- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 330

ولو دخلنا في باب العقائد ، وأول الأصول فيها ، الذي هو أصل " التوحيد " : لما وجدنا التوحيد الخالص الذي يطمئن له القلب ، ويتذوق حلاوته إلا

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 331

في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، إذ لا حيرة بين التشبيه والتعطيل ، ولا اضطراب بين الجبر والتفويض ، لا هذا ولا ذاك ، بل هو التوحيد الخالص الذي ينسجم مع عظمة الخالق جل جلاله ، وينزهه عن كل الأوهام والظنون .

ولقد عجت خطب نهج البلاغة بما يصور أرقى معاني التوحيد وأكملها ، وامتلأت كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام في صحيفته الرائعة ( الصحيفة السجادية ) بتلك المعاني .

وإتماما للمعنى فقد انتخبنا بعض المقاطع من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المعروفة بخطبة الأشباح ، يرويها الإمام الصادق عليه السلام ، فيقول : إن رجلا أتاه فقال له : يا أمير المؤمنين ، صف لنا ربنا مثلما نراه عيانا لنزداد له حبا وبه

معرفة ، فغضب ونادى : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قال : " الحمد لله الذي لا يفره المنع والجمود ، ولا يكديه الإعطاء والجود .

. . الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شئ بعده ، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه . . . فانظر أيها السائل : فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته ، وما كلفك الشيطان

علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى أثره ، فكل علمه إلى الله سبحانه . . . هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع

عليه في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب ، متخلصة
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 332

إليه - سبحانه - فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته . . . فأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك ، لم

يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك . . . كذب العادلون ، إذ شبهوك بأصنامهم ، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم . . . وأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك ،

والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك ، وإنك أنت الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفا ، ولا في رويات خواطرها فتكون محدودا مصرفا . . . إلى آخر خطبته عليه السلام ( 1 ) .
 

وفي أصل " النبوة " مهما بحثنا لا نجد عقيدة تنزه الأنبياء والرسل ، صلوات الله عليهم أجمعين غير عقيدة الشيعة الإمامية ، وأما عند سواهم فالأنبياء جميعا محملون بالأخطاء والآثام ! وهذا مما ينفر منهم ولا يقرب إليهم ، ولا يستقيم إطلاقا مع كونهم عليهم السلام أمناء الله تعالى على رسالاته ، ولا مع كون الاقتداء بهم أمرا إلزاميا .

إذ كيف يكون أمينا على وحي الله تعالى ورسالاته من يحتمل منه الخطأ والاشتباه ؟ ! أم كيف يؤمر العباد بالتأسي بهم ، بكل أفعالهم وأقوالهم ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( 2 ) ، ( ولقد كان لكم في رسول
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) نهج البلاغة - شرح الدكتور صبحي الصالح : 124 - 136 - خطبة رقم 91 - .
( 2 )
الحشر : 7 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 333

 الله أسوة حسنة ) ( 1 ) .

وكيف يكون ذلك وهم يقعون في الخطأ والاشتباه ؟ ! أما عصمة الأنبياء ، ونزاهتهم من الآثام والأخطاء فلا تجدها إلا في عقائد الإمامية . والبحث في هذا يطول . . ولكن أم المسائل في هذا الباب يمكن صياغتها بالسؤال التالي : -

 لماذا هذا الإعراض عن فقه أهل البيت عليهم السلام ؟ ! فهل كان غيرهم من أئمة الفقه أعلم منهم ؟

لقد كان رائد مدرسة أهل البيت في الفقه الإمام جعفر الصادق عليه السلام وقد عاصره من أئمة الفقه الذين اعتمد فقههم ، وأوقف العمل على فتاويهم : أبو حنيفة ، ومالك بن أنس ، ثم تلاهم الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، فهل كان معاصروه ، أو التابعون له أعلم منه وأفضل ؟


قال ابن أبي حاتم : سمعت أبا حاتم يقول : جعفر لا يسأل عن مثله . وقال : سمعت أبا زرعة ، وسئل عن [ حديث ] جعفر بن محمد عن أبيه وسهيل عن أبيه ( 2 ) ، والعلاء عن أبيه ( 3 ) ، أيها أصح ؟ فقال : لا يقرن جعفر إلى هؤلاء ( 4 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الأحزاب : 21 .
( 2 )
قال الذهبي : سهيل بن أبي صالح ، الإمام المحدث الكبير الصادق . . حدث عن أبيه أبي صالح ذكوان السمان . .
وحدث عنه الأعمش ، وربيعة ، وموسى بن عقبة وهم من التابعين . . وكان من كبار الحفاظ . . أثنى عليه الترمذي ،
وأحمد ، وابن معين وغيرهم . سير أعلام النبلاء 5 : 458 .
( 3 )
قال الذهبي : العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، الإمام المحدث الصدوق . . حدث عن والده عبد الرحمن صاحب أبي هريرة ،
وعن أنس بن مالك . . وحدث عنه : مالك ، وشعبة ، وسفيان ، وابن عيينة . سير أعلام النبلاء 6 : 186 .
( 4 )
سير أعلام النبلاء 6 : 257 - 258 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 334

وقال اليعقوبي : كان جعفر بن محمد - الصادق - أفضل الناس ، وأعلمهم بدين الله . وكان من أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه قالوا : أخبرنا العالم ( 1 ) .

وقال ابن خلكان : أبو عبد الله جعفر الصادق ، أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية ، وكان من سادات أهل البيت - عليهم السلام - ولقب بالصادق لصدقه في مقالته ، وفضله أشهر من أن يذكر .

وله كلام في صنعة الكيمياء . . وكان تلميذه جابر بن حيان قد ألف كتابا يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق - عليه السلام - وهي خمسمائة رسالة ( 2 ) .

وقال أبو جعفر المنصور : إن جعفرا كان ممن قال الله فيه : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) وكان ممن اصطفى الله ، وكان من السابقين بالخيرات ( 3 ) .

وقال الذهبي : جعفر الصادق عليه السلام كبير الشأن من أئمة العلم ، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور ( 4 ) .

وسئل أبو حنيفة من أفقه من رأيت ؟ قال : ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد . لما أقدمه المنصور الحيرة بعث إلى ، فقال : يا أبا حنيفة ، إن الناس قد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 381 .
( 2 )
وفيات الأعيان 1 : 327 .
( 3 )
تاريخ اليعقوبي 2 : 383 .
( 4 )
سير أعلام النبلاء 13 : 120 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 335

فتنوا بجعفر بن محمد ! فهيئ له من مسائلك الصعاب . فهيأت له أربعين مسألة ، ثم أتيت أبا جعفر ، وجعفر جالس عن يمينه ، فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لا يدخلني لأبي جعفر - إلى أن قال - فقال لي أبو جعفر : هات من مسائلك .

فابتدأت أسأله ، فكان يقول في المسألة : أنتم تقولون فيها كذا وكذا ، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا ، ونحن نقول كذا وكذا . فربما تابعنا ، وربما تابع أهل المدينة ، وربما خالفنا جميعا ، حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة . ثم قال أبو حنيفة : أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ( 1 ) ؟


فلماذا إذن لا يؤخذ الفقه من أفضل الناس ، وأعلمهم ، وأعلمهم باختلاف الناس ؟

دع عنك الخلاف في أمر الإمامة ، وإن بايعوا من بايعوا ووالوا من والوا ، ولكن هذه مسائل الفقه ، والحلال والحرام ، فما الذي يمنع أن نأخذها من أعلم الناس ! أليست السياسة هي التي صنعت هذا الجفاء ؟

أم لم يصح التعبد طبق مذهبهم عليهم السلام ؟ ! فحتى إذا لم نلتفت إلى كل ما جاء بحقهم عليهم السلام من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، وشهادات معاصريهم ، فإن بيننا اليوم من فتاوى المتأخرين ما يمكن اللجوء إليه ، فقد أفتى شيوخ

الأزهر - ابتداء من الشيخ محمود شلتوت - بجواز التعبد طبق مذهب جعفر الصادق عليه السلام . ولو لم تكن السياسة ، وشهوة " السلطان " هي التي صنعت هذا ، فهل
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) سير أعلام النبلاء 6 : 257 - 258 ، تهذيب الكمال 5 : 79 . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 336

ترى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجفو أهل بيته الأطهار ، وهي ترى فيهم أعلى الفضل ، والشرف ، والسيادة ، والشجاعة ، والعلم ، والفقه ، والكرم ، والحكمة ، وكل الفضائل ومكارم الأخلاق ، أترى هذا يكون لولا ذاك ؟

أم يقال : إن الشيعة قد كذبوا على أئمة أهل البيت ؟ إن من أغرب ما أراه يتكرر تحت ناظري ، وعلى مسامعي هي هذه الدعوى ، التي ما قيلت إلا لأجل قطع الطريق على الباحث أن يبلغ الحقيقة ، وقطع الطريق على الحقائق أن تبلغنا ! دع عنك

كل ما تقدم ذكره من قصة الوضع في الحديث ، وما مني به أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم ومحبيهم من فنون الأذى مدى الأيام ، دع عنك هذا كله ، وهب أن شيئا منه لم يكن ، وتعال نواجه هذه الدعوى بالسؤال التالي : إذا كانت هذه الطائفة من

المسلمين قد كذبت على أئمة أهل البيت ، وابتدعت لها طريقا نسبته إليهم ، فما بال أصحاب هذه الدعوى من طلاب الحق لم يأخذوا الصحيح عنهم عليهم السلام ويتمسكوا به ويحفظوه لنا لنعرف فقه أهل بيت نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ؟ ! إن

كانوا يتحرون الحق ، ويوالون أهله ، فما بالهم لم يأخذوا دينهم - بأصوله وفروعه - عن أئمة الهدى ، وزعماء الدين ، ورواد العلم ، والفقه ، والشرف ، والتقوى ؟ ! لماذا تركوهم ، وأعرضوا عنهم ، وراحوا يلتمسون العقائد والأصول والفروع وكل

شئ ممن هو دونهم بلا ريب ؟ ! وليس هذا فقط ، بل إذا رأوا من يحفظ حديثهم عليهم السلام قالوا : هذا رافضي . وتركوه ! هذه هي حقيقة تلك الدعوى ، فلو صدقوا فيما زعموا لاتبعوهم وهم يشهدون لهم بالفضل .
 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 337

وتقدم قول ابن حجر : إن في أحاديث التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة
( 1 )
. وقال : هم معدن للعلوم اللدنية ، والأسرار والحكم العلية ، والأحكام الشرعية ، ولذا حث صلى الله عليه وآله
وسلم على الاقتداء والتمسك بهم ، والتعلم منهم ، وقال : " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت " ( 2 ) .

فلماذا هذا الإعراض عنهم ، والتمسك بمن هو دونهم في الدرجات ؟ ! أكتب هذه الكلمات وتتردد في ذهني مقولة أمير المؤمنين عليه السلام ، التي يقول فيها : " فأين تذهبون ؟ ! وأنى تؤفكون ؟ ! والأعلام قائمة ، والمنار منصوبة ، فأين يتاه
بكم ؟ ! وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم ؟ ! وهم أزمة الحق ، وإعلام الدين ، وألسنة الصدق
( 3 ) ؟ !


ثم ألا يكفينا حجة للتمسك بهم عليهم السلام أنهم الثقل الملازم للقرآن ، فلا هما يفترقان ، ولا يضل متمسك بهما أبدا ؟ وبعد ، فنحن مسؤولون غدا عن ذلك : " فانظروا كيف تخلفوني فيهما " " أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " ؟


- وأنهم هم الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسفينة نجاة هذه الأمة " فمن تعلق بها نجا ، ومن تخلف عنها غرق " ؟

 - وهم عليهم السلام " أمان لأهل الدنيا ، فإذا خالفتهم قبيلة من العرب اختلفوا ، فصاروا حزب إبليس " .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) ( 2 ) الصواعق المحرقة : 151 .
( 3 )
شرح نهج البلاغة - للدكتور صبحي الصالح - : 119 - الخطبة رقم 87 - . ( * )

 

 

- منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد ص 338

فماذا بعد ؟ قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده ، ويعرف غوره ونجده . داع دعا ، وراع رعى ، فاستجيبوا للداعي ، واتبعوا الراعي : نحن الشعار والأصحاب ، والخزنة والأبواب ، ولا تؤتى

البيوت إلا من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا . فليصدق رائد أهله ، وليحضر عقله . وليكن من أبناء الآخرة ، فإنه منها قدم ، وإليها ينقلب . فالناظر بالقلب ، العامل بالبصر يكون مبتدأ عمله أن يعلم : أعلمه عليه أم له ! فإن كان له

مضى فيه ، وإن كان عليه وقف عنه . فإن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق ، فلا يزيده بعده عن الطريق الواضح إلا بعدا من حاجته ! والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح . فلينظر ناظر : أسائر هو ، أم راجع " ( 1 ) . شرح الله صدورنا للحق أجمعين . . والحمد لله رب العالمين . . 16 محرم الحرام 1412
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) نهج البلاغة - للدكتور صبحي الصالح - : 215 - 216 ( خطبة : 154 ) . ( * )

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب