حيرة أهل السنة في هذا العصر

 

- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن ص 219 :

 حيرة أهل السنة في هذا العصر :


عندما نلقي نظرة على واقع أهل السنة في هذا العصر نجد أنهم لم يبايعوا إماما واحدا لهم مع وجوبه عليهم ، بل مع كونه من أعظم الواجبات كما مر مفصلا . فلم يبايعوا واحدا من حكام المسلمين المعاصرين ولا غيرهم إماما لهم .

إما لأن الإمام يجب أن يكون قرشيا ، وجل حكام المسلمين اليوم ليسوا من قريش ، والقرشي منهم لم يقم دليل على إمامته العامة على كل المسلمين ، لا
 

- ص 220 -

عند أهل السنة ولا عند غيرهم ، وإما لعدم توفر الصفات الأخرى فيه .


محاولة لدفع الإشكال وردها : قد يقال : إن أهل السنة في بعض البلاد الإسلامية بايعوا حاكمهم بيعة شرعية صحيحة ، وبذلك يكونون قد أدوا ما فرضه الله عليهم من مبايعة إمام لهم في هذا الزمان .


والجواب :

 1 - على فرض حصول بيعة ( شرعية ) لحاكم من حكام المسلمين في بلد ما ، فإن باقي أهل السنة في كل البلاد الأخرى لم يبايعوا ذلك الحاكم ، فإما أن تكون بيعة المبايعين صحيحة فيجب على غيرهم متابعتهم فيها ، وحيث لم يفعلوا فقد تركوا أهم الواجبات عليهم ، وإما أن تكون تلك البيعة باطلة فلا اعتبار بها ، فوجودها كعدمها .


 2 - أن أولئك المبايعين إنما بايعوه على السمع والطاعة وعلى كونه حاكما على بلادهم ، لا على كونه خليفة أو إماما لكل المسلمين ، ولذلك لم نر حاكما معاصرا ادعى الخلافة أو الإمامة على كل المسلمين ، والذي يتأدى به الفرض هو البيعة على النحو الثاني لا الأول .


 3 - أن الخليفة الحق لا تثبت خلافته عندهم إلا بالنص من الله ورسوله ، أو بنص إمام الحق الذي قبله ، أو بالشورى من المسلمين كافة ، أو بالقهر والغلبة على سائر بلاد الإسلام ، وشئ من ذلك كله لم يتم لحاكم معاصر كما هو واضح .

وتثبت الخلافة أيضا ببيعة أهل الحل والعقد ، وعليه فإن كان أولئك المبايعون هم أهل الحل والعقد ( 1 ) فبيعتهم صحيحة ، وإلا فلا ، ولا تعرف فئة في أهل السنة اليوم موصوفة بهذه الصفة ، فحينئذ لا تصح بيعة هؤلاء ، ولا تكون
 

  * هامش *  
  (1) أهل الحل والعقد هم أصحاب الرأي والدين والمشورة في المسلمين الذي يلزم غيرهم متابعتهم عند أهل السنة ، مثل الصحابة في المدينة بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ( * )  

 

- ص 221 -

ملزمة لغيرهم ، وتكون مشمولة لقول عمر : فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ( 1 ) .


 4 - أن مبايعتهم لذلك الحاكم معارضة بمبايعة غيرهم لحاكم آخر في بلاد أخرى من بلاد المسلمين ، ولا يصح بيعة خليفتين في عصر واحد ، ومع تحقق ذلك فإحدى البيعتين باطلة قطعا . ثم إن البيعة لا تصح عندهم إلا إذا كان الحاكم قرشيا عادلا مجتهدا كما مر .


والحاصل : أن كل أهل السنة لم يبايعوا إماما واحدا لهم من الحكام المعاصرين ولا من غيرهم ، وبذلك يكونون قد تركوا واجبا من أعظم الواجبات الشرعية ، وتخلفوا عن وظيفة من أهم الوظائف الدينية .


محاولة أخرى وردها : وقد يقال أيضا : إن كل واحد من أهل السنة اتبع إماما من أئمة المسلمين ، ومن الواضح المعلوم أن أهل السنة منهم من يتبع أبا حنيفة النعمان ، ومنهم من يتبع مالك بن أنس ، ومنهم من يتبع محمد بن إدريس الشافعي ، ومنهم من يتبع أحمد بن حنبل ، فكل واحد منهم يموت وفي عنقه بيعة لإمام من هؤلاء الأئمة ، فلا إشكال عليهم حينئذ .


والجواب :

 1 - أن محل الكلام هو مبايعة الإمام الذي يتولى أمور المسلمين ويكون حاكما له سلطة زمنية على الناس ، وهذا هو الذي أوجبه علماء أهل السنة فيما تقدم من عباراتهم ، ودلت عليه الأحاديث السابقة ، وليس محل البحث هو علماء الدين الذين يعمل الناس بفتاواهم ، فإن هؤلاء لا تجب مبايعتهم بالاتفاق ، بل يجب سؤالهم لمعرفة الأحكام الشرعية لا غير ، كما قال جل شأنه
 

  * هامش *  
  (1) صحيح البخاري 9 / 100 كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف . وهو الحديث الذي تقدم تخريجه في حديثنا عن بيعة أبي بكر وأنها كانت فلتة في الفصل الثاني . ( * )  

 

- ص 222 -

( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ( 1 ) .


 2 - لم يفت أحد من أئمة المذاهب الأربعة بوجوب أخذ البيعة له أو لغيره من فقهاء الأمصار ، ولم ينقل أحد من أعلام أهل السنة أن البيعة أخذت لهم ، لا في عصورهم ولا في العصور المتأخرة عنهم ، ولو كانت البيعة لهم واجبة لبينوا ذلك للناس وحثوهم عليها .


 3 - أنا قلنا فيما مر أن البيعة هي المعاهدة ، وهي لا تتحقق إلا مع الإمام الحي الحاضر ، وعليه فلا يمكن مبايعة واحد من الأئمة الماضين ، لأنها مفاعلة بين طرفين ، والميت لا يعلم ببيعة الحي له ولا تقع منه معاهدة معه على شئ ، وهو واضح لا يحتاج إلى زيادة تفصيل .


محاولة ثالثة وردها : فإن أجابوا عن هذه المسألة بأن إمام المسلمين واحد من العلماء المعاصرين من أهل السنة .

فالجواب :

 1 - ما قلناه فيما تقدم يأتي هنا أيضا ، فإن محل الكلام في الإمام الذي يتولى أمور المسلمين ويكون حاكما عليهم ، وليس الكلام في أئمة العلم ، فإن أئمة العلم لا تجب بيعتهم عند أهل السنة .


 2 - قلنا فيما تقدم أنه يشترط في الإمام أن يكون مجتهدا ، وحيث إن أهل السنة قد أغلقوا باب الاجتهاد ، وحصروا التقليد في أئمة المذاهب الأربعة ، فلا يوجد في علماء أهل السنة في هذا العصر إلا المقلدة ، ومن يدعي الاجتهاد منهم لا يوافقونه على اجتهاده ولا يسلمون له به ، فحينئذ لا يصلح واحد منهم لإمامة المسلمين .


 3 - لو سلمنا أن واحدا من العلماء المعاصرين فيه الأهلية للإمامة عندهم ،

  * هامش *  
  (1) سورة الأنبياء ، الآية 7 . ( * )  

 

- ص 223 -

إلا أنه لا يكون إماما بمجرد كونه أهلا للإمامة ، وذلك لأن علماء أهل السنة أنفسهم اعتبروا أيضا في إمام المسلمين أن يبايعه أهل الحل والعقد ، أو يكون مبسوط اليد على بلاد المسلمين متسلطا عليها ، ولأجل ذلك عدوا معاوية مثلا من الخلفاء الاثني

عشر الذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما مر مفصلا ، ولم يعدوا منهم من هو خير منه من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار المعاصرين له الذين لم تكن لهم إمرة ، كما لم يعدوا منهم غيرهم ممن وصفوهم بأنهم من المبشرين بالجنة

كسعد بن أبي وقاص مثلا . بل لم يعدوا من الخلفاء الاثني عشر علماء الصحابة كابن عباس وابن مسعود وغيرهما ، للسبب الذي ذكرناه .


محاولة رابعة وردها : فإن قالوا : إنا نسلم أن أهل السنة تركوا القيام بهذا الفرض فلم يبايعوا إماما في هذا العصر ولا في العصور المتقدمة التي تلت عصر الخلافة ، لكن لا تلزم المعصية والضلالة والموت ميتة جاهلية ، وذلك إنما يلزم لو تركوه عن قدرة واختيار لا عن عجز واضطرار ( 1 ) .


فالجواب :

 1 - أنا لا نسلم أن أهل السنة عاجزون عن بيعة إمام لهم في هذا العصر ، لأن البيعة هي نوع من إظهار الطاعة للحاكم ، وهذا مقدور عليه ، ويمكن لعلماء أهل السنة أن يرشدوا العوام في جميع البلاد إلى مبايعة من يرونه الأصلح للإمامة من حكام المسلمين أو من غيرهم .


وخوفهم من سخط حكام بلادهم لا يسوغ لهم ترك بيان فريضة من أهم الفرائض ووظيفة من أعظم الوظائف ، لأن أهل السنة لا يرون جواز التقية من الحاكم المسلم ، ولهذا عدوا من فضائل الإمام مالك بن أنس والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما الجهر ببيان المعتقد مع ما كان فيه من سخط الخلفاء والوقوع في
 

  * هامش *  
  (1) هذا الجواب للتفتازاني في شرح المقاصد 5 / 239 . ( * )  

 

- ص 224 -

المحنة . هذا مع أن هناك منابر دولية يتمكن بها من بيان كل عقيدة وإيضاح كل وظيفة بلا أي محذور ولا خوف ولا ضرر ، وهذا أمر مقدور للكل أو للأغلب ، مع أنا لا نرى أحدا من أهل السنة قام به .


 2 - مع الإغماض عن كل ذلك وتسليم أن أهل السنة عاجزون عن مبايعة إمام لهم ، فهذا يرفع الإثم والعقاب عنهم ، لأن الله جل شأنه لا يكلف الناس بما لا يطيقون ، أما أن ميتتهم لا تكون بسبب الاضطرار جاهلية فهذا لا نسلم به ، فإن أهل الفترة -

الذي عاشوا في الجاهلية وهم لا يعلمون بدين سماوي ، وكانوا مستضعفين في الأرض ، ولا يفقهون من أمرهم إلا ما يتعلق بمعاشهم - فإن هؤلاء لا يعذبون ، عملا بقوله جل شأنه ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ، مع أنهم لا شك في كونهم

ضلالا ، لأن كل من لم يتبع الحق - وإن كان معذورا - فهو ضال . وما نحن فيه كذلك ، فإن حديث مسلم نص على أن كل من لم تكن في عنقه بيعة لإمام فميتته جاهلية ، وبإطلاقه يشمل من كان معذورا لجهل أو اضطرار أو عجز أو غير ذلك .


وعلى ضوء ما تقدم نقول : إن أهل السنة في جميع البلاد الإسلامية إما أن يكون فيهم من هو أهل للإمامة ، ومتصف بالصفات التي ذكروها ، فحينئذ يجب عليهم جميعا أن يبايعوه إماما لهم .


وإما أن لا يكون فيهم من يتصف بالصفات المزبوة ، فالواجب عليهم حينئذ بيعة رجل منهم يكون إماما على جميع المسلمين ، ولا يجوز ترك المسلمين من دون إمام بر أو فاجر . هذا ما نص عليه علماؤهم في مصنفاتهم . وأهل السنة في جميع البلدان لم يبايعوا إماما لهم ، فهم بأجمعهم أو
 

- ص 225 -

أكثرهم مخالفون لفتاوى علمائهم التي دلت على أنه يجب على المسلمين في كل عصر أن يبايعوا من يصلح منهم للإمامة ، ومعرضون عن الأحاديث الصحيحة ، غير عاملين بمضمونها ، وبذلك تكون ميتتهم جاهلية بنص الأحاديث السابقة .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب