، فإنه لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ( 3 ) .


وعليه ، فإن قلنا بعصمة الإمام المهدي عليه السلام ووجوده في هذا العصر تعينت إمامته ، لأن الأمة أجمعت على أن غير المهدي في هذا الزمان ليس

  * هامش *  
  (1) أخرجه أبو داود في سننه 4 / 106 ، 107 ح 4282 ، 4283 ، 4285 .
وصححها الألباني في صحيح سنن أبي داود 3 / 807 ، 808 ح 3601 ، 3602 ، 3604 .
مشكاة المصابيح
3 / 1501 ح 5452 ، 5454 . الجامع الصغير 2 / 438 ح 7489 ، 7490 ورمز له بالصحة .
صحيح الجامع الصغير
2 / 938 ح 5304 ، 5305 . مسند أحمد بن حنبل 3 / 27 ، 28 ، 36 ، 37 ، 52 ، 70 .
(2)
الإشاعة لأشراط الساعة ، ص 108 .
(3)
المصدر السابق ، ص 110 . ( * )
 

 

- ص 227 -

بمعصوم ، وإلا خلا الزمان ممن يصلح للإمامة ، وهذا باطل بالاتفاق .


الدليل الثاني : أن إمام المسلمين يجب أن يكون منصوصا عليه : ويدل على ذلك :

 1 - أنه قد ثبت اشتراط العصمة في الإمام ، والعصمة أمر نفساني لا يعلمه الناس ، فلا بد من نص العالم بخفايا النفوس وخبايا القلوب جل وعلا .


 2 - أن ترك التنصيص على الإمام يفتح باب الخلاف ويفضي إلى النزاع ، كما وقع في سقيفة بني ساعدة ، واستمر منها الخلاف في الخلافة إلى يومنا هذا ، مع أن الله أمر بالألفة ونبذ الفرقة ، حيث قال ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )

( 1 ) وقال : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) ( 2 ) ، فلا يصح حينئذ بحال أن يفتح الله للمسلمين بابا واسعا للفرقة والنزاع ، فيوكل اختيار الخليفة إليهم يتنازعون فيه .


 3 - أن غير النص - وهو الشورى - في أكثر الأحوال لا يفضي إلى تنصيب الأفضل ، لأن اختيار الخليفة كثيرا ما يكون بداعي المصالح الشخصية والمنافع الفردية ، أو بباعث الميول النفسية واتباع العصبية .

والناس قد ينصرفون عن أفضل رجل في الأمة إذا كان حازما في الحق ، أو قليل المال والأعوان والعشيرة . هذا إذا عرف الناس من هو الأفضل ، وربما لا يميزونه ولا يشخصونه ، ولا سيما إذا كان بعيدا عن دائرة الضوء وأماكن الأحداث .

وعليه فلا يصح أن يوكل الله سبحانه أمر الإمامة العظمى إلى الناس الذين وصف أكثرهم في كتابه العزيز بأوصاف سيئة ، ونعتهم بنعوت قبيحة ، فقال ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) ( 3 ) ، ( وما أكثر
 

  * هامش *  
  (1) سورة آل عمران ، الآية 103 .
(2)
سورة الأنفال ، الآية 46 .
(3)
سورة الأنعام ، الآية 116 . ( * )
 

 

- ص 228 -

الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ( 1 ) ، ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( 2 ) ، ( وأكثرهم للحق كارهون ) ( 3 ) . إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة . فلا مناص حينئذ من النص على الإمام ، لأنه سبحانه هو العالم بمصالح خلقه وبأولاهم بالإمامة وأجدرهم بالخلافة .


 4 - أن الإمامة خلافة لله ورسوله ، والإمام خليفة لهما ، ولا تكون الخلافة عنهما إلا بقولهما .


 5 - أن آيات القرآن العزيز قد أوضحت بأجلى بيان أن جعل النبي والإمام والوزير والخليفة موكول إلى الله ، ولم نر في كتاب الله العزيز آية أشارت إلى أن شيئا من ذلك موكول إلى الناس .


أما جعل الأنبياء فيدل عليه قوله جل وعلا ( اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ) ( 4 ) ،

( ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ) ( 5 ) ،

( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) ( 6 ) ،

( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ( 7 ) ،

( إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) ( 8 ) .


وأما جعل الخليفة والإمام والوزير فيدل عليه قوله تعالى ( يا داود إنا

  * هامش *  
  (1) سورة يوسف ، الآية 103 .
(2)
سورة الأعراف ، الآية 187 .
(3)
سورة المؤمنون ، الآية 70 .
(4) سورة المائدة ، الآية 20 .
(5) سورة مريم ، الآية 49 .
(6)
سورة الحديد ، الآية 26 .
(7)
سورة الأنعام ، الآية 124 .
(8)
سورة القصص ، الآية 7 . ( * )
 

 

- ص 229 -

جعلناك خليفة في الأرض ) ( 1 ) ،

( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) ( 2 ) .

وقوله سبحانه ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) ( 3 )،

( قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) ( 4 ) ،

( واجعلنا للمتقين إماما ) ( 5 ) ،

( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) ( 6 ) .

وقوله جل من قائل ( واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي ) ( 7 ) .

هذه هي سنة الله جل وعلا الجارية في خلقه والثابتة في دينه ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( 8 ).


فإذا اتضح ذلك نقول : إن الإمام المهدي عليه السلام إما أن يكون هو ذلك الإمام المنصوص عليه في هذا الزمان ، فيثبت المطلوب . وأما إذا لم نقل بوجوده فضلا عن النص عليه فقد خلا الزمان ممن يصلح للإمامة ، لأن غير الإمام المهدي عليه السلام قد أجمعت الأمة على أنه غير منصوص عليه ، وخلو الزمان من متأهل للإمامة باطل بإجماع المسلمين .


الدليل الثالث : حديث الثقلين الذي تقدم الكلام فيه مفصلا ، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي : الثقلين ،
 

  * هامش *  
  (1) سورة ص ، الآية 26 .
(2)
سورة البقرة ، الآية 30 .
(3)
سورة الأنبياء ، الآية 73 .
(4)
سورة البقرة ، الآية 124 .
(5) سورة الفرقان ، الآية 74 .
(6)
سورة السجدة ، الآية 24 .
(7)
سورة طه ، الآيتان 29 - 30 .
(8)
سورة الفتح ، الآية 23 . ( * )
 

 

- ص 230 -

أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .

وهو يدل على لزوم التمسك بإمام صالح للإمامة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يفترق عن كتاب الله في قوله وفعله ، ويفهم معاني الكتاب الظاهرة والباطنة ، ويعرف الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والخاص والعام ،

والمطلق والمقيد ، والمجمل والمبين ، وهو مع كل ذلك يعمل بما فيه في جميع شؤونه وكافة أحواله ، لا يحيد عنه ولا يميل إلى سواه ، كما مر ذلك مفصلا . وعليه ، فلا بد أن يكون الإمام المهدي عليه السلام موجودا في هذا العصر ، وهو المتعين

للإمامة ، لأنه أهل للتمسك به ، وغيره قد أجمعت الأمة على أنه يفترق عن القرآن قولا وعملا ، لعدم عصمته ، وإلا فلا يوجد من يصلح للإمامة من أهل البيت النبوي وغيرهم في هذا الزمان وهو باطل بالاتفاق . هذا كله على مسلك الشيعة الإمامية ،


 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب