لا بد من إمام * الإمامة في القرآن * في السنة * وفي الاجماع
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 49 |
الإمامة في القرآن الكريم
نصوص تفيد إفادة واضحة ضرورة وجود إمام يقتدى به في كل زمان .
وفيها أيضا تفصيل لحال الناس ، وأن لكل فئة منهم إماما تقتدي به ، برا كان أو
فاجرا ، وسواء كان ( يهدي إلى الحق ) أم يهدي إلى الضلال والنار . والناس على
ذلك منقسمون . ثم جعل لزاما على المؤمنين التزام الإمام الحق في كل زمان . .
ومن تلك النصوص الشريفة :
1 - قوله تعالى : (
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا
بآياتنا يوقنون ) ( 1 ) . قال المفسرون :
والمعنى : ولنجعلن من أمتك أئمة يهدون مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة
الدين وثبتوا عليه من اليقين ( 2 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 1 )
سورة السجدة : 24 .
( 2 ) الكشاف 3 : 516 ،
روح المعاني 21 : 138 ،
تفسير أبي السعود 7 : 87 ، تفسير
المراغي 21 : 118
وبنفس المعنى في : تفسير الرازي 25 : 186 ،
تفسير النسفي 3 : 45 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 50 |
2 - قوله تعالى :
( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
. . ) الآية ( 1 ) .
3 - قوله تعالى :
( ومن يتول الله ورسوله
والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) ( 2 ) .
4 - قوله تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ( 3 ) . ففي هذه الآيات يلزم الله جل
جلاله
عباده المؤمنين بالتمسك بولاية الولي الحق وإطاعته ، وأن طاعته هي طاعة
لله ولرسوله ، وهي الأصل في كونهم ( حزب
الله ) . وقوله تبارك اسمه :
( يوم ندعوا كل أناس
بإمامهم ) ( 4 ) فلكل طائفة من الناس إمام يأتمون به ، وهذا حال
الناس منذ خلق الله آدم ، وإلى قيام الساعة ( 5 )
.
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) المائدة
: 55 .
( 2 ) المائدة : 56 .
( 3 ) النساء : 59 .
( 4 ) الإسراء : 71 .
( 5 )
إن هناك وجوها أخرى في تفسير " إمام " في هذه الآية ، وقد تعرض لها صاحب
تفسير
الميزان وأجاب عليها ، ونذكر خلاصة
كلامه ، قال : فمنها - أي تلك الوجوه -
قولهم إن الإمام هنا هو الكتاب المنزل كالقرآن والتوراة ، وفيه أنه معلوم لا
كتاب ولا صحف أو
ألواح قبل نوح ( عليه السلام ) ، وعلى مقتضى تفسيرهم خرج من
قبل نوح من عموم الدعوة . ومنها : قولهم إن المراد بالإمام هو اللوح المحفوظ .
قال : لم يصلح هذا ، لكون اللوح المحفوظ واحدا ، والآية تفيد أن لكل طائفة من
الناس إماما غير ما لغيرهم . ومنها : أن الإمام
هو النبي ، وفيه أنهم أخذوا
الإمام بمعناه العرفي ، ولا سبيل إليه مع وجود معنى خاص له في عرف القرآن وهو
الذي يهدي بأمر الله ، أو المؤتم به في الظلال . وكذلك فإنه لا يلائمه ما في
الآية من تفريع ، أعني قول : (
فمن أوتي كتابه بيمينه ) و
( من كان في هذه أعمى
) إذ لا تفرع بين الدعوة بالإمام بهذا المعنى ، وبين إعطاء الكتاب باليمين أو
العمى ، فالآية الكريمة تقول : (
يوم ندعوا كل = ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 51 |
وفي السنة وفي الحديث النبوي الشريف ما يقطع بوجوب
الإمامة ، ومن ذلك : 1 - قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من مات بغير إمام
مات ميتة جاهلية " ( 1 ) .
وفي رواية : " من مات وليس عليه إمام فإن موتته موتة
جاهلية " ( 2 ) .
وفي رواية أخرى : " من مات ولم يعرف إمام زمانه ، مات ميتة
جاهلية " ( 3 ) .
وهذه نصوص صريحة ، وخطابات واضحة منه صلى الله عليه وآله وسلم
إلى أفراد المؤمنين كافة ، إلى كل من أقر بالتوحيد والنبوة واليوم الآخر وكل
ضرورات الدين ، فهو وإن كان على ذلك كله إلا أنه ليس على شئ ، بل هو على أمر
الجاهلية ، ما لم يعرف إمام زمانه .
| |
* ( هامش ) *
= أناس بإمامهم فمن أوتي
كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا
* ومن كان في هذه أعمى فهو
في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) . انتهى بإيجاز . ومما يؤكد هذا المعنى ، ما ذكره
اليعقوبي في تاريخه ، باب خطب رسول الله ومواعظه ، فقال : خطب رسول الله
صلى
الله عليه وآله وسلم يوما فقال في خطبته : " اذكروا الموت فإنه آخذ بنواصيكم -
إلى أن قال - : إن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة
حتى يسأل عن عمره فيما
أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله مما اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن إمامه
من هو ؟ قال الله ، عز وجل :
( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم
) " إلى آخر الآية -
تاريخ اليعقوبي 2 : 90 .
( 1 )
مسند أحمد 4 : 96 ، الاحسان بترتيب صحيح ابن
حبان 7 : 49 / 4554 ، حلية الأولياء 3 : 224 ،
كنز العمال 1 : 103 / 464 .
( 2
) المستدرك على الصحيحين 1 : 117 ،
مجمع الزوائد 5 : 218 ، 224 ، 225 ،
الدر
المنثور 2 : 286 - عند الآية ( 103 ) من سورة آل
عمران - .
( 3 ) ينابيع المودة
: 117 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 52 |
وهذه المعرفة ، بإمام زمانه ، يفصلها النص الآخر
الذي يؤكد النصوص المتقدمة ، ويبينها ، وهو : قوله صلى الله عليه وآله وسلم
: " من مات وليس في عنقه بيعة ، مات ميتة جاهلية "
( 1 ) .
فالمعرفة بالإمام
إذن هي في أداء البيعة له ، والتي تقتضي - بداهة - طاعته وموالاته ، ومعاداة
أعدائه ، والبراءة من كل ولاية غير ولايته التي هي ولاية الله ورسوله ، كما دلت
عليه النصوص القرآنية المتقدمة . وهكذا يقرر الإسلام أن لكل
زمان إماما حقا ،
ويقضي بوجوب البيعة له . . وهذا ما تجب معرفته في البدء . اثنا عشر إماما ثم
بعد ذلك يأتي الإسلام ليحدد الأئمة - الذين جعل البيعة لهم تمام الدين ، وحقيقة
معناه - باثني عشر إماما ، عددا معدودا ، كما ثبت ذلك لدى
المسلمين في الصحيح
مما اتفقوا عليه من السنة النبوية المطهرة : ففي الصحيح البخاري
( 2 ) : عن جابر بن سمرة ، قال : سمعت النبي صلى
الله عليه وآله وسلم يقول :
| |
* ( هامش ) *
( 1 )
صحيح مسلم - كتاب الإمارة - 3 : 1478 / 58 - ( 1851 ) ،
السنن الكبرى 8 :
156 ،
جامع الأصول 4 : 463 / 2065 ، مجمع الزوائد 5 : 218 ،
تفسير ابن كثير 1 :
530 - عند الآية ( 59 من سورة النساء - .
( 2 ) ج 9 - كتاب الأحكام - 147 / 79
، رواه الترمذي في السنن كتاب الفتن 4 : 501 / 2223 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 53 |
" يكون بعدي اثنا عشر أميرا " فقال كلمة لم أسمعها
، فقال أبي : إنه قال : " كلهم من قريش " . وفي
صحيح مسلم ( 1 ) : أن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم قال : إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة
" قال : ثم تكلم بكلام خفي علي ، فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : قال :
" كلهم من
قريش " .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده
( 2 ) بطريقين ، عن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه ، أن رجلا سأله - وهو يقرئهم القرآن - يا أبا عبد الرحمن ، هل سألتم
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كم تملك الأمة من خليفة ؟ فقال ابن مسعود :
ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ، ثم قال : نعم ، ولقد سألنا رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : " اثنا عشر ، كعدة نقباء بني إسرائيل " .
وأخرج مسلم أيضا ( 3 ) : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لا يزال
الدين قائما ، حتى تقوم الساعة ، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش "
( 4 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) ج 3 -
كتاب الإمارة - 1452 / 5 ( 1821 ) وبعده من
سبعة طرق ، وجامع الأصول 4 : 440 ، 442 .
( 2 ) ج 1 : 398 ، 406 .
( 3 ) ج 3 -
كتاب الإمارة - 1453 / 10 ( 1822 ) ، ورواه أبو داود في سننه 4 : 106 / 4280 ،
والبغوي في مصابيح السنة 4 : 137 / 4680 ، والجزري في
جامع الأصول 4 : 440 ،
442 .
( 4 ) وقد ورد هذا الحديث : " الخلفاء بعدي اثنا عشر " في
صحيح البخاري
بثلاثة طرق وفي مسلم " 9 " طرق ، وأبو داود في " 3 " طرق ، والترمذي بطرق واحد
، وأحمد " 9 " طرق وغيرهم بطرق أخرى . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 54 |
وفي الاجماع قال ابن حزم ( 1 ) : اتفق جميع أهل سنة
، وجميع المرجئة وجميع الشيعة ، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة . وأن الأمة
واجب عليها الانقياد لإمام عادل ، يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام
الشريعة التي أتى بها رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم ( 2 ) .
قال : والقرآن
والسنة قد وردا بإيجاب الإمامة ، ومن ذلك : قوله تعالى :
( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
) مع أحاديث كثيرة صحاح في طاعة الأئمة ، وإيجاب
الإمامة ( 3 ) . وقال القلقشندي
( 4 ) : في وجوب عقد الإمامة لمن يقوم بها ،
قال الماوردي : وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع ، وإن شذ عنه الأصم
( 5 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) هو الإمام أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي ،
عالم الأندلس وإمامها ولد بقرطبة ، ثم أقصي إلى بادية لبلة فتوفي فيها سنة 456
ه الأعلام - للزركلي - 4 : 254 .
( 2 ) قال : حاشا النجدات من الخوارج فإنهم
قالوا : لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم ، وهذه
فرقة ما نرى بقي منهم أحد ، وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي القائم
باليمامة . ثم قال : وقول هذه الفرقة ساقط ، ورد عليه : بالإجماع ، والقرآن ،
والسنة .
( 3 ) الفصل في الملل والنحل
4 : 87 .
( 4 ) هو أحمد بن عبد الله
القلقشندي الشافعي ، المتوفى سنة 820 ه . ( 5 ) الأصم : هو عبد الرحمن بن
كيسان أبو بكر الأصم المعتزلي . لسان الميزان 3 : 427 وقال ابن أبي الحديد
المعتزلي : أبو بكر الأصم من قدماء أصحابنا ، حكي عنه قوله في الإمامة : غير
واجبة إذا =
( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 55 |
ثم قال : ولا خلاف بين أهل العلم أنها فرض كفاية -
كالجهاد ونحوه - إذا قام بها من هو أهل لها سقط فرضها عن كافة الناس ، وإن لم
يقم بها أحد أثم من الناس فريقان :
أحدهما : أهل الحل والعقد ، حتى يختاروا
للأمة إماما يقوم بأمرهم .
والثاني : أهل الإمامة ، حتى ينتصب للإمامة أحدهم
(
1 ) .
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري ( 2 ) : قال الناس كلهم - إلا الأصم - :
لا بد من إمام ( 3 ) . وأما الإسفرائيني
( 4 ) ، فقال : قد اتفق جمهور أهل السنة والجماعة
على أصول من أركان الدين ، كل ركن منها يجب على كل عاقل معرفة حقيقته .
ولكل ركن منها شعب : وفي شعبها مسائل اتفق أهل السنة فيها على
قول واحد ، وضللوا من خالفهم فيها - وعد هذه الأركان إلى أن قال - : والركن
الثاني عشر : الخلافة والإمامة ، وشروط الزعامة . ثم قال في بيان هذا الركن :
| |
* ( هامش ) *
= تناصفت الأمة ولم تتظالم - قال - وقال
المتأخرون من أصحابنا : إن هذا القول غير مخالف لما عليه الأمة لأنه إذا كان لا
يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم فيهم ، فقد قال بوجوب
الرئاسة على كل حال .
شرح النهج لابن
أبي الحديد 2 : 308 .
( 1 )
مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1 : 29 - 30 باختصار
.
( 2 ) هو علي بن إسماعيل بن إسحاق أبو الحسن الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة ،
شيخ أهل السنة والجماعة ، كان من الأئمة المتكلمين ، تلقى مذهب المعتزلة ،
وتقدم فيه ، ثم رجع ، وجاهر بخلافهم ، توفي ببغداد سنة 324 ه
الأعلام -
للزركلي - 4 : 263 .
( 3 ) مقالات الإسلاميين 2 : 133 .
( 4 ) هو عبد القاهر بن
طاهر بن محمد البغدادي الإسفرائيني ، العالم المتفنن من أئمة الأصول ، كان صدر
الإسلام في عصره ولد ونشأ في بغداد ، ثم رحل إلى نيسابور ثم ارتحل منها وتوفي
في إسفرائين - من نواحي نيسابور - سنة 429 ه . الأعلام - للزركلي - 4 : 48 . (
* ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 56 |
إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام :
ينصب لهم القضاة والأمناء ، يضبط ثغورهم ، ويغزي جيوشهم ، ويقسم الفئ بينهم ،
وينتصف لمظلومهم من ظالمهم ( 1 ) .
هكذا يتضح أن الإمامة منصب إلهي كما تصرح الآيات البينات ، وأن معرفة الإمام
واجبة كما تقول الأحاديث الشريفة ، وقد انعقد الاجماع على لزومها ، ووجوب إقامة
من يقوم بشؤونها ، فلا مجال للشك بعد هذا في ضرورة وجود الإمام ، ولزوم تعيينه
، فمن هو الإمام إذن ؟ .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) الفرق بين الفرق : 323 ، 349 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 57 |
من هو الإمام ؟ * آراء المذاهب في الإمام * الإمام في
القرآن والسنة - الله تعالى يقول ورسوله يتحدث -
* أصحاب الحق يتكلمون
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 59 |
آراء المذاهب في الإمام
أولا : مع المذاهب الأربعة
: وننقل خلاصة آراء المذاهب الأربعة في الإمامة والخلافة عن كتاب (
تاريخ
المذاهب الإسلامية ) للشيخ ( محمد أبو زهرة ) باختصار مفيد ، من مجموع
ما ذكره في جزأي كتابه : " أبو حنيفة "80 - 150 ه
قال المؤلف ، بعد أن استعرض مواقف
أبي حنيفة من الخلافتين الأموية والعباسية ، وموقفه من نهضة زيد بن علي
( 1 ) ، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) هو زيد بن علي زين العابدين
بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السلام - ذو علم وجلالة وصلاح عده طائفة
من المسلمين إماما
، فسموا ( الزيدية ) ، وكان خروجه في عهد هشام بن عبد الملك
الأموي ، من الكوفة ، فقتل فيها - رحمه الله - فنصبوا رأسه على قصبة ،
وصلبوه
زمنا ، ثم جمع فأحرق وذري نصفه في الفرات ، ونصفه في الزرع ، لقول يوسف بن عمر
الثقفي الذي تولى قتاله : والله - يا أهل الكوفة - لأدعنكم تأكلونه في طعامكم ،
وتشربونه في مائكم ! وكان ذلك سنة ( 121 ) .
الطبقات الكبرى 5 : 326 وتاريخ
اليعقوبي 2 : 326 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 60 |
علي ( 1 ) ، قال : إذن ، المعروف عن أبي حنيفة ،
أنه يرى الإمامة يجب أن تكون في أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأرجح
في أبناء علي ( 2 ) .
قال أبو زهرة : والذي يرجح هذا الاختيار أمور :
1 -
اعتبار خروج زيد بن علي أنه يشبه خروج رسول الله ( ص ) يوم بدر ، فالمعركة بين
الكفر والإيمان .
2 - عدم توليه عمل لبني أمية ، مع شدة إصرار عاملهم ابن هبيرة
( 3 ) ، بقوله : أعطيك أرفع المناصب ، بينما قبل فقهاء العراق ، كابن أبي ليلى
( 4 ) ، وابن شبرمة ( 5 ) ، وداود بن أبي هند
( 6 ) ، وغيرهم كثير .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) المعروف ب ( النفس الزكية ) ، وكانت نهضته على أبي جعفر المنصور
العباسي ، هو وأخوه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ، سنة 145 ، وفيها استشهدا -
رحمهما الله تعالى - تاريخ اليعقوبي 2 : 145 .
( 2 ) قال الزمخشري في ( الكشاف
) عند تفسيره قوله تعالى (
ولا ينال عهدي الظالمين ) - البقرة - 124 - قال وكان
أبو حنيفة رحمه الله يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن علي رضي الله عنهما ، وحمل
المال إليه ، والخروج معه على اللص المتغلب المشتهر بالإمام والخليفة
كالدوانيقي وأشباهه ، وكان يقول في الدوانيقي وأشياعه : لو أرادوا بناء مسجد ،
وأرادوني على عد آجره ، لما فعلت .
وفي الملل والنحل : وكان أبو حنيفة على
بيعته ( أي محمد ذو النفس الزكية ) ومن جملة شيعته ، حتى رفع الأمر إلى المنصور
الدوانيقي فحبسه حتى مات في الحبس ، ولما قتل محمد ذو النفس الزكية بقي أبو
حنيفة على بيعته يعتقد موالاة أهل البيت . المصدر 1 : 140 .
( 3 ) هو يزيد بن
عمر بن هبيرة والي العراق من قبل مروان بن محمد بن مروان ، ودامت ولايته منذ
سنة ( 128 ) حتى قتل على عهد السفاح سنة 133 ه . تاريخ اليعقوبي 2 : 353 .
( 4
) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار ، ويقال هو داود بن الجلاح الأنصاري
الكوفي ، كان من أصحاب الرأي ، وتولى القضاء بالكوفة ، وأقام عليها حاكما ثلاثا
وثلاثين سنة ، ولي لبني أمية ثم بني العباس - وكانت وفاته سنة 148 أيام المنصور
، وهو باق على القضاء ، وفيات الأعيان 4 : 179 .
( 5 ) هو عبد الله بن شبرمة بن
حسان بن المنذر الضبي ، أبو شبرمة الكوفي ، كان قاضيا على السواد لأبي جعفر
المنصور ، وهو من فقهاء الكوفة ، وفاته سنة 144 ه . تهذيب التهذيب 5 : 250
تسلسل / 439 .
( 6 ) داود بن أبي هند ، واسمه دينار بن عذافر أبو محمد البصري ،
من موالي بني قشير ، وكان مفتي أهل = ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 61 |
3 - خطبته عندما استقر
الأمر ، لأبي عبد الله السفاح - مؤسس الدولة العباسية - عندما جمع العلماء
بالكوفة ، وخطبهم السفاح ، فقال : إن الخلافة قد عادت إلى أهل بيت نبيكم ،
وأنتم معاشر العلماء أحق من أعان ، فبايعوا بيعة تكون عند إمامكم
حجة لكم ، وأمانا في معادكم . وكان أبو حنيفة وقتئذ حاضرا ،
فنظر إليه العلماء يتطلعون إلى رأيه ، فقال : الحمد لله الذي أعاد إلينا قرابة
رسول الله وأبعد عنا جور الظلمة ، وبسط ألسنتنا بالحق . فقالوا : بايعنا على
أمر الله ، والوفاء لك بعهدك ، فلا أخلى الله هذا الأمر من قرابة رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم .
4 - إنقلابه على العباسيين حين دب الخلافة
بينهم وبين أبناء علي ، ثم مبايعته لمحمد بن الحسن أيام المنصور .
" مالك بن أنس " 93 - 179 ه
ونظام تعيين الإمام كان يراه حسبما تم في سلوك الصحابة ، مضيفا إليه رأيه ، فهو
عنده بأحد طرق أربعة :
1 - نظام الشورى ابتداء
، كما فعل الصحابة في شأن أبي بكر ، وعلي .
2 - نظام الاستخلاف بشرط المبايعة ،
كما فعل أبو بكر في شأن عمر
3 - نظام الشورى بين عدد يعينهم الخليفة السابق ،
كما فعل عمر .
4 - نظام الغلبة بالسيف ،
فمن تغلب بالسيف ثم بايعه الناس ، تعد ولايته شرعية ، وكان عدلا في ذاته .
| |
* ( هامش ) *
= البصرة - وقد رأى أنس بن مالك ولم يرو عنه -
ولد بمرو وتوفي بالبصرة سنة 136 .
تهذيب الكمال 8 : 461
تسلسل / 1790 ، سير أعلام النبلاء 6 : 376 ت / 158 ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 62 |
" الشافعي " 150 - 204 ه وله ثلاثة آراء في
الإمامة :
1 - إنه يرى الإمامة أمرا دينيا لا بد من إقامته .
2 - إنه يرى أن
الإمامة في قريش .
3 - لا يشترط لصحة الخلافة أن تكون البيعة سابقة على التولي
، بل إنه يقرر أنه لو تغلب متغلب ، وكان قرشيا ، ثم استقام له الأمر ، واجتمع
عليه الناس ، فإنه يعد إماما . قال : وقد روى عنه تلميذه حرملة
( 1 ) ، أنه قال
: كل قرشي غلب على الخلافة بالسيف ، واجتمع عليه الناس ، فهو خليفة .
" أحمد بن
حنبل " 164 - 241 ه وملخص رأيه في الخلافة ، أنها على أربعة أشكال :
1 - نظام
الشورى ابتداء ، كانتخاب أبي بكر ، وعلي .
2 - نظام الاستخلاف من الخليفة
السابق ، بشرط المبايعة .
3 - الشورى بين عدد معين
يختارهم الخليفة السابق ليختاروا واحدا منهم كما فعل عمر .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) هو أبو حفص وأبو عبد
الله حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة ، كان أكثر أصحاب الشافعي اختلافا
إليه واقتباسا منه .
توفي سنة 243 وقيل 244 . وفيات الأعيان 2 : 64 ت / 154 ،
طبقات الشافعية 1 : 61 / 6 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 63 |
4 - نظام الغلبة بالسيف لكل بر وفاجر ، فالغالب تجب
طاعته .
وقال : قال الإمام أحمد : السمع والطاعة للأئمة ، وأمير المؤمنين البر
والفاجر ، ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس ، ورضوا به ، ومن غلبهم بالسيف ،
وسمي ( أمير المؤمنين ) . والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة ، البر
والفاجر .
ثم قال أبو زهرة : لقد أجمع جمهور العلماء على أنه لا بد من
إمام ، يقيم الجمع ، وينظم الجماعات ، وينفذ الحدود ، ويجمع الأموال من
الأغنياء ، ويردها على الفقراء ، ويحمي الثغور ، ويفصل بين الناس في الخصومات
بالقضاة الذين يعينهم ،
ويوحد الكلمة ، وينفذ أحكام الشرع ، ويلم الشعث ، ويجمع
المتفرق ، ويقيم المدينة الفاضلة التي حث الإسلام على إقامتها . قال : وعلى هذا
أجمع المسلمون .
ثانيا : المعتزلة : ويتخلص رأيهم في ثلاث نقاط :
1 - إن الإمامة
يستحقها كل من كان قائما بالكتاب والسنة .
2 - يتقدم القرشي على غيره ، فإذا
اجتمع قرشي ونبطي وهما قائمان بالكتاب والسنة قدم القرشي .
3 - لا تكون الإمامة
إلا بإجماع الأمة واختيارها ( 1 ) .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) المقالات والفرق : 8 -
9 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 64 |
ثالثا : الزيدية : وهم على قسمين : فمنهم من قال :
إن عليا ( عليه السلام ) هو الأفضل بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن جاز
للأمة أن تولي غيره ، وإليهم ينسب القول بجواز تقديم المفضول على الأفضل .
ومنهم الجارودية : وعقيدتهم أن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
علي ( عليه السلام ) ، وبعده الحسن ( عليه السلام ) ، ثم الحسين ( عليه السلام
) نصا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وبعد الحسين ( عليه السلام )
تكون شورى بين أبناء الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام ، فإن قام أحد منهم
بالإمامة وبايعه الناس فهو الإمام . فالإمامة عندهم لا تخرج عن ذرية الحسن
والحسين عليهما السلام ( 1 ) .
رابعا : الإمامية الاثنا عشرية : وملخص قولهم :
1 - أن الإمامة ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة ، بل هي قضية أصولية ،
وهي ركن من الدين ، لا تكون إلا بالتعيين ، والنص من النبي .
2 - أن الإمام يجب
أن يكون معصوما ، منزها من الكبائر والصغائر .
3 - أن الإمامة بعد النبي
صلى الله عليه وآله وسلم في علي ( عليه السلام ) ثم الحسن ( عليه السلام ) ، ثم
الحسين ( عليه السلام ) ، ثم تسعة من ولد
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر :
المقالات
والفرق : 18 ، الفرق بين الفرق : 30 - 37 . ( * ) |
|
|
- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب
عبد الحميد ص 65 |
الحسين معروفين بأسمائهم ، وقد نص كل إمام على
الإمام اللاحق له .
4 - أن الإمامة فيهم ولا تخرج منهم ، ولا تصح لسواهم
( 1 ) .
وبعد هذه الجولة بين آراء المذاهب الإسلامية في تعيين الإمام
لنتوجه إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة لنرى أي هذه الآراء أقرب إلى الحق .
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) أنظر : المقالات والفرق : 15 - 17 ،
الملل والنحل : 131 ، 144 . ( * ) |
|